النفط الخام (USOIL – WTI) بين التصعيد الجيوسياسي وضغوط الدولار: هل يقترب من مستوى 110 دولار؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

تشهد أسواق النفط العالمية مرحلة دقيقة تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية مع المحددات النقدية، ما يجعل حركة الأسعار أقرب إلى انعكاس لحالة عدم اليقين العالمية منها إلى مجرد توازنات عرض وطلب تقليدية. في هذا السياق، أرى أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط الخام واقترابه من مستوى 110 دولاراً لا يمكن قراءته كحركة تصحيحية عابرة، بل هو تعبير مباشر عن إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، خصوصاً مع تصاعد الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إيران. ومن وجهة نظري، فإن الأسواق بدأت تتعامل بجدية مع سيناريوهات تعطل الإمدادات، وهو ما يبرر سرعة التعافي من أدنى المستويات المسجلة خلال الأسبوع.

والتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل، برأيي، نقطة تحول نفسية في السوق أكثر من كونها مجرد موقف سياسي. عندما يتم التلويح باستهداف البنية التحتية للطاقة في منطقة حساسة مثل الخليج، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان سيناريوهات اضطراب الإمدادات التي لطالما دفعت الأسعار إلى ارتفاعات حادة. وأعتقد أن المتداولين لا ينتظرون وقوع الحدث بقدر ما يسعرون احتماليته، وهذا ما يفسر القفزة السريعة في الأسعار. وفي تقديري، طالما استمر هذا الخطاب التصعيدي، فإن علاوة المخاطر ستظل مكوناً أساسياً في تسعير النفط خلال الفترة المقبلة.

إلى جانب ذلك، فإن الحديث عن تحركات محتملة في مضيق هرمز يضيف بعداً أكثر حساسية للمشهد. هذا الممر ليس مجرد قناة شحن، بل هو شريان حيوي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. ومن وجهة نظري، أي تهديد حتى لو كان غير مباشرلحركة الملاحة فيه، كفيل بإحداث تقلبات حادة في الأسواق. ولذلك، أرى أن المستثمرين بدأوا بالفعل في بناء مراكزهم على أساس سيناريوهات نقص الإمدادات، وهو ما يدعم الاتجاه الصعودي للأسعار على المدى القصير.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال العامل النقدي الذي يلعب دوراً موازياً في كبح جماح هذا الصعود. فعودة التوقعات برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي تعزز من قوة الدولار الأمريكي، وهو ما يشكل ضغطاً تقليدياً على السلع المقومة به، وفي مقدمتها النفط. ومن وجهة نظري، نحن أمام معادلة معقدة: الجغرافيا السياسية تدفع الأسعار صعوداً، بينما السياسة النقدية تحاول احتواء هذا الارتفاع. وأعتقد أن هذه المعادلة ستبقي الأسواق في حالة شد وجذب، دون اتجاه واضح وحاسم في المدى المتوسط.

وأرى أيضاً أن سلوك المستثمرين في هذه المرحلة يتسم بالحذر الانتقائي، حيث يتم الجمع بين الرهان على ارتفاع الأسعار بسبب المخاطر، وبين التحوط من انعكاسات التشديد النقدي. هذا التوازن يعكس نضجاً في قراءة السوق، لكنه في الوقت ذاته يزيد من حدة التقلبات. في تقديري، فإن أي تطور مفاجئ سواء سياسي أو اقتصادي قد يدفع الأسعار إلى تحركات حادة في كلا الاتجاهين، وهو ما يتطلب استراتيجيات استثمارية مرنة وسريعة التكيف.

ومن زاوية تحليلية أعمق، أعتقد أن السوق لم يصل بعد إلى تسعير كامل لسيناريو التصعيد الشامل في الشرق الأوسط. فهناك قدر من التفاؤل الحذر لا يزال قائماً، مفاده أن التوترات قد تبقى ضمن حدود السيطرة. لكن في حال تغير هذا الافتراض، فإننا قد نشهد قفزات سعرية تتجاوز مستوى 110 دولار بسهولة. لذلك، أرى أن المخاطر الصعودية لا تزال أكبر من المخاطر الهبوطية في الأجل القريب.

في المقابل، وعلى المدى المتوسط، لدي رؤية أكثر توازناً. فقوة الدولار واستمرار التشديد النقدي قد يؤديان إلى تباطؤ الطلب العالمي، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة. وهذا العامل، برأيي، قد يشكل سقفاً للأسعار، حتى في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية. بمعنى آخر، قد نكون أمام سوق تتحرك ضمن نطاق سعري مرتفع، لكن دون اندفاعات مستدامة نحو مستويات قياسية جديدة.

ختاماً، أرى أن مستقبل أسعار النفط في المرحلة المقبلة سيتحدد وفق ميزان دقيق بين عاملين رئيسيين: تطورات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، واتجاهات السياسة النقدية الأمريكية. وفي ظل هذه المعطيات، أتوقع استمرار التقلبات مع ميل صعودي في المدى القصير، قد يدفع الأسعار لاختبار مستوى 110 دولار، بينما يظل المدى المتوسط مرهوناً بقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل تبعات الفائدة المرتفعة. ومن وجهة نظري، فإن هذه المرحلة تمثل فرصة بقدر ما هي تحدٍ، حيث يمكن تحقيق مكاسب كبيرة، لكن فقط لمن يجيد قراءة هذا التشابك المعقد بين السياسة والاقتصاد.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

منصة السفر الرائدة WINGIE تحدث ثورة في عملية استرداد تذاكر الطيران عبر تقنية الاسترداد الذكي المدعومة بالذكاء الاصطناعي

أعلنت WINGIE، منصة السفر الرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عن إطلاق الجيل الجديد ...

إجتماع طارئ للإتحاد الدولي لرجال وسيدات الأعمال اللبنانيين MIDEL

زمكحل: لا شك في أن الحرب قاسية لكن نتخوف أيضاً ما بعد الحرب… عقد الإتحاد ...

أسعار النفط تقفز مع تأجيج مؤشرات التصعيد للمخاوف بشأن الإمدادات

تحليل السوق التالي عن عبد العزيز البغدادي، مدير أبحاث السوق واستراتيجيات التكنولوجيا المالية في FXEM ...