المادة 113، الفجوة المالية وصندوق النقد الدولي بين الإصلاح والمخاطر
بقلم د. خالد عيتاني رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية
في قلب لبنان، الوطن الصغير بمساحته والكبير بتنوعه، تتشابك الأزمة المالية مع الفساد الممنهج لتخلق فجوة مالية غير مسبوقة تهدد استقرار الدولة ومصالح المواطنين على حد سواء. منذ عام 2019، شهدت البلاد انهيارًا شبه كامل للنظام المصرفي، وتجميد ودائع المواطنين، وتآكل احتياطات مصرف لبنان من النقد الأجنبي. ويظهر الواقع أن الفساد لم يكن مجرد خلل مؤسسي عابر، بل آلية منهجية أدت إلى عجز الميزانية، عجز الميزان التجاري، وتدهور الثقة بين الدولة والمواطنين. هذا المشهد المعقد يضع لبنان أمام مفترق طرق حقيقي بين الاستمرار في السياسات المالية القديمة أو الانطلاق في إصلاح شامل يعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني.
تعد المادة 113 من قانون النقد والتسليف أحد المحاور الأساسية في هذا الجدل، حيث تنص على التزام الدولة بتغطية خسائر مصرف لبنان بعد استنفاد احتياطياته. في سياق الأزمة، تراكمت خسائر المصرف المركزي إلى أكثر من 16 مليار دولار، وفقًا لحساباته، مما جعل الدولة تواجه عبئًا قانونيًا وماليًا هائلًا لا تستطيع تحمله وحدها. وقد أثار هذا الوضع جدلًا كبيرًا مع صندوق النقد الدولي، الذي يرى أن تحميل الدولة وحدها كل الخسائر الضخمة يشكل تهديدًا مباشرًا لاستدامة الدين العام ويقلل فرص لبنان في الحصول على برامج دعم دولية. من هذا المنظور، لا يشترط الصندوق إلغاء المادة، بل يطالب بإعادة توزيع مسؤوليات الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية والمودعين، بما يحقق التوازن المالي المطلوب.
في مواجهة هذا الواقع، صيغ قانون الفجوة المالية المعروف باسم ULF عام 2025، ليكون إطارًا قانونيًا شاملًا لمعالجة الفجوة المالية الضخمة واستعادة ودائع المودعين، وضمان استقرار النظام المصرفي. وقد وضع القانون آليات لحماية صغار المودعين واستعادة الثقة في القطاع المصرفي، بينما تضمن آليات أخرى توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين الكبار. إلا أن بعض الانتقادات رأت أن القانون ما زال يحمل مخاطر تحميل بعض المودعين والمصارف أكثر من نصيبهم الفعلي، بالإضافة إلى غياب معايير محاسبية واضحة حول العوائد على السندات وطبيعة التمويل طويل الأجل.
دور المصارف والمودعين في هذه الأزمة كان بالغ الأهمية. فقد تحملت المصارف جزءًا من الخسائر، لكنها رفضت تحمل كامل الأعباء، في حين عانى صغار المودعين من تجميد ودائعهم لسنوات. كما أدت القروض التي سددت على أساس سعر 1500 ليرة للدولار الواحد إلى تعقيد الأزمة، إذ لم يتمكن المقترضون من الوفاء بالتزاماتهم بالدولار، ما أثر على السيولة النقدية في القطاع المصرفي. ومن أجل معالجة هذه التحديات، اقترح القانون دمج التعويض النقدي مع إصدار سندات طويلة الأجل وإعادة هيكلة الدين المصرفي بما يوازن بين حماية المودعين وضمان استمرارية المصارف.
في هذا السياق، يبرز دور صندوق النقد الدولي الذي يشترط وجود إطار قانوني واضح لتوزيع الخسائر وحماية صغار المودعين وضمان استدامة الدين العام. ويؤكد الصندوق أن أي برنامج تمويل مستقبلي يجب أن يدمج الدولة والمصرف المركزي والمصارف والمودعين ضمن خطة إصلاح شاملة، بحيث لا تكون المسؤولية محصورة على الدولة وحدها نتيجة السياسات المالية السابقة غير المستدامة. هذا الموقف يعكس حرص الصندوق على استعادة الاستقرار المالي بطريقة تضمن توزيعًا عادلاً للمسؤوليات وتحمي الاقتصاد من صدمات مستقبلية.
اليوم، يقف لبنان أمام مفترق طرق مالي وسياسي بالغ الخطورة، إذ يستمر الجمود في تعميق الفجوة المالية، بينما توفر الإصلاحات القانونية مثل ULF والمادة 113 فرصة لإعادة التوازن وحماية المودعين واستعادة الثقة الدولية. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان محاسبة المسؤولين عن الفساد وتحمل المسؤولية، وتطبيق توزيع عادل للخسائر، حتى لا تتحول هذه الإصلاحات إلى مجرد قانون عفو عام مقنّع عن الجرائم المالية التي أضرت بالمال العام.
وبناءً على ذلك، يمكن صياغة توصيات استراتيجية واضحة للمستقبل. فمن الضروري البدء بمحاكمة ومساءلة كل من تورط في سوء إدارة الموارد المالية منذ 2010، ووضع آليات دقيقة لتوزيع الخسائر بطريقة تضمن استدامة المالية العامة، مع حماية صغار المودعين. كما يجب تعديل المادة 113 لتوضيح حدود مسؤولية الدولة واعتماد إطار قانوني واضح لكل عمليات تغطية الخسائر المستقبلية، إضافة إلى تعزيز الثقة الدولية عبر تنفيذ إصلاحات بنية تحتية مصرفية ومالية وفق معايير صندوق النقد الدولي، ونشر شفافية دورية حول الموارد المالية والاحتياطيات وتوزيع الخسائر.
المراجع
- LBC Group, 2025. Lebanon pushes to finalize
Financial Gap Law. رابط
- Al Jazeera, 2025. Lebanon Central Bank Agreement
and IMF Discussions. رابط
- English Aawsat, 2025. Lebanon’s
Bank Deposit Repayment Plan Outline. رابط
- IM Lebanon, 2025. IMF Framework
for Lebanon’s Financial Reform. رابط
- Al Safa News, 2025. Analysis of
Lebanon’s Financial Gap Law. رابط
- Business News, 2025. Dispute Between
BdL, Ministry of Finance, and IMF over $16.5 Billion.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية