من قرارٍ خفيّ يولد في الداخل… إلى مصيرٍ يُكتب في الواقع: هنا تُصنع الحياة

بقلم د. خااد عيتاني

رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية

في أعماق الإنسان، حيث لا ضجيج ولا شهود، تتشكل الحقيقة الأولى لحياته. هناك، قبل أن يتحرك الجسد، وقبل أن يُرى الفعل، يحدث أمر أكثر خطورة وأشد أثرًا: يتخذ الإنسان قرارًا، ثم يبدأ وعيه في تبرير هذا القرار أو فهمه أو حتى تجميله. ومن هنا، فإن ما نراه في الخارج ليس إلا امتدادًا لما حُسم في الداخل.

لقد اعتدنا أن نقول إن الفكرة تقود السلوك، وهذا صحيح في ظاهره، لكن التدقيق يكشف طبقة أعمق: كثير من أفكارنا نفسها ليست بريئة، بل تأتي لاحقة لقرار خفي اتخذناه، ثم بحثنا له عن معنى. وهنا يكمن سر التعقيد في النفس الإنسانية؛ فنحن لا نفكر دائمًا لنقرر، بل نقرر أحيانًا ثم نفكر.

يذهب بشير صالح الرشيدي في كتابه حياتك نتاج أفكارك إلى أن حياة الإنسان إنما هي انعكاس مباشر لأفكاره، لكن هذه الفكرة، حين تُقرأ بعمق، تقودنا إلى ما هو أبعد: الأفكار نفسها تتشكل داخل منظومة من القرارات والميول والتجارب، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لما اختاره يومًا، ولو لم يدرك أنه اختار.

من هنا، لا يعود السلوك مجرد استجابة عفوية، بل يصبح نتيجة لمسار داخلي يبدأ بقرار، يتبعه وعي، ثم يتشكل في صورة فكرة، فشعور، فسلوك، فمصير. وهذا الترتيب يفسر لنا لماذا يعجز كثير من الناس عن التغيير؛ لأنهم يحاولون تعديل السلوك أو حتى الفكرة، بينما القرار العميق الذي أنتجها لا يزال قائمًا في الداخل.

إن الإنسان قد يقول إنه يريد أن يتغير، لكنه في حقيقة الأمر لم

يقرر ذلك بعد. هو فقط يرغب، يتمنى، يدعو، لكنه لم يحسم. وبين التمني والقرار مسافة هائلة؛ فالتمني حالة نفسية، أما القرار فهو التزام وجودي. ولهذا، يبقى كثيرون حيث هم، لا لأنهم لا يعرفون الطريق، بل لأنهم لم يختاروا السير فيه.

وفي هذا السياق، تتجلى خطورة التربية حين تختزل في ضبط السلوك أو تلقين القيم، دون أن تمتد إلى بناء القدرة على اتخاذ القرار. فليست المشكلة أن أبناءنا لا يعرفون الصواب، بل المشكلة أنهم لم يتعلموا كيف يختارونه حين تتعدد البدائل وتشتد الضغوط. إننا نمنحهم أجوبة جاهزة، لكننا لا نمنحهم أدوات الترجيح، فنصنع معرفة بلا قوة، ووعيًا بلا أثر.

ولعل أبلغ تصوير لهذا المسار الداخلي ما نجده في القرآن الكريم في وصفه لتدرج الفعل الإنساني؛ حيث يبدأ الأمر بعملية تفكير وتقدير، ثم يتلوها نظر وتأمل، ثم موقف نفسي يتجلى في العبوس والانقباض، قبل أن ينتهي إلى الإعراض والاستكبار. إن هذا التدرج يكشف أن السلوك لم يكن لحظة طارئة، بل نتيجة مسار داخلي معقد، بدأ بقرار ضمني، ثم تغذّى بأفكار متتابعة حتى استقر في صورة فعل.

وهنا تتضح الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: ليس أخطر ما نملكه هو ما نفعله، بل ما نبرره لأنفسنا قبل أن نفعله. فالإنسان لا يعيش وفق ما يعرف، بل وفق ما قرر أن يلتزم به، ثم بنى له منظومة فكرية تحميه وتدعمه.

من أجل ذلك، فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا حتى من الفكرة المجردة، بل من لحظة صادقة يعيد فيها الإنسان النظر في قراراته العميقة. حينها فقط يبدأ الوعي الحقيقي بالظهور، لا بوصفه معرفة نظرية، بل بوصفه إدراكًا مسؤولًا يقود إلى إعادة تشكيل

الفكرة، ومن ثم السلوك.

إن أعظم ما يمكن أن تقدمه التربية للإنسان ليس أن تخبره ماذا يفعل، بل أن تمكّنه من أن يقرر لماذا يفعل، وأن يتحمل تبعات هذا القرار. فبقدر ما يكون القرار صادقًا، يكون الوعي عميقًا، وبقدر ما يكون الوعي عميقًا، يكون السلوك مستقيمًا.

وفي النهاية، لن يغيّر حياتك ما تعرفه، ولا ما تسمعه، ولا حتى ما تؤمن أنه صحيح…

الذي يغيّر حياتك حقًا هو اللحظة التي تقرر فيها أن تكون مختلفًا.

ليست المسألة أنك لم ترَ الطريق، بل أنك لم تحسم السير فيه بعد.

وليس العائق أنك تجهل الصواب، بل أنك لم تدفع ثمن اختياره.

تأمل نفسك بصدق:

كم فكرة مرّت عليك وأعجبتك… ثم تركتها؟

كم مرة قلت “سأتغير”… ثم عدت كما كنت؟

المشكلة لم تكن يومًا في الفكرة، بل في القرار الذي لم يُتخذ.

الحياة لا تنتظر المترددين، ولا تتشكل بالأماني، بل تُبنى بقرارات حاسمة،

قرارات تُتخذ في لحظة صدق، ثم تُحمل على أكتاف المسؤولية كل يوم.

قد لا تستطيع أن تغيّر ماضيك،

لكنك — الآن — تملك أن تغيّر المعنى الذي تحمله عنه،

وتملك أكثر من ذلك: أن تغيّر الاتجاه كله.

قف مع نفسك هذه اللحظة… لا غدًا، لا بعد حين.

واسأل السؤال الذي يغيّر كل شيء:

ماذا قررت أن أفعل بحياتي؟

فإن أجبت بصدق، فقد بدأت.

وإن قررت بجرأة، فقد تغيّرت.

لأن حياتك لن تتبدل حين تفهم…

بل حين تقرر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خطة طوارئ شاملة وتدابير استثنائية من شركة تاتش لتأمين التواصل ودعم التعليم

استجابةً للمرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، وتأكيداً على دورها المحوري في ضمان استدامة قطاع ...

بيان مشترك لبحصلي وفهد ينفي تقنين توزيع المواد الغذائية ويؤكد وفرة المخزون

خلافًا لما تتداوله بعض وسائل الإعلام عن إقدام بعض التجّار وأصحاب مستودعات المواد الغذائية على ...

عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ… بِمَا مَضَى أَمْ لِأَمْرٍ فِيكَ تَجْدِيدُ

بقلم د. خالد عيتانيرئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية أعتذر اليوم من قرّائي الأعزّاء.في هذا المقال لن ...