حين يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة سوق العمل: الشباب بين الإزاحة والفرص

بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

في عالم يزداد سرعة وتطورًا، لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد نقاش نظري أو توقعات بعيدة، بل أصبح واقعًا ملموسًا يعيد تشكيل سوق العمل بأكمله. منذ أواخر

عام 2022، ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح من الواضح أن هذه التكنولوجيا لم تعد أداة مساندة فحسب، بل فاعل اقتصادي قادر على تحديد من يبقى في السوق ومن يُزاح منه، خاصة الشباب الذين يبدأون مساراتهم المهنية.

الإحصاءات الإقليمية تؤكد هذه الحقيقة بوضوح. في استطلاع حديث للشرق الأوسط بعنوان

“آمال ومخاوف القوى العاملة في المنطقة 2025″، تبين أن نحو 75% من الموظفين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، بينما يستخدم 32% منهم هذه الأدوات يوميًا في أداء المهام، وهو معدل أعلى من المتوسط العالمي. الأكثر أهمية أن نحو 49% يتوقعون تأثيرًا كبيرًا لهذه التكنولوجيا على وظائفهم

خلال السنوات الثلاث القادمة، ما يعكس وعيًا وقلقًا متزايدًا بين القوى العاملة الشابة في المنطقة. هذه الأرقام تكشف أن التحوّل الوظيفي ليس مجرد احتمالية، بل واقع ملموس يفرض على الجميع إعادة التفكير في مساراتهم المهنية.

الشباب هم الأكثر هشاشة في هذا التحوّل. تشير بيانات سوق العمل العالمي إلى أن توظيف الفئة العمرية بين 22 و25

عامًا في القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة، مثل البرمجة المبتدئة وخدمات العملاء، قد انخفض بنسبة تقارب 20% منذ نهاية 2022 مقارنة بالفئات الأكبر سنًا، وهو ما يتوافق مع التجارب الإقليمية، حيث أصبحت وظائف البداية أقل وضوحًا وتنافسية في بيئات العمل التقليدية. كما يوضح الاقتصادي دارون عجم أوغلو من MIT، فإن الذكاء

الاصطناعي يستهدف المهام وليس البشر، والمشكلة أن غالبية الوظائف المخصصة لدخول السوق تقوم على مهام متكررة يمكن أتمتتها بسهولة.

لكن ليس كل ما يلوح في الأفق قاتمًا. الخبراء الاقتصاديون والقادة في شركات التكنولوجيا الكبرى يشددون على أن القيمة الحقيقية للعامل البشري تكمن في المعرفة الضمنية، أو ما يعرف بـTacit

Knowledge، والتي تشمل فهم السياق، إدارة العلاقات، واتخاذ القرار في ظروف غير مكتملة المعلومات. هذه المهارات تمنح الموظفين الأكبر سنًا حصانة نسبية، لكنها ليست ضمانًا دائمًا، إذ يتوجب على الجميع مواكبة التغيرات التقنية باستمرار.

في الشرق الأوسط، بدأ هذا التحول يخلق أدوارًا جديدة لم تكن موجودة سابقًا، مثل

مراجعي جودة المخرجات الذكية ومدراء البيانات التدريبية ومخططي أنظمة الذكاء الاصطناعي المسؤولة، خصوصًا في مراكز التكنولوجيا بمصر ودبي وأبوظبي. ومثال ذلك، مشروع أول مؤسسة للذكاء الاصطناعي المسؤول في أبوظبي بالشراكة بين “جي42″، “مايكروسوفت” وجامعة محمد بن زايد، والذي يهدف إلى تجهيز الشباب

بمهارات تمكنهم من العمل جنبًا إلى جنب مع التقنيات الذكية، بدل أن يكونوا مجرد متلقين سلبيين لتغيرات السوق.

في هذا السياق، لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل بعض المهارات البشرية الجوهرية، خاصة تلك التي تتطلب التفاعل الإنساني العميق، الإبداع، والحكم الأخلاقي. المهارات العاطفية، مثل التعاطف القيادي والدعم

النفسي والاجتماعي، إلى جانب القدرة على حل النزاعات في بيئات متعددة الثقافات، تمثل حصنًا ضد الأتمتة الكاملة. كما تبقى القدرة على الابتكار وابتكار حلول للمشكلات غير المتوقعة، واتخاذ القرارات في سياقات أخلاقية معقدة، من المجالات التي تظل البشرية متفوقة فيها.

لتجاوز هذه التحديات، يجب أن تتحرك الحكومات

والشركات بشكل تكاملي. فالحكومات مطالبة بإصلاح المناهج التعليمية لتتضمن الذكاء الاصطناعي التطبيقي، المهارات الرقمية، والمهارات الإنسانية العليا، بالإضافة إلى إطلاق برامج تدريب مهني متخصصة بالشراكة مع القطاع الخاص، بحيث تمكن الشباب من اكتساب المهارات المطلوبة لسوق العمل الجديد خلال فترة قصيرة. الشركات من

جانبها، يمكنها إنشاء برامج إعادة تأهيل داخلي للشباب، وحاضنات لتطوير المواهب الجديدة، وإعادة تصميم المسارات المهنية لتشجيع الانتقال بين الأدوار بدل البقاء في مسار واحد محدود، مما يضمن التكيف مع البيئة الجديدة وتحقيق العدالة الوظيفية.

في الختام، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم

سوق العمل بسرعة غير مسبوقة. الشباب هم الأكثر تأثرًا، لكنهم أيضًا الأكثر قدرة على التكيف والاستفادة، إذا ما استثمروا مهاراتهم واستعدوا للتعلم المستمر، وتبني المهارات الإنسانية التي لا يمكن للآلة محاكاتها. المستقبل لن يقصي البشر، لكنه سيكافئ أولئك الذين يفهمون أن القيمة لم تعد في مجرد أداء المهام، بل في القيادة، الفهم العميق، والقدرة

على المزج بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي لتحقيق نتائج غير مسبوقة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شحادة يبحث ملفات المهجرين ورخص البناء ويستقبل وفد المنظمة الدولية للهجرة

استقبل وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة، في مكتبه، رؤساء ...

الهند احتلفت اليوم بالذكرى السابعة والسبعين ليوم الجمهورية في سفارة الهند ببيروت وفي مقر الكتيبة الهندية السادسة والعشرين في إبل السقي

احتفلت الهند اليوم بالذكرى السابعة والسبعين ليوم الجمهورية في سفارة الهند ببيروت وفي مقر الكتيبة ...

المملكة تستضيف الاجتماع الدولي للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون والنمو في جدة أبريل المقبل

أعلنت المملكة العربية السعودية رسميًا اليوم، عن استضافتها الاجتماع الدولي للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون ...