كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
تشهد أسعار النفط الخام (WTI)، حالة من التوازن الحذر في ظل تداخل معقد بين العوامل الجيوسياسية والتوقعات الاقتصادية، حيث يتحرك السعر حول مستوى 88 دولارًا للبرميل بعد ارتداد ملحوظ من أدنى مستوياته الأخيرة. ومن وجهة نظري، هذا الاستقرار النسبي لا يعكس هدوءًا حقيقيًا في السوق بقدر ما يعكس حالة ترقب مشوبة بالحذر، إذ يبدو أن المتعاملين يسعّرون سيناريوهين متناقضين في آنٍ واحد: استمرار التهدئة السياسية من جهة، واحتمال عودة التصعيد من جهة أخرى. وهذا التوازن الهش يجعل السوق عرضة لتحركات مفاجئة، خاصة في ظل حساسية أسعار النفط الشديدة لأي تطورات جيوسياسية في الشرق الأوسط.
وأعتقد أن العامل الأكثر تأثيرًا حاليًا هو تعثر مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أعاد إلى الواجهة مخاطر اضطراب الإمدادات. فالتصريحات الإيرانية الأخيرة، التي تشير إلى احتمال تعليق المشاركة في المحادثات، تعكس تصاعدًا في التوتر يتجاوز كونه مجرد مناورة سياسية، وقد يحمل في طياته إشارات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. وبرأيي، الأسواق بدأت بالفعل في تسعير هذا الخطر بشكل جزئي، وهو ما يفسر الارتفاع السريع من مستويات قريبة من 79 دولارًا إلى ما فوق 86 دولارًا خلال فترة قصيرة. ومع ذلك، لا يزال هذا التسعير حذرًا، لأن المستثمرين لم يفقدوا الأمل بالكامل في إمكانية احتواء التصعيد.
وفي المقابل، أرى أن السقف النفسي عند 100 دولار للبرميل يلعب دورًا محوريًا في ضبط إيقاع السوق. فرغم التوترات المتصاعدة، لم تتمكن الأسعار من الاقتراب من هذا المستوى بشكل ثابت، وهو ما يعكس قناعة ضمنية لدى المستثمرين بأن السيناريو الأسوأ—وهو انقطاع واسع في الإمدادات—لا يزال غير مرجح في المدى القريب. ومن وجهة نظري، هذا يعكس أيضًا ثقة نسبية في قدرة الأطراف الدولية على احتواء الأزمة، أو على الأقل تأجيل انفجارها. لكن هذه الثقة قد تكون مبالغًا فيها، خاصة إذا ما استمرت الأحداث الميدانية في التصعيد دون وجود قنوات دبلوماسية فعالة.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن إغفال دور العوامل الفنية والسلوكية في دعم الأسعار، حيث جاء الارتداد الأخير مدفوعًا بعمليات شراء بعد موجة بيع حادة، إضافة إلى دخول مضاربين يراهنون على استمرار الاتجاه الصاعد. وأرى أن هذا العامل قد يضخم من تحركات الأسعار على المدى القصير، لكنه لا يغير من الصورة الأساسية التي لا تزال رهينة الأخبار السياسية. وبالتالي، فإن أي صعود إضافي قد يظل محدودًا ما لم يترافق مع تطور جوهري في ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية.
كما أعتقد أن تصريحات القيادة الأمريكية، التي تشير إلى استمرار الحصار العسكري مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، تعكس استراتيجية مزدوجة تهدف إلى الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. وهذه الاستراتيجية، برأيي، تخلق حالة من “اللايقين المنظم” في السوق، حيث تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة دون حسم. هذا النوع من البيئات عادة ما يدعم الأسعار ضمن نطاقات محددة، لكنه لا يدفعها إلى اتجاه واضح ومستدام. لذلك، أتوقع أن يبقى النفط في حالة تذبذب بين مستويات 85 و95 دولارًا في المدى القريب، ما لم يحدث تحول مفاجئ في مسار الأحداث.
وفي تقديري، فإن ردود الفعل الإيرانية المحتملة ستكون العامل الحاسم في تحديد الاتجاه المقبل. فإذا اتجهت طهران نحو التصعيد—سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات غير مباشرة—فإن السوق قد يشهد قفزة سريعة نحو مستويات أعلى، وربما إعادة اختبار حاجز 100 دولار. أما إذا تم احتواء التوتر واستئناف المحادثات، فمن المرجح أن نشهد تراجعًا تدريجيًا في الأسعار، خاصة مع عودة التركيز إلى العوامل الاقتصادية مثل الطلب العالمي ومخاوف التباطؤ.
في النهاية، أرى أن سوق النفط يقف حاليًا عند مفترق طرق حقيقي، حيث يتحدد الاتجاه ليس فقط بناءً على البيانات الاقتصادية حيث ينتظر السوق اليوم بيانات مخزونات النفط الامريكية بتوقعات نقص في المخزون، بل بشكل أساسي على القرارات السياسية. وهذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة يجعل التنبؤ أكثر تعقيدًا، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام فرص استثمارية قائمة على قراءة دقيقة للمشهد الجيوسياسي. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية هو استمرار حالة التذبذب ضمن نطاق مرتفع نسبيًا، مع ميل صعودي محدود، إلى أن تتضح معالم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران بشكل أكثر حسمًا.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية