من الصف إلى الشاشة… ومن الانقطاع إلى الإرادة: لبنان وتجربة التعليم عن بُعد

بقلم د. خالد عيتاني رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية.

في مكانٍ ما بين “انضمام إلى الحصة” و“إعادة الاتصال”… وُلد شكلٌ جديد من التعليم. ليس كما خطّطت له النظريات، ولا كما روّجت له المنصات العالمية، بل كما فرضته الأزمات: تعليمٌ يتشكّل تحت الضغط، ويتنفس على إيقاع الانقطاع.

لكن ما وُلد في تلك اللحظة لم يكن مجرد نمط تعليمي جديد… بل كان اختبارًا قاسيًا لبنية نظامٍ بأكمله، واختبارًا أعمق لصدق الخطاب الذي حاول أن يواكب هذا التحول.

في لبنان، لم يكن التعليم عن بُعد خيارًا تربويًا مدروسًا، بل استجابةً طارئة لزمنٍ مضطرب. بدأ الأمر كحلّ مؤقت في لحظة صحية عالمية حرجة، ثم ما لبث أن تمدّد تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبح واقعًا يوميًا. لكن هذا الانتقال لم يمر عبر بوابة التخطيط، بل عبر ممرّ الاضطرار.

ومع هذا الانتقال، تشكّل مساران متوازيان:

مسارٌ رسمي يُعلن استمرارية التعليم عبر منصات، جداول، وتقارير،

ومسارٌ واقعي—كما عكسه الإعلام—يكشف أن ما يستمر ليس بالضرورة هو التعلّم.

في بداياته، بدا المشهد وكأن النظام التعليمي يحاول إنقاذ نفسه بما

توفر: منصات افتراضية، تطبيقات اتصال، ومحاولات متسارعة لنقل الصف التقليدي إلى شاشة. غير أن هذا النقل كان في جوهره “نسخًا” لا “تحويلًا”.

فالمحتوى نفسه، والزمن نفسه، والأسلوب نفسه… لكن في بيئة مختلفة تمامًا.

بيئة لا تضمن استمرارية الاتصال، ولا استقرار الانتباه، ولا حتى حضور الطالب.

وهنا ظهر أول خلل بنيوي:

لم يُتعامل مع التعليم الرقمي كنموذج يحتاج إلى إعادة تصميم، بل كأداة تقنية تُضاف إلى نظام تقليدي.

ومع مرور الوقت، بدأت الحقيقة تتكشف: المشكلة لم تكن في الأداة، بل في السياق.

فالتعليم عن بُعد يفترض بنية تحتية مستقرة، لكن الواقع كان يقول غير ذلك: كهرباء تنقطع، إنترنت يتذبذب، وكلفة اتصال تتجاوز قدرة كثيرين.

وهكذا، لم يعد السؤال:

كيف نعلّم عن بُعد؟

بل: هل يمكن أصلًا أن يستمر هذا الشكل من التعليم في بيئة غير قابلة للتعلّم؟

في هذا المستوى تحديدًا، كان الإعلام أكثر وضوحًا من الخطاب الرسمي.

فبينما انشغلت القرارات بتنظيم الحصص وقياس الجهوزية، كانت الوقائع تشير إلى أزمة أعمق:

أزمة بنية تحتية تجعل الاتصال نفسه معركة يومية، لا وسيلة تعليم.

تحت هذا الضغط، بدأت فجوة صامتة تتسع.

طلاب يمتلكون أجهزة حديثة واتصالًا دائمًا،

وآخرون يشاركون هاتفًا واحدًا،

وغيرهم يقفون خارج المشهد بالكامل.

ومع الوقت، لم يعد التعليم وسيلة لتكافؤ الفرص، بل عاملًا يعمّق اللامساواة.

وهنا تحوّل توصيف الأزمة في الإعلام من “صعوبات تقنية” إلى ما هو أخطر:

تعليم غير عادل.

أصبح الحضور في الصف الافتراضي امتيازًا، لا حقًا بديهيًا.

أما على مستوى المنهاج، فكان الخلل أكثر عمقًا وأقل ظهورًا.

لم يُعاد تصميم المحتوى ليتناسب مع البيئة الرقمية، بل بقي طويلًا، تقليديًا، ومكدّسًا، كما لو أن الشاشة مجرد سبورة جديدة.

تم “بث” الدروس بدل بنائها، وغابت التفاعلية، وتراجع الفهم.

وحين ظهر الفاقد التعليمي، لم يكن الحل إعادة التفكير في النموذج، بل الاكتفاء بتقليص المنهاج.

وهكذا، تحوّل العلاج إلى تخفيف… لا تطوير.

في قلب هذا المشهد، وجد المعلم نفسه في موقع لم يُهيأ له.

لم يعد ناقل معرفة فحسب، بل أصبح:

تقنيًا يتعامل مع أعطال،

ومنظمًا يدير منصات،

وداعمًا نفسيًا لطلاب يعيشون ضغطًا مضاعفًا.

يشرح… ولا يعلم إن كان صوته يصل، أو يتقطع بين تأخيرٍ وتجمّد.

ينظر إلى الشاشة… فيرى مربعات صامتة، لا وجوهًا، ولا تفاعلًا، ولا

يقينًا بوجود المتعلم.

ورغم ذلك، استمر… لأنه لم يُعطَ خيارًا آخر.

أما الطالب، فقد خرج من موقع المتعلم المنظم، إلى فردٍ يحاول التكيّف مع واقع متقلب.

يتعلم كيف يعيد الدخول، كيف يلتقط ما تبقى من شرحٍ ضاع نصفه، وكيف يحافظ على تركيزه وسط ضجيج منزلي وضغط نفسي.

ومع الوقت، برزت مفارقة قاسية:

لم تعد المهارة الأساسية هي الفهم… بل القدرة على الاستمرار رغم الانقطاع.

وفي زاوية أقل ظهورًا، دخل الأهل إلى المشهد كشريك غير مُعدّ.

يتابعون، يشرحون، يحاولون حل المشاكل التقنية، ويحملون عبئًا تربويًا لم يُهيأوا له.

لكن هذا الحضور لم يُترجم إلى دور واضح داخل أي سياسة، بل بقي جهدًا فرديًا… يزيد الضغط بدل أن يخففه.

أما الإدارة التربوية، فوجدت نفسها تدير مشهدًا بلا إطار موحد.

كل مؤسسة اجتهدت وحدها،

كل مدرسة صاغت نموذجها،

وكل جامعة بنت نظامها الخاص.

تعددت الأنظمة… وغاب النظام.

لم تكن هناك سياسة تعليم رقمي واضحة، ولا معايير تقييم موحدة، ولا حتى تصور مشترك لماهية هذا التعليم.

وفي عمق كل ذلك، كانت هناك أزمة صامتة لا تُقاس بالأرقام:

إرهاق رقمي،

فقدان الدافعية،

عزلة،

وقلق دائم.

المعلم مُرهق، الطالب مشتت، والأهل مضغوطون.

وهنا، لم يعد التحدي تربويًا فقط… بل إنسانيًا.

كل هذه الأزمات—البنية التحتية، الفجوة الرقمية، ضعف الفاعلية التربوية، العبء النفسي، وغياب الرؤية—لم تكن منفصلة، بل كانت وجوهًا مختلفة لخلل واحد:

غياب رؤية وطنية واضحة.

لم يُطرح السؤال الجوهري:

ماذا نريد من التعليم عن بُعد؟

هل هو حل مؤقت؟ أم نموذج دائم؟ أم جزء من نظام هجين؟

وهكذا، تحرك الجميع… لكن دون اتجاه.

ورغم كل ذلك، لم تتوقف العملية التعليمية.

استمرت… لا لأنها تعمل بكفاءة، بل لأنها ترفض الانهيار الكامل.

استمرت بإصرار المعلم، بمحاولات الطالب، وبصبر الأهل.

لكن هذه الاستمرارية تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:

هل نريد تعليمًا يستمر فقط… أم تعليمًا يُنتج تعلمًا حقيقيًا؟

هنا، تبدأ ملامح التحول الحقيقي.

ليس بالعودة إلى ما كان، بل بإعادة تعريف ما يجب أن يكون.

تعليم مرن، لا يفترض الاستقرار،

محتوى قابل للوصول،

نموذج هجين يجمع الحضوري والرقمي،

واستخدام واعٍ للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لكن كل ذلك يبقى مستحيلًا… ما لم يتحول التفكير من “إدارة أزمة”

إلى “بناء رؤية”.

بالطبع، يمكن صياغة خاتمة شاملة تربط كل ما سبق مع توصيات عملية واضحة، بأسلوب أدبي سلس يناسب المقال الصحفي:

في النهاية، ما جرى لم يكن فشلًا تقنيًا… بل كشفٌ بنيوي لنظام لم يُصمَّم للأزمات، ولم يُبنَ للمرونة. ومع ذلك، وسط كل هذا التصدع، بقي شيء واحد صامدًا: الرغبة في التعليم، تلك التي تجعل المعلم يشرح رغم الانقطاع، والطالب يحاول رغم التشويش، والأهل يساندون بصبرٍ وإصرار.

ولعلّ الدرس الأهم لم يكن في المحتوى، بل في المعنى الذي تكرّس:

 أن التعليم ليس منصة ولا اتصالًا… بل إرادةٌ لا تنقطع… حتى حين ينقطع كل شيء.

لكن هذه الإرادة وحدها لا تكفي. إن ما نحتاج إليه اليوم هو إعادة بناء منظومة تعليمية متكاملة، قادرة على مواجهة الأزمات وتقديم التعلم الفعّال للجميع، بغض النظر عن الظروف. من هنا تأتي مجموعة توصيات عملية يجب النظر فيها:

  • بنية تحتية رقمية قوية ومستدامة: توفير الكهرباء المستقرة، شبكات الإنترنت السريعة، وأجهزة تعليمية لكل الطلاب، لضمان عدم تحول التعلم إلى امتياز محدود.
  • تعليم مرن وهجين: تطوير مناهج قصيرة، قابلة للوصول، تجمع بين التعلم الحضوري والرقمي، مع التركيز على المهارات العملية والتفاعلية وليس فقط الحفظ.
  • تدريب المعلمين والأهل: تجهيز المعلمين بأساليب التعليم الرقمي، وتدريب الأهل على دعم أبنائهم دون الضغط النفسي،

ليصبح كل طرف شريكًا حقيقيًا في العملية التعليمية.

  • نموذج وطني للتعليم الرقمي: وضع رؤية وطنية واضحة تربط السياسات التعليمية، المناهج، وتقييم الأداء، مع اعتماد خطط طوارئ للتعامل مع أي أزمة مستقبلية.
  • دعم الصحة النفسية والتواصل الاجتماعي: إدماج برامج تعزز الدافعية، وتقوي العلاقة بين المعلم والطالب والأسرة، لتخفيف أثر العزلة والإرهاق النفسي.
  • استثمار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: توظيف أدوات ذكية لتحليل التعلم، تخصيص المحتوى، ومراقبة تقدم الطلاب، مع الحفاظ على البعد الإنساني في التعليم.

في ضوء هذه التوصيات، تعمل لجنة الطوارىء الإقتصادية عبر منصة Xylem EduCore  التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم على تحويل الأزمة الحالية إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء نظام تعليمي قوي، مرن، وعادل، يضع الطالب في مركز الاهتمام، ويدعم المعلم والأهل، ويمنح مجال التربية والتعليم القدرة على مواجهة أي تحدٍ مستقبلي بثقة.

فالتعليم، في جوهره، ليس مجرد أدوات أو منصات رقمية… بل إرادة مستمرة، رؤية واضحة، وعمل جماعي لا يعرف الانكسار.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انعقاد المؤتمر الصحفي لإطلاق النسخة الثالثة من منتدى الجمال والصحة النفسية والجسدية – لبنان 2026

رسالة إبداع وسلام من لبنان إلى العالم عُقد صباح الخميس الواقع في 26 آذار 2026 ...

الهيئات الاقتصادية تطلق في إجتماع طارئ لها صرخة إنقاذ عاجلة وتطالب بسلة إجراءات فورية لدعم صمود المؤسسات

عقدت الهيئات الاقتصادية اجتماعاً طارئاً برئاسة الوزير السابق محمد شقير اليوم في غرفة بيروت وجبل ...

CUSP Wealth ترسم معالم مستقبل التكنولوجيا المالية من خلال نموذج استشاري هجين يجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية

كشفت CUSP Wealth، وهي شركة استثمار خاضعة لتنظيم سلطة دبي للخدمات المالية (DFSA)، عن نموذجها ...