تحليل الأسواق عن احمد عسيري، استراتيجي الابحاث في Pepperstone
تتحرك أسواق النفط حاليا ضمن إطار إعادة تسعير لمواكبة المخاطر الجيوسياسية ، فوضع مهلة زمنية تتراوح بين 10 إلى 15 يوم للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني خلق ما يمكن وصفه بـنافذة مخاطر مضغوطة زمنياً ، وهي نقطة مهمة من منظور التسعير وتحرك الاسعار. السوق لا يتعامل فقط مع احتمال التصعيد واستمراره ، بل مع جدول زمني قد ينقل المشهد من ضغط سياسي إلى تطور ميداني خلال فترة قصيرة نسبياً نظراً لوجود العتاد العسكري في منطقة الخليج بالفعل. هذا العامل الزمني الذي بحد ذاته يبرر انتقال الأسعار إلى أعلى مستوياتها في عدة أشهر.
حركة الأسعارتشير الى ان خام برنت لا يتحرك في فراغ فالرسم اليومي يظهر انتقال منذ قاع يناير قرب 60 دولار، حيث نرى تسلسل من القمم والقيعان الأعلى ، ما يعكس تحول في سلوك المستثمرين من بيع الارتفاعات إلى شراء التراجعات. عودة السعر لاختبار منطقة 71 إلى 72 دولار ، وهي منطقة عرض تاريخية شكلت سقف سابق ، يوحي ان التماسك أسفلها يتميز بانخفاض نسبي في التقلبات مقارنة بموجات الرفض السابقة ، ما يشير إلى عملية امتصاص للسيولة المعروضة بدلا من نفاد تسعير العلاوة. اختراق لهذه المنطقة يعكس تحول من علاوة مخاطر مؤقتة إلى إعادة تسعير أوسع للنطاق السعري ويبدو ان الطريق الى 80 دولار للبرميل هدف واقعي في حال تطور التوترات الجيوسياسية الى حد ابعد.
الزاوية الأساسية أكثر تعقيد فمنطقة الخليج تمثل نحو ثلث الإمدادات العالمية من الخام، وهو تركّز جغرافي مرتفع للمخاطر. اضطراب واسع قد يؤثر على تدفقات تتجاوز 15 مليون برميل يوميا في سيناريو متشدد. في المقابل ، أظهرت البيانات تراجع صادرات السعودية إلى نحو 7 مليون برميل يومياً ، وهو مستوى منخفض نسبياً مقارنة بالفترات السابقة وهو ما يعني قدرة احتياطية لتعوض النقص في الامدادات.
من الناحية اللوجستية ، تمتلك السعودية عناصر مرونة مهمة فميناء رأس تنورة قادر على التعامل مع نحو 6 مليون برميل يومياً ، وخط الشرق–الغرب ينقل قرابة 5 مليون برميل باليوم إلى موانئ البحر الأحمر، ما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز. كما توفر مرافق ينبع بدائل تصديرية إضافية. غير أن هذه المرونة تبقى ضمن إطار تشغيل طبيعي. في حال تصعيد عسكري أو تهديد مباشر للممرات البحرية ، فإن مخاطر التأمين ، تكاليف الشحن ، وسلاسل الإمداد قد تتحول إلى عوامل ضغط مستقلة بحد ذاتها وهو ما قد يفاقم التكاليف.
أما فيما يتعلق بقدرة العالم على امتصاص صدمة عرض كبيرة ، فالصورة أقل طمأنة فالاحتياطيات الاستراتيجية لدى دول وكالة الطاقة الدولية تقدر بنحو 1.5 مليار برميل ، لكن القدرة اليومية الفعلية على السحب تتراوح بين 4 و6 مليون برميل فقط. إذا افترضنا انقطاع يتجاوز 15 مليون برميل يوميا في السيناريو الاسوأ ، فإن الفجوة النظرية بين الصدمة والقدرة على التعويض قد تصل إلى نحو 9 إلى 11 مليون برميل يوميا قبل احتساب أي طاقة إنتاجية فائضة. حتى الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي ، البالغ نحو 380 مليون برميل ، يوفر تغطية زمنية محدودة نسبياً في حال اضطراب حاد.
بالتالي ، السوق لا يسعر حالياً انقطاعا كبير للإمدادات ، لكنه يدرك أن هامش الأمان ليس واسع كما كان في دورات سابقة. علاوة المخاطر الحالية تعكس مزيج من عامل الزمن السياسي ، تركّز الإمدادات جغرافيا ، ومحدودية القدرة الفعلية على التعويض السريع. خلال الأيام المقبلة ، سيبقى المسار السعري رهيناً بمدى تحول التوتر من ضغط تفاوضي إلى حدث مادي يؤثر مباشرة في تدفقات النفط العالمية.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية