معركة الاتجاه الحاسم للذهب (XAUUSD): هل تنتصر توقعات التيسير أم قوة العوائد؟

كُتب بواسطة: رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يقف الذهب اليوم عند واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ بداية موجة الصعود الأخيرة، حيث يتحرك السعر بالقرب من مستوى مقاومة محوري حول 5100 في حين أن الدعم الرئيسي حاليا هو 4921 – 4917.52 ، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق لم تحسم بعد اتجاهها النهائي. ومن وجهة نظري، هذه المرحلة لا تعكس مجرد تردد فني عابر، بل تمثل صراعاً عميقاً بين قوتين متناقضتين: التوقعات المتزايدة بتخفيف السياسة النقدية، في مقابل صلابة البيانات الاقتصادية الأمريكية وارتفاع العوائد الحقيقية. هذا التوازن الهش يجعل الذهب في حالة “انتظار استراتيجي”، حيث يتطلب أي اختراق أو تراجع محفزاً أساسياً قوياً وليس مجرد زخم مضاربي مؤقت.

وأعتقد أن العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة الحالية يتمثل في توقعات السياسة النقدية لـ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، حيث أصبح مسار أسعار الفائدة العامل الحاسم في تحديد جاذبية الذهب. تاريخياً، يستفيد الذهب من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة لأنه أصل غير مدر للعائد، وبالتالي تقل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به. وفي ظل تزايد التوقعات بأن الفيدرالي قد يتجه نحو تخفيف السياسة النقدية لاحقاً هذا العام، فإن هذا السيناريو، برأيي، يشكل أرضية دعم قوية للذهب، حتى وإن شهد السعر تقلبات قصيرة الأجل. الأسواق بطبيعتها تستبق الأحداث، وأي إشارة واضحة إلى تحول نحو التيسير قد تكون كافية لإطلاق موجة صعود جديدة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التأثير المعاكس لارتفاع العوائد الحقيقية، والذي أرى أنه يشكل التهديد الأكبر أمام استمرار صعود الذهب في المدى القريب. عندما ترتفع العوائد على السندات، يصبح الاحتفاظ بالأصول المدرة للدخل أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، مما يؤدي إلى تحويل جزء من التدفقات الاستثمارية بعيداً عن المعدن النفيس. في رأيي، هذا العامل هو السبب الرئيسي وراء فشل الذهب حتى الآن في تحقيق اختراق حاسم فوق مستويات المقاومة الأخيرة، رغم الدعم الجيوسياسي والاقتصادي المتوفر. وإذا استمرت العوائد في الارتفاع، فقد نشهد تصحيحاً فنياً أعمق قبل استئناف الاتجاه الصاعد.

وفي المقابل، أرى أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي تواصل لعب دور داعم أساسي للذهب. في أوقات الغموض، يعود المستثمرون تقليدياً إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً يحافظ على القيمة. ومع استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم، وتباطؤ النمو العالمي، والتوترات الجيوسياسية، فإن الطلب الهيكلي على الذهب سيظل قائماً. من وجهة نظري، هذا الطلب لن يسمح بانهيار حاد في الأسعار، بل سيحد من أي تراجع ويحول التصحيحات إلى فرص إعادة تمركز للمستثمرين على المدى المتوسط والطويل.

العامل الحاسم التالي، برأيي، سيكون بيانات التضخم وسوق العمل الأمريكية القادمة. إذا أظهرت هذه البيانات تباطؤاً واضحاً، فإن ذلك سيعزز توقعات خفض الفائدة، مما قد يمنح الذهب الزخم اللازم لاختراق مستوى 5100 والدخول في مرحلة صعود جديدة. أما إذا استمرت البيانات في إظهار قوة الاقتصاد الأمريكي، فقد يضطر الفيدرالي إلى تأجيل أي تخفيف، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغط على الذهب. لذلك، أرى أن المرحلة الحالية هي مرحلة “تسعير توقعات”، وليست تسعير واقع فعلي بعد.

ومن الناحية الفنية، أعتقد أن بقاء الذهب قريباً من مستوى المقاومة دون انهيار واضح يعكس قوة كامنة في الاتجاه الصاعد، وليس ضعفاً. الأسواق القوية عادة لا تنهار بسرعة، بل تدخل في مراحل تماسك قبل استئناف الاتجاه. هذا السلوك يشير، في رأيي، إلى أن المستثمرين الكبار لا يخرجون من السوق، بل ينتظرون وضوح الرؤية قبل زيادة مراكزهم. وإذا تمكن الذهب من اختراق مستوى المقاومة بإغلاق قوي ومستقر، فقد نشهد تسارعاً في الزخم الصعودي نتيجة دخول تدفقات جديدة.

وفي تقديري، السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال الأشهر القادمة هو استمرار التقلبات على المدى القصير، يتخللها تصحيحات محدودة، قبل أن يستأنف الذهب اتجاهه الصاعد على المدى المتوسط. السبب في ذلك هو أن الاتجاه العام للسياسة النقدية العالمية يميل تدريجياً نحو التيسير، حتى وإن تأخر ذلك قليلاً. ومع كل اقتراب من خفض الفائدة، سيزداد الدعم الأساسي للذهب. لذلك، أرى أن أي تراجع محتمل يجب النظر إليه ضمن سياق تصحيح صحي، وليس بداية اتجاه هبوطي طويل الأمد.

وفي النهاية، أعتقد أن الذهب لا يقف على أعتاب انهيار، بل على أعتاب مرحلة انتقالية ستحدد ملامح الاتجاه القادم. صحيح أن ارتفاع العوائد وقوة الدولار قد يفرضان ضغوطاً مؤقتة، لكن الأساسيات طويلة الأجل لا تزال تميل لصالح الذهب. وجهة نظري هي أن السوق يمر حالياً بمرحلة إعادة تقييم، وأن الاختراق الحاسم قد يكون مسألة وقت، خاصة إذا بدأت توقعات خفض الفائدة في التحول إلى واقع فعلي. وحتى ذلك الحين، سيظل الذهب يتحرك في نطاق حرج، لكنه يحتفظ بإمكانية قوية للانطلاق عندما تتوافر الظروف المناسبة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أومودا تنظّم “ليلة الأزياء” في الشرق الأوسط تمهيداً لوصول أومودا C7 الجديدة كلياً إلى الإمارات

سجّلت علامة أومودا محطة مفصلية في مسيرتها التوسّعية في الشرق الأوسط، مع تنظيم “ليلة أومودا ...

مجموعة قرقاش تتعاون مع أدين لإحداث نقلة نوعية في حلول الدفع

في خطوة استراتيجية جديدة ضمن مسيرتها نحو التحول الرقمي، أعلنت مجموعة قرقاش عن شراكتها مع ...

رئيس الاتحاد العمالى العام يعلن الرفض المطلق للرسوم والضرائب الجديدة

اعلن رئيس الاتحاد العمالى العام رفضه المطلق للرسوم والضرائب التي فرضت بالامس على الشعب اللبناني ...