بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
في لحظة تاريخية حرجة، يقف التعليم الرسمي اللبناني أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية مستقبل أبنائها. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لم يعد من الممكن فصل مصير التعليم عن مصير المجتمع بأسره. وفي هذا السياق، يتجلى المعلّم، لا كعامل إداري عابر، بل كركيزة أساسية لبناء الإنسان والمواطنة، وضمان استمرارية المدرسة الرسمية التي تشكّل المدخل الرئيس إلى منظومة التعليم الوطني.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن نسبة حوالي 80% من الكادر التعليمي في التعليم الرسمي متعاقدة، تعاني من غياب الضمانات المهنية والاجتماعية والاستقرار الوظيفي، في وقت يزداد فيه الاعتماد على التعاقد كبديل دائم بدلًا من مسار ثابت وواضح للتثبيت والإدماج في ملاك الخدمة المدنية. ويعكس هذا الاعتماد المتزايد حالة هشاشة، ليس فقط للمعلمين أنفسهم، بل للمنظومة التعليمية ككل، لا سيما في ظل ضعف التمويل وانخفاض الإنفاق على القطاع على نحو غير مسبوق.
منذ 2019، انخفض الإنفاق الكلي على التعليم الرسمي من حوالي 1.2 مليار دولار سنويًا في العقد السابق إلى حوالي 114 مليون دولار فقط في 2022، وسط استمرار الأزمة المالية وتدهور قيمة العملة المحلية. وتظهر تقارير مستقلة أن غالبية المعلمين (بنسبة تقارب 70%) يعملون بعقود مؤقتة بدون مزايا وظيفية، ويتقاضون أجورًا أقل من نسبة العيش الكريم، في حين تظل الرواتب غير منتظمة والضمانات غائبة.
وفي هذا السياق، عبّرت رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي عن قلقها البالغ من أن موازنة 2026 لا تعكس حقوقاً حقيقية للمتعاقدين، معتبرة أن الموازنة الحالية “لا تكترث لحقوق الأساتذة المتعاقدين الذين يقفون كالمفجوعين بلا ضمانات أو حماية اجتماعية”.
إن هذه الصورة ليست مجرد خطاب احتجاجي، بل تعكس واقعاً مؤلمًا يؤثر على منظومة التعليم الرسمي بأكملها. فغياب استقرار المعلمين لا يؤدي فقط إلى تراجع في دوافعهم المهنية، بل يدفع أيضًا العديد منهم إلى البحث عن فرص بديلة أو الانتقال إلى القطاع الخاص، وهو ما يفاقم الفجوة بين الطلب على التعليم المتين وبين الموارد المتاحة.
كما تقول الدكتورة ليلى صقر، أستاذة الاقتصاد التربوي:
“إن استقرار المعلم واستمراريته في المدرسة الرسمية لا يصب فقط في مصلحة الأجور أو الضمان الاجتماعي، بل هو استثمار مباشر في جودة التعليم واستدامة المجتمع. كل تراجع في هذا الاستثمار يعني تراجعًا في فرص الأجيال القادمة.”
وقد قامت الدولة بإجراءات جزئية في الأعوام الماضية، مثل دفع رواتب متأخرة أو تقديم بدلات محدودة، وبعض برامج تثبيت جزئية لم تشمل جميع المتعاقدين، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى الاستجابة لحجم الأزمة. مثل هذه الخطوات التي غالبًا ما توصف بأنها ترقيعية، لا توفر الاستقرار المطلوب، ولا تبني نظامًا قادرًا على حماية المعلمين وتمكينهم من أداء دورهم بكفاءة وكرامة.
وتؤكد خبيرة الإدارة التربوية منى غندور:
“الجهود التي تمت كانت مؤقتة وغير كافية، ولم تواكب تطلعات الجسم التعليمي إلى نظام تربوي عادل ومستدام.”
في ضوء هذه الخلفية المعقدة، ترى لجنة الطوارئ الاقتصادية أن معالجة أزمة حقوق المعلّمين المتعاقدين
في التعليم الرسمي يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة لا تقتصر على معالجة جزئية أو إدارية، بل تتجاوز ذلك إلى إصلاح هيكلي يعيد بناء الثقة في المدرسة الرسمية كمؤسسة وطنية صانعة للمواطنة.
وتعتبر اللجنة أن لكل إصلاح تربوي ثلاثة أبعاد متلازمة: الأمن الوظيفي للمعلمين، الاستدامة المالية للقطاع، والارتباط الواضح بين السياسات التعليمية والموازنة العامة للدولة.
إن إدراج حقوق الأساتذة المتعاقدين بوضوح في موازنة 2026 ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية. فالتثبيت التدريجي وفق معايير شفافة يضمن للمعلمين مسارًا وظيفيًا واضحًا، ويعطي المدرسة الرسمية القدرة على الاستمرارية بجودة عالية. كما أن ترتيب أولويات الإنفاق التربوي بحيث يتم اعتبار المعلّم استثمارًا أساسياً، لا تكلفة عبئاً، من شأنه أن يعيد للقطاع توازنه ويحدّ من الهدر المؤسساتي. ويشدد أعضاء اللجنة على ضرورة توسيع دائرة الحوار ليشمل جميع الأطراف المعنية: النقابات التربوية، وزارة التربية، الهيئات الاقتصادية، والمجتمع المدني، لضمان حلول واقعية قابلة للتنفيذ.
ويقول الدكتور عمار حمية، مستشار السياسات التربوية:
“حين ننصف المعلّم، فإننا ننصف التعليم ككل، ونبني مجتمعًا قادرًا على المنافسة والاستدامة. إن تجاهل هذا الاستثمار الاستراتيجي يعني تكريس دورة ضعف متواصلة للدولة والمجتمع.”
وبناءً على هذا المنطلق، توصي لجنة الطوارئ الاقتصادية الحكومة ومجلس الوزراء باتخاذ الخطوات التالية بشكل فاعل وعاجل:
- إقرار موازنة واضحة ومفصلة تتضمن الحقوق الكاملة للأساتذة المتعاقدين، مع تحديد إطار زمني واضح لتنفيذها.
- إطلاق خطة تثبيت تدريجي للمتعاقدين وفق معايير شفافة ومرنة توازن بين احتياجات المدارس ودورهم في النظام التعليمي.
- تخصيص موارد محددة لدعم جودة التعليم وتمكين المعلّمين، بما يشمل التدريب المستمر، والتحفيز المهني، والرعاية الاجتماعية.
- تشكيل لجنة متابعة مشتركة تضم وزارة التربية، النقابات التربوية، والهيئات الاقتصادية لمتابعة التنفيذ وضمان استدامته على أرض الواقع.
- ربط الإصلاح التربوي بالإصلاح الإداري والمالي الأوسع لضمان تأثير طويل المدى واستدامة الموارد التعليمية. بهذه الطاقة التغييرية المتوازنة بين الواقعية والطموح الوطني، يمكن تحويل التعليم الرسمي في لبنان من قطاع يواجه الانهيار إلى ركيزة استراتيجية للاستقرار الوطني والنهوض الاقتصادي والاجتماعي، وضمان بناء أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة وكفاءة
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية