«نحن لا نعيش عصر تغيّر، بل تغيّر عصر.» – كلاوس شواب
بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
انعقد الاجتماع السنوي السادس والخمسون لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي في يناير 2026 في لحظة تاريخية دقيقة، لحظة لم يعد فيها العالم يبحث عن حلول تقنية لأزمات عابرة، بل عن صيغة جديدة لإدارة نظام دولي متآكل. تحت شعار «روح الحوار» (A Spirit of Dialogue)، اجتمع نحو ثلاثة آلاف قائد وصانع قرار من أكثر من 130 دولة، بينهم رؤساء دول وحكومات، وقادمؤسسات مالية، ورؤساء كبرى الشركات التكنولوجية، في محاولة لإعادة بناء حدٍّ أدنى من التفاهم العالمي وسط تصدّعات سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
لم يكن الشعار مجرّد عنوان بروتوكولي. بل جاء انعكاسًا مباشرًا لحقيقة باتت واضحة: العالم يعيش أزمة ثقة شاملة—في المؤسسات، في القواعد الناظمة للتجارة، في العولمة ذاتها، وحتى في مفهوم القيادة الدولية. ولذلك، بدا دافوس 2026 أقرب إلى منتدى إدارة المخاطر الوجودية للنظام العالمي منه إلى ملتقى اقتصادي تقليدي.
«العولمة ليست المشكلة، بل طريقة إدارتها.» – جوزيف ستيغليتز
السياق العام: دافوس في زمن
الانكسارات الكبرى
انعقد المنتدى في ظل انتقال داخلي مهم تمثّل في غياب مؤسسه كلاوس شواب عن المشهد التنفيذي بعد تنحيه، وهو غياب لم يكن رمزيًا فحسب، بل عكس انتقال المنتدى ذاته من مرحلة التأسيس إلى مرحلة إعادة تعريف الدور. تزامن ذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، من الحرب المستمرة في أوكرانيا، إلى تصدعات الشرق الأوسط، إلى احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وصولًا إلى عودة النزعات الحمائية والاقتصاد السياسي القومي.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن الحوار خيارًا أخلاقيًا، بل أداة إدارة أزمات. فالعالم، كما عكسته نقاشات دافوس، لم
يعد يحتمل منطق الإملاءات أو القطبية الصلبة، بل يتجه—رغم الفوضى—نحو تعددية غير مستقرة تبحث عن قواعد جديدة.
«الاستقرار وهم حين تُدار الأزمات بدل حلّها.» – دافوس
المشاركات الدولية: حضور كثيف وتناقضات مكشوفة
برز الحضور الأميركي، لا سيما مع مشاركة الرئيس دونالد ترامب، كأحد أكثر عناصر المنتدى إثارة للجدل. خطاباته ومواقفه أعادت إلى الواجهة الانقسام بين مقاربة أميركية تفضّل القوة الاقتصادية الأحادية، ومقاربة أوروبية تدافع عن النظام متعدد الأطراف. هذا التباين لم يكن تفصيليًا، بل
مسّ جوهر النقاش حول مستقبل التجارة الدولية، والطاقة، والحوكمة التكنولوجية.
في المقابل، حاول الاتحاد الأوروبي الظهور كحامل لمشروع “الاستقلالية الاستراتيجية”، داعيًا إلى تحصين الاقتصاد الأوروبي، وتقليل التبعية، وبناء توازن جديد في مواجهة الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية. أما الدول الصاعدة—كالهند وإندونيسيا—فقد استثمرت مشاركتها لتقديم نفسها كركائز استقرار ونمو في اقتصاد عالمي يعاني من التباطؤ وعدم اليقين.
غيابات بعض الدول، والإشكاليات المرتبطة بإلغاء أو تقييد مشاركات معينة، كشفت أن دافوس ذاته لم يعد فضاءً محايدًا بالكامل، بل ساحة تعكس حدود الحوار بقدر ما
تعكس إمكاناته.
«العالم مترابط لدرجة أن فشل دولة واحدة لم يعد شأنًا محليًا.» – أنجيلا ميركل
محاور النقاش: اقتصاد في مواجهة السياسة، وتكنولوجيا تعيد تعريف السلطة
هيمنت على جلسات المنتدى ثلاثة مسارات كبرى. الأول تمثل في إعادة بناء الثقة بين القوى الكبرى، وسط إدراك متزايد بأن الصراع المفتوح لم يعد قابلًا للإدارة اقتصاديًا. الثاني دار حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، ليس فقط كأدوات نمو، بل كعوامل تعيد تشكيل موازين القوة، وسوق العمل، ومفهوم
السيادة ذاته.
«التكنولوجيا تغيّر موازين القوة قبل أن تغيّر الأسواق.» – دافوس
أما المسار الثالث، فتركز على الاقتصاد العالمي في ظل عدم اليقين: التضخم، الديون، سلاسل الإمداد، واتساع فجوة اللامساواة. اللافت أن معظم النقاشات لم تقدّم حلولًا نهائية، بل عكست إدراكًا متزايدًا بأن النموذج الاقتصادي السائد لم يعد قادرًا على إنتاج الاستقرار.
«الرأسمالية التي لا تُصلح نفسها ستُستبدل.» – إيمانويل ماكرون
التوصيات: إجماع هشّ وخارطة طريق مفتوحة
خرج المنتدى بجملة من التوصيات التي،
وإن بدت مألوفة، إلا أنها حملت هذه المرة طابع الإلحاح. في مقدمتها، التأكيد على أن الحوار المتعدد الأطراف لم يعد ترفًا دبلوماسيًا، بل شرطًا للاستقرار. كما شدّد المشاركون على الاستثمار في الإنسان والمهارات، في مواجهة التحولات التكنولوجية السريعة، وعلى ضرورة وضع أطر حوكمة دولية للذكاء الاصطناعي تحمي المجتمعات من تداعياته السلبية.
اقتصاديًا، دُعي إلى سياسات أكثر عدالة في التجارة والاستثمار، وإلى إعادة التفكير في قواعد الاقتصاد العالمي بما يقلّل من هشاشة الدول الضعيفة، ويحدّ من الصدمات المتكررة.
«الاقتصاد بلا ثقة ينهار، ولو تضخّم.» – دافوس
النبرة العامة: بين خطاب الحوار وواقع الصراع
رغم العنوان، لم يكن دافوس 2026 منتدى وفاق. بل كان أقرب إلى مرآة صادقة لانقسام العالم. خطاب التعاون كان حاضرًا، لكن خلفه تنافست المشاريع، وتضاربت المصالح، وبرزت حدود القدرة على تحويل الحوار إلى قرارات ملزمة. ومع ذلك، فإن مجرد استمرار هذا الحوار، في زمن الاستقطاب الحاد، يُعدّ بحد ذاته إنجازًا نسبيًا.
«من لا يشارك في صياغة النظام الجديد، سيُفرض عليه.» – دافوس
خاتمة: دافوس كإنذار مبكر لا كحل نهائي
يكشف دافوس 2026 أن العالم دخل مرحلة إعادة تشكيل بطيئة للنظام الدولي. لا انهيار كامل، ولا استقرار راسخ. بل انتقال طويل، تتقدّم فيه التكنولوجيا أسرع من السياسة، وتتراجع فيه القواعد القديمة قبل أن تتبلور قواعد جديدة. في هذا المشهد، يبقى منتدى دافوس مساحة اختبار: ليس لصناعة الإجماع، بل لقياس عمق الانقسام، واستشراف اتجاهاته. المستقبل، كما عكسته نقاشات المنتدى، لن يكون لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يملك القدرة على بناء الثقة، إدارة الاختلاف، وتحويل الحوار إلى سياسات قابلة للتنفيذ. أما «روح الحوار»، فإن لم تُترجم إلى أفعال، ستبقى عنوانًا جميلًا لعالم يواصل السير على حافة التحوّل
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية