GBP/USD بين توترات الشرق الأوسط والبيانات الاقتصادية: هل ينجح الباوند في انتزاع السيطرة من الدولار؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يتحرك زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) قرب 1.336 في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً خلال العام، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع التطورات الجيوسياسية بصورة تجعل من الصعب على الأسواق تكوين اتجاه واضح ومستدام. وبينما يحاول الجنيه الإسترليني الاستفادة من بعض المؤشرات الاقتصادية المحلية الإيجابية، يواصل الدولار الأمريكي الاستفادة من مكانته كملاذ آمن في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، الأمر الذي يضع الزوج أمام معادلة دقيقة تتطلب من المستثمرين والمتداولين قراءة متأنية لمختلف المتغيرات المؤثرة في السوق.

ومن وجهة نظري، فإن التحركات الأخيرة للجنيه الإسترليني تعكس حالة من الصمود النسبي أكثر مما تعكس قوة حقيقية ومستقلة. فعلى الرغم من نجاح الزوج في الاقتراب من مستوى 1.3400 خلال الأيام الماضية، إلا أن فشله في الاستقرار فوق هذا المستوى يشير إلى استمرار الحذر بين المتعاملين. وأعتقد أن الأسواق ما زالت تنظر إلى مستوى 1.3400 باعتباره حاجزاً نفسياً وفنياً مهماً، يحتاج إلى محفزات اقتصادية قوية لاختراقه بصورة مستدامة. لذلك فإن أي ارتفاعات مؤقتة لا يصاحبها تحسن واضح في الأساسيات الاقتصادية قد تبقى عرضة للتراجع السريع.

في المقابل، لا يمكن تجاهل التأثير المتزايد للتوترات الجيوسياسية على حركة الدولار الأمريكي. فكلما ارتفعت مستويات عدم اليقين في الشرق الأوسط، تزايدت التدفقات الاستثمارية نحو الأصول الآمنة وفي مقدمتها الدولار الأمريكي. وبرأيي، فإن هذه الحقيقة تمثل أحد أبرز العوامل التي تحد من قدرة الجنيه الإسترليني على تحقيق مكاسب قوية في المرحلة الحالية. فحتى في حال صدور بيانات بريطانية إيجابية، فإن أي تصعيد جيوسياسي جديد قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار باعتباره الخيار الأكثر أماناً، وهو ما يفسر التردد الواضح في بناء مراكز شرائية كبيرة على الزوج.

وعلى الجانب الاقتصادي، تبدو بيانات المملكة المتحدة أكثر تماسكا مقارنة بما كانت عليه خلال الأشهر الماضية. فقد أظهرت مبيعات التجزئة تحسناً ملحوظاً، وهو ما يعكس استمرار مرونة الإنفاق الاستهلاكي رغم الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو. ومع ذلك، أرى أن هذه البيانات وحدها غير كافية لتغيير الصورة الكلية للاقتصاد البريطاني. فما زالت الأسواق بحاجة إلى دلائل أكثر وضوحاً على استدامة النمو وتحسن الإنتاجية قبل أن تبدأ في إعادة تسعير توقعاتها بشأن السياسة النقدية لبنك إنجلترا بصورة أكثر تفاؤلاً.

وفيما يتعلق ببنك إنجلترا، أعتقد أن التغير الذي شهدته توقعات الأسواق مؤخراً يستحق المتابعة الدقيقة. فبعد أن كانت التوقعات تشير إلى مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة خلال العام الجاري، بدأت بعض المؤسسات المالية تتحدث عن احتمالية تبني البنك المركزي موقفاً أكثر تشدداً إذا استمرت الضغوط التضخمية أو أظهرت البيانات الاقتصادية مرونة أكبر من المتوقع. وفي رأيي، فإن هذا التحول يمثل دعماً مهماً للجنيه الإسترليني على المدى المتوسط، لكنه لا يزال بحاجة إلى تأكيدات إضافية من البيانات القادمة، خاصة بيانات النمو وسوق العمل والتضخم.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن التركيز ينصب حالياً على بيانات التضخم باعتبارها العامل الأكثر تأثيراً في توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. ومن وجهة نظري، فإن أي بيانات أعلى من للاقتصاد الاميركي ستمنح الدولار دفعة قوية جديدة، لأنها ستقلص احتمالات خفض أسعار الفائدة في الأجل القريب. أما إذا جاءت البيانات أقل من التوقعات، فقد نشهد بعض الضغوط البيعية على الدولار تسمح للجنيه الإسترليني بإعادة اختبار مستويات المقاومة الرئيسية فوق 1.3400. ولذلك فإن رد فعل السوق على بيانات التضخم الأمريكية قد يكون أكثر أهمية من البيانات نفسها.

ورغم أن العديد من المتداولين يركزون حالياً على التحركات اليومية السريعة، فإنني أعتقد أن الصورة الأوسع ما زالت تميل إلى الحياد الإيجابي للجنيه الإسترليني طالما لم تتدهور البيانات البريطانية بصورة مفاجئة. فالتوقعات المتعلقة بأسعار الفائدة في المملكة المتحدة تبدو أقل ميلاً للتيسير مقارنة ببعض الاقتصادات الكبرى الأخرى، وهو عامل قد يوفر دعماً هيكلياً للعملة البريطانية خلال الأشهر المقبلة. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية أو صدور بيانات أمريكية قوية بشكل متكرر قد يحد من هذا الدعم ويؤجل أي اختراقات صعودية مهمة.

وفي المحصلة، أرى أن زوج GBP/USD يقف حالياً عند مفترق طرق حقيقي بين قوتين متعارضتين؛ الأولى تتمثل في تحسن نسبي للتوقعات الاقتصادية البريطانية واحتمالات تبني بنك إنجلترا سياسة أقل ميلاً لخفض الفائدة، والثانية تتمثل في قوة الدولار المدعومة بمكانته كملاذ آمن وترقب الأسواق للبيانات الأمريكية المؤثرة. وبناءً على المعطيات الحالية، أميل إلى الاعتقاد بأن فرص الصعود تبقى قائمة طالما حافظ الزوج على التداول فوق منطقة 1.3300، إلا أن اختراق 1.3400 بشكل مستدام سيظل الشرط الأساسي لتأكيد انتقال السوق إلى مرحلة أكثر إيجابية. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى حركة الزوج رهينة التوازن الدقيق بين الاقتصاد والسياسة والجغرافيا السياسية، وهي معادلة ستستمر في رسم ملامح التداولات خلال الفترة المقبلة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اللوبي الاقتصادي الدولي يرحب باستئناف الصادرات اللبنانية الى المملكة العربية السعودية

يتشرّف اللوبي الاقتصادي الدولي بتقديم أسمى آيات التهنئة والتقدير إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد ...

مجلس الأعمال اللبناني – السعودي يرحب بتوجيه ولي العهد السعودي باستئناف الصادرات اللبنانية الى المملكة

أبو زكي: خطوة كبيرة في توقيتها ومعناها رحّب مجلس الأعمال اللبناني – السعودي بتوجيه صاحب ...

الأسهم الخليجية تشهد حذراً وسط حالة عدم اليقين الجيوسياسي

تحليل الأسواق لليوم عن جوزف ضاهرية المدير الاداري في TickMill  سجلت أسواق الأسهم الخليجية جلسة ...