بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
مقدمة: من الاستنزاف إلى لحظة القرار
لبنان يعيش منذ سنوات حالة استنزاف مالي غير مسبوقة. عانى المودعون من حسابات مجمّدة وخسائر متراكمة، وغياب أي خطة واضحة للخروج من الأزمة. وسط هذا الواقع، أقرّت الحكومة مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع، الذي يعتبره وزير الاقتصاد د. عامر بساط خطوة عملية واقعية، لا تهدف إلى تقديم الحل الكامل للأزمة، بل إلى رسم مسار قابل للتنفيذ بدل استمرار الوضع القائم بلا أفق. وفق تصريحات الوزير، فإن القانون “يقدّم مسارًا عمليًا بدل الحل المثالي… بدل الركود المستمر الذي لا يقدّم للمودعين سوى انتظار بلا نهاية.”
“The legislation provides a practical pathway rather than a perfect solution… in lieu of continued stagnation that offers depositors
nothing but indefinite waiting.”
— كما ورد في An‑Nahar
هذا المشروع أثار ترحيبًا من بعض الأطراف، لكنه في المقابل واجه نقاشات نقدية محلية ودولية واسعة حول مدى عدالته وواقعيته في استعادة الأموال وحماية المودعين. يرى المراقبون المحليون والدوليون أن القانون يحل مشكلة تنظيم الخسائر
مؤقتًا ولكنه يفشل في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، مثل ضعف الرقابة المصرفية، تراجع الثقة بالمؤسسات، والفجوة الكبيرة بين السيولة الفعلية والودائع المجمّدة. الصحف الأجنبية مثل Financial Times تشير إلى أن القانون “يركّز على تنظيم الخسائر بدل إصلاح النظام البنكي بشكل حقيقي… هذا يضع المودعين في دائرة انتظار طويلة ومع
عدم اليقين.”
“The law focuses on arranging losses rather than truly reforming the banking system… placing depositors in a prolonged cycle of waiting with uncertainty.”
مسار القانون الواقعي مقابل البدائل المثالية
يرى الوزير بساط أن القانون ليس الحل المثالي، لكنه يوفر خطة قابلة للتطبيق على أرض الواقع، وهو أكثر واقعية من انتظار حلول مثالية قد تؤخر استرداد الودائع سنوات إضافية. في المقابل، يرى النقاد أن التركيز على التنفيذ الواقعي وحده قد يكرّس الخسائر بدل معالجة جذورها البنيوية. الصحف الأجنبية مثل The Economist تؤكد أن القانون
يوفر “مسارًا محددًا لكن بدون معالجة جذور الفجوة النقدية وغياب ثقة المستثمرين، فقد يستمر الركود المالي لفترة أطول.”
“The Lebanese law provides a defined pathway but without addressing the root causes of the liquidity gap and the lack of investor confidence,
financial stagnation may persist longer.”
هنا يظهر التناقض الأساسي بين الطرح الحكومي والطرح النقدي: الأول يعتمد الواقعية السياسية والمالية لتخفيف معاناة المودعين، بينما الثاني يشدد على أن تنظيم الخسائر دون إصلاحات هيكلية لن يمنع تكرار الأزمة مستقبلاً.
حماية صغار المودعين وإعادة القيمة الحقيقية
يشدد الوزير بساط على أن صغار المودعين سيستعيدون ودائعهم كاملة بوتيرة أسرع، وأن المشروع يضمن لهم استرداد أول 100 ألف دولار خلال أربع سنوات، ما يمثل تقدماً مقارنة بالوضع الحالي. غير أن النقد يرى أن هذه الفترة الطويلة قد تقلّل من القيمة الحقيقية للودائع بسبب
التضخم وفقدان القوة الشرائية. حيث ذكرت وكالة Bloomberg أن القانون “لا يوفر أي حماية فعالة للقيمة الحقيقية لأموال المودعين… أربع سنوات طويلة جدًا في ظل التضخم المرتفع.”
“The law does not provide any effective protection for the real value of depositors’ funds… four years is far
too long amid high inflation.”
كما يشير النقد الدولي إلى أن تمويل الاسترداد يعتمد بشكل كبير على تدفقات مستقبلية غير مضمونة، ما يضيف عنصر مخاطرة إضافي على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في المدى المتوسط.
أدوات مالية لكبار المودعين: بين الدعم النقدي والشكوك
يضمن المشروع لكبار المودعين الحصول على أدوات مالية قابلة للتداول مدعومة بأصول مصرف لبنان، مما يوفر لهم عوائد وتدفقات نقدية سنوية. غير أن النقد المحلي يشكك في هذه الآلية ويعتبرها مرهونة بتقديرات غير شفافة، ويشير تقرير Reuters إلى أن “الاعتماد على أصول مصرف
لبنان لتسديد سندات كبار المودعين يفتقر إلى الشفافية الكافية… وهناك خطر أن التقديرات مبالغ فيها.”
“Relying on Central Bank assets to repay large depositors’ bonds lacks sufficient transparency… and there is a risk that the valuations are inflated.”
هذه النقطة تبرز أهمية وجود بيانات دقيقة وشفافة عن حجم الخسائر الفعلي وقيمة الأصول لضمان أن تكون الأدوات المالية ذات قيمة فعلية وليست مجرد وعود نظرية.
توزيع المسؤوليات بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان
يشدد الوزير على أن القانون يوزّع المسؤوليات بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان مع الحفاظ على الاستقرار المالي وحماية الاقتصاد الأوسع. ومع ذلك، يشير النقد أن هذا التوزيع لم يحسم الخلافات الجوهرية بين الجهات السياسية والمصرفية، وأنه قد يبطئ التنفيذ. نقلت صحيفة Financial Times أن “توزيع الأعباء بين الدولة والمصارف قد يبدو عادلاً على الورق، لكن في الواقع الانقسامات السياسية والضغوط من القطاع المصرفي تجعل التنفيذ غير مضمون.”
“The allocation of burdens between the state and banks may seem fair on paper, but in reality, political divisions and pressures from the banking sector render implementation uncertain.”
التوافق مع المعايير الدولية وصندوق النقد الدولي
يشير الوزير إلى أن القانون يتوافق مع المعايير الدولية ويعد جزءًا من المفاوضات مع صندوق النقد، بينما يرى النقد الدولي أن القانون “لا يزال يحتاج إلى تعديل… وخصوصًا فيما يتعلق بتجميع الحسابات وتوزيع الاسترداد بشكل عادل”، كما ورد في The Wall Street Journal.
“The IMF sees that the Lebanese law still requires amendment… particularly regarding account aggregation and equitable repayment distribution.”
التدقيق المحاسبي والمساءلة
ينص القانون على تدقيقات محاسبية وجنائية دولية لمصرف لبنان وجميع المصارف، إلا أن النقد يشير إلى أن آليات التنفيذ غير واضحة، وقد تؤدي إلى غياب المساءلة الحقيقية. وفق BBC Arabic: “نصوص التدقيق جيدة على الورق… لكن بدون آليات تنفيذ واضحة، لن تحقق أي محاسبة حقيقية.”
“The audit provisions
look good on paper… but without clear enforcement mechanisms, they will not achieve real accountability.”
استخدام احتياطي الذهب
يشير الوزير إلى منع استخدام الذهب وفق قانون 1986، مع فتح نقاش مستقبلي حول
دوره في دعم التنمية، بينما يرى النقد أن هذا يحدّ من مرونة الدولة ويترك أصولًا استراتيجية غير مستثمرة. ذكرت Financial Times: “حرمان الدولة من استخدام الذهب يعني فقدان مصدر محتمل لتعزيز السيولة واستعادة الثقة، وهذا عنصر خطر طويل الأمد.”
“Preventing the state from using gold means
losing a potential source to enhance liquidity and restore confidence, which is a long-term risk factor.”
الجدول الزمني لاستعادة الودائع
يحدد الوزير أطرًا زمنية لاسترداد صغار المودعين وأدوات كبار المودعين، بينما يرى النقد الدولي أن الجدول
الطويل يبقي المودعين في حالة من عدم اليقين المستمر، مع مخاطر التضخم والخسائر المحتملة. وفق Al Jazeera: “إرجاء استعادة الودائع الكبيرة على مدى 20 سنة يضع المودعين تحت ضغط مستمر ويزيد من عدم اليقين.”
“Deferring repayment of large deposits over 20 years places depositors under continuous
pressure and increases uncertainty.”
وحدة الدولة وتحمل المسؤولية المالية – نقد موسع
في تصريحات نقلها موقع MTV، أكّد الوزير بساط أن القانون واضح وأن الدولة ستتحمّل المسؤولية عن الدين المتعلق بخطة استرداد الودائع والنظام المالي:
“القانون واضح، والدولة ستتحمّل المسؤولية عن الدين المرتبط بمشروع استعادة الودائع والنظام المالي.”
“The law is clear, and the state will assume responsibility for the debt concerning the deposit recovery project and financial order.”
يشير النقد إلى أن تحميل الدولة المسؤولية بهذا الحجم
دون إطار مالي أو دستوري محدد قد يؤدي إلى:
- تعميق العجز المالي وتقليص قدرة الدولة على الخدمات الأساسية.
- إخضاع الدين لتوازنات سياسية ضاغطة بين الكتل المختلفة.
- تضارب الالتزامات بين تغطية الدين واحتياجات القطاعات الحيوية الأخرى، مما قد يضعف ثقة المواطنين والمؤسسات الدولية.
وبذلك يتحوّل شعار “وحدة الدولة” إلى مفهوم سياسي أكثر منه التزام مالي واقعي، ما يبرز الحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة وشفافة.
خاتمة
مشروع قانون الانتظام المالي واستعادة الودائع يمثل خطوة مهمة نحو الإصلاح المالي والديمقراطي طويل الأمد، لكنه يواجه نقدًا محليًا ودوليًا واسعًا حول عدالة توزيع الخسائر، وواقعيته في استعادة الأموال، وحماية حقوق المودعين. الطرح الحكومي يُظهر مسارًا عمليًا نحو استعادة الثقة، بينما تشير الملاحظات النقدية إلى أهمية تعزيز الشفافية، ضبط الخسائر بدقة، تطبيق محاسبة حقيقية، وضمانات تشريعية قوية لضمان تنفيذ فعلي ومستدام.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية