بقلم د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
لم يكن المشهد الذي شهده مجلس الشيوخ الأميركي في التاسع والعشرين من تموز 2026 مجرد مواجهة جديدة بين الدكتور أنتوني فوسي والسيناتور الجمهوري راند بول. ولم تكن الجلسة، رغم توترها الاستثنائي، مجرد استجواب لمسؤول صحي سابق حول قرارات اتُّخذت في زمن الخوف والارتباك.
لقد كانت لحظة كاشفة لأزمة أعمق: أزمة الثقة بين المجتمع والعلم، وبين المعرفة والسلطة، وبين حق المؤسسات في اتخاذ تدابير استثنائية وواجبها في تقديم الحقيقة كاملة عندما تنتهي حالة الطوارئ ويبدأ زمن المحاسبة.
جلس فوسي أمام لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية شاهدًا وحيدًا في جلسة ترأسها راند بول، لكنه اختار، بناءً على نصيحة محاميه، الاستناد إلى التعديل الخامس في الدستور الأميركي، فامتنع عن الإجابة عن أكثر من مئة سؤال خشية أن تُستخدم إجاباته في ملاحقة جنائية محتملة. أما بول فأعلن أن اللجنة ستبحث اتخاذ إجراءات بحقه بتهمة ازدراء الكونغرس.
قانونيًا، لا يشكل استخدام التعديل الخامس اعترافًا بالذنب. فهذا الحق وُجد لحماية الإنسان من إجباره على المساهمة في بناء قضية جنائية ضد نفسه. لكن السياسة لا تعمل بمنطق القانون وحده؛ فصمت الشخصية التي مثّلت طوال الجائحة صوت السلطة العلمية واليقين الطبي ترك أثرًا يتجاوز قاعة الاستجواب.
فالرجل الذي ظهر خلال سنوات الأزمة ليشرح ويحذر ويوصي ويطالب المواطنين بالثقة في المؤسسات، وقف هذه المرة غير مستعد للدفاع عن الرواية التي ارتبط اسمه بها. ومن هنا لم يعد السؤال متعلقًا بفوسي وحده، بل بمنظومة كاملة امتلكت التمويل والمعرفة والقرار، ثم عادت بعد ست سنوات لتقول إن الحقيقة ما زالت ناقصة.
ولفهم دلالة هذا الصمت، لا بد من العودة إلى ما قبل الجائحة.
قبل ووهان: الأبحاث التي سبقت الكارثة
بين عامي 2014 و2021، موّلت المعاهد الوطنية للصحة الأميركية مشروعات نفذتها منظمة EcoHealth Alliance لدراسة فيروسات كورونا لدى الخفافيش، وتضمنت منحًا فرعية وصلت إلى مؤسسات أجنبية، من بينها معهد ووهان لعلم الفيروسات.
إذن، وصول أموال أميركية إلى أبحاث متعلقة بفيروسات كورونا في ووهان ليس فرضية سياسية، بل واقعة موثقة. وقد بيّن مكتب المفتش العام في وزارة الصحة الأميركية أن المراجعة شملت ثلاث منح بقيمة تقارب ثمانية ملايين دولار، بينها نحو 1.8 مليون دولار من المنح الفرعية لثماني جهات، كان معهد ووهان إحداها. كما خلص إلى أن المعاهد الوطنية للصحة وEcoHealth لم تمارسا الرقابة الفعالة وفي الوقت المناسب على بعض المنح والجهات المستفيدة منها.
لكن وجود التمويل لا يثبت أن مشروعًا أميركيًا أنتج فيروس SARS-CoV-2، ولا أن فوسي أمر بتصميمه، ولا أن تجربة ممولة من المعاهد الأميركية كانت المصدر المباشر للجائحة.
موضع الخلاف الحقيقي كان في طبيعة الأبحاث ومستوى خطورتها، وما إذا كانت بعض التجارب تندرج ضمن ما يعرف بأبحاث كسب الوظيفة Gain-of-Function.
وفق التعريف العلمي الواسع، يمكن وصف تجربة بأنها كسب وظيفة عندما تمنح كائنًا حيًا خاصية جديدة أو تعزز خاصية موجودة لديه. أما وفق التعريف التنظيمي الأميركي الأضيق، فلا تدخل كل تجربة تعديل أو تركيب في هذا التصنيف؛ إذ يجب أن تستوفي شروطًا محددة تتعلق باحتمال إنتاج ممرض وبائي معزز.
لهذا، لم يكن الخلاف حول المصطلح لغويًا فقط. فقد استخدم فوسي والمؤسسات الصحية تعريفًا تنظيميًا ضيقًا عندما نفوا تمويل أبحاث كسب الوظيفة، بينما استخدم منتقدوهم تعريفًا علميًا أوسع.
وبين التعريفين، نشأت فجوة خطرة بين ما تستطيع المؤسسة إثباته إداريًا، وما يفهمه المجتمع من كلامها.
فقد تكون العبارة قابلة للدفاع عنها وفق اللوائح، لكنها لا تمنح بالضرورة صورة كاملة عن المخاطر العلمية الفعلية. والمؤسسة التي تطالب المواطنين بالالتزام الدقيق بتوصياتها لا تستطيع أن تتوقع منهم التساهل عندما تلجأ هي إلى التعريفات الضيقة لتحديد حدود مسؤوليتها.
عام 2019: ظهور الفيروس وبداية السؤال المحظور
عندما ظهرت الإصابات الأولى المعروفة في ووهان أواخر عام 2019، برز احتمالان رئيسيان: انتقال الفيروس طبيعيًا من الحيوان إلى الإنسان، أو وقوع حادث مرتبط بمختبر كان يجمع فيروسات الخفافيش ويدرسها في المدينة نفسها.
في الأسابيع الأولى من عام 2020، ناقش علماء ومسؤولون كلا الاحتمالين. غير أن الخطاب العام مال سريعًا إلى فرضية المنشأ الطبيعي، فيما عوملت فرضية الحادث المختبري في أجزاء من الإعلام والسياسة بوصفها نظرية غير علمية أو ذات دوافع أيديولوجية.
لاحقًا، اتضح أن احتمال المختبر لم يكن غائبًا عن المناقشات الخاصة، وأن بعض العلماء والمسؤولين كانوا أقل يقينًا مما ظهر في الخطاب العام. لكن وجود الشك المبكر لا يثبت وقوع تسرب، كما أن تغير تقديرات العلماء لا يثبت بالضرورة وجود مؤامرة.
المشكلة لم تكن في أن العلماء ناقشوا الاحتمالات ثم عدّلوا مواقفهم؛ فهذا جوهر العملية العلمية. المشكلة كانت في تقديم بعض الاستنتاجات المؤقتة إلى المجتمع بلغة توحي بأن النقاش قد حُسم، ثم التعامل مع الأسئلة المخالفة باعتبارها خروجًا على العلم، بدل اعتبارها جزءًا من البحث عنه.
حتى عام 2025، بقي المنشأ النهائي للفيروس غير محسوم. وقد خلصت المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى أن وزن الأدلة المتاحة يرجح انتقالًا حيوانيًا، لكنها أكدت أن معلومات أساسية ما زالت مفقودة، وأنها لم تحصل على البيانات الخام اللازمة لإغلاق الاحتمالات الأخرى أو تحديد الكيفية النهائية التي بدأت بها الجائحة.
وهنا تظهر أولى الفضائح المؤسسية الكبرى: بعد ملايين الوفيات وتحولات اقتصادية واجتماعية هائلة، ما زال العالم عاجزًا عن الوصول إلى المعلومات الضرورية لمعرفة كيف بدأت الكارثة.
إن عدم معرفة المنشأ ليس مجرد سؤال أكاديمي. فإذا لم نفهم الطريق الذي دخل منه الفيروس إلى المجتمع البشري، فلن نستطيع إغلاق الطريق نفسه أمام الوباء المقبل.
الجائحة التي أصابت المجتمع كله
مع بداية عام 2020، انتقلت الأزمة من المختبرات وتقارير العلماء إلى المستشفيات والمدارس والمصانع والمنازل.
كانت الحكومات تواجه فيروسًا جديدًا، ومستشفيات مهددة بالانهيار، ومعلومات تتغير بسرعة. لذلك كان اتخاذ إجراءات احترازية في بداية الأزمة مفهومًا، وربما ضروريًا في كثير من الحالات.
لكن الضرورة المؤقتة لا تمنح أي قرار حصانة دائمة من المراجعة.
فقد أغلقت المدارس والجامعات، وتعطلت أعمال، وتوقفت قطاعات إنتاجية، واتسعت الديون، واضطربت سلاسل التوريد، وازدادت الفوارق بين من يستطيع العمل والتعلم من منزله ومن يعتمد على أجر يومي أو مدرسة عامة محدودة الإمكانات.
وقدرت منظمة الصحة العالمية الوفيات الزائدة المرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بالجائحة بنحو 14.9 مليون وفاة خلال عامي 2020 و2021 فقط. وفي التعليم، حذرت تقديرات للبنك الدولي من أن إغلاق المدارس قد يؤدي إلى خسائر في الدخل المستقبلي للجيل المتضرر تصل إلى 21 تريليون دولار إذا لم تُعالج خسائر التعلم.
هذه الأرقام تكشف أن الجائحة لم تكن مرضًا أصاب الأجساد فقط، بل أزمة أصابت رأس المال البشري، والثقة، والتعليم، وفرص العمل، والصحة النفسية، وتوازن العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.
ولم تكن آثارها موزعة بالتساوي.
فالفقير كان أقل قدرة على العزل، وأكثر عرضة لفقدان دخله، وأضعف وصولًا إلى الرعاية الصحية. والطفل الذي امتلك جهازًا واتصالًا سريعًا بالإنترنت لم يخسر ما خسره طفل انقطع تمامًا عن مدرسته. وكبار السن دفعوا ثمن العزلة، فيما تحملت النساء في كثير من المجتمعات أعباء إضافية في الرعاية والعمل المنزلي.
لذلك، لا يجوز تقييم سياسات الجائحة بعدد الإصابات التي ربما منعتها وحده. يجب أيضًا قياس آثارها في التعليم والفقر والبطالة والصحة النفسية وعدم المساواة.
العلم يستطيع أن يقدّر احتمال العدوى، لكنه لا يقرر وحده المدة المقبولة لإغلاق مدرسة، أو حجم الضرر الاقتصادي الذي يمكن احتماله، أو مقدار الحرية التي يجوز تقييدها.
هذه قرارات سياسية وأخلاقية، ويجب أن يتحملها المسؤولون المنتخبون، لا أن تُخفى خلف عبارة: «نحن نتبع العلم».
البيئة ليست هامشًا في قصة الجائحة
سواء ثبت أن الفيروس انتقل طبيعيًا من الحيوان إلى الإنسان، أو اتضح مستقبلًا أن حادثًا مختبريًا أسهم في ظهوره، فإن الاحتمالين يقودان إلى حقيقة واحدة: العالم يعاني خللًا في إدارة علاقته بالمخاطر البيولوجية.
إذا كان المنشأ طبيعيًا، فالقضية ترتبط بتوسع الإنسان داخل مواطن الحياة البرية، وتدمير التنوع الحيوي، وتجارة الحيوانات، وضغط الزراعة والتوسع العمراني على النظم البيئية. وكلما تقلصت المسافة بين البشر والحيوانات الحاملة للفيروسات، ازدادت فرص انتقال مسببات الأمراض عبر حيوانات وسيطة أو سلاسل الغذاء والتجارة.
أما إذا كان المنشأ مرتبطًا بحادث مختبري، فإن المشكلة تصبح أكثر مباشرة: الإنسان لم يكتفِ بالاقتراب من الفيروسات في الطبيعة، بل جمعها ونقلها واختبر خصائصها، من دون أن يبني نظامًا دوليًا للرقابة والشفافية يوازي حجم القوة العلمية التي امتلكها.
وفي الحالتين، لا يمكن فصل صحة الإنسان عن صحة الحيوان وسلامة البيئة.
وهذا هو جوهر مفهوم الصحة الواحدة One Health، الذي تعتبره منظمة الصحة العالمية إطارًا يربط صحة البشر والحيوانات والنظم البيئية، ويعالج ظهور الأمراض المعدية من جذورها بدل الاكتفاء بمواجهتها بعد وصولها إلى المستشفيات.
إن بناء مزيد من المستشفيات لا يكفي إذا استمرت الظروف البيئية التي تسهم في ظهور الأوبئة. وتطوير لقاحات أسرع لا يغني عن مراقبة المختبرات. والاستعداد الصحي لا يبدأ من أجهزة التنفس فقط، بل من الغابات والأسواق والمزارع والمختبرات ونظم الإنذار المبكر.
حتى الاستجابة للجائحة تركت أثرًا بيئيًا هائلًا. فقد قدرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 87 ألف طن من معدات الوقاية الشخصية التي وُزعت ضمن مبادرة طوارئ أممية بين آذار 2020 وتشرين الثاني 2021 يُرجح أن معظمها تحول إلى نفايات، من دون احتساب الكمامات والمعدات التي اشترتها الحكومات والأفراد خارج المبادرة. كما أن نسبة كبيرة من المنشآت الصحية، ولا سيما في الدول الأقل نموًا، لم تكن مجهزة أصلًا لمعالجة الأحمال الإضافية من النفايات الطبية.
وهكذا كشفت الجائحة مفارقة قاسية: حاول العالم حماية الإنسان من فيروس، لكنه أنتج في الوقت نفسه أعباء جديدة على الهواء والمياه والتربة والمجتمعات القريبة من مكبات النفايات ومواقع الحرق.
إن الصحة العامة التي تهمل البيئة قد تنجح في تأجيل الخطر، لكنها تعيد إنتاجه في صورة أخرى.
من الرقابة الناقصة إلى العفو الرئاسي
في عام 2023، أكدت مراجعة مكتب المفتش العام وجود قصور في متابعة المنح الأميركية والجهات الأجنبية المستفيدة منها. ولم تثبت المراجعة أن هذه الأبحاث سببت الجائحة، لكنها أثبتت أن نظام الرقابة لم يكن بالمستوى الذي تقتضيه حساسية الأبحاث.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: غياب الدليل على أن مشروعًا معينًا أنتج الفيروس، ووجود أدلة على قصور مؤسسي في الإشراف والتقارير والمتابعة.
الأول يمنع إصدار إدانة متسرعة، والثاني يمنع منح المؤسسات شهادة براءة كاملة.
وفي التاسع عشر من كانون الثاني 2025، منح الرئيس جو بايدن فوسي عفوًا اتحاديًا كاملًا وغير مشروط عن الجرائم الاتحادية المحتملة المرتبطة بخدمته الحكومية خلال الفترة الممتدة من الأول من كانون الثاني 2014 حتى تاريخ العفو.
العفو لا يثبت أن جريمة وقعت، وقد يصدر لحماية شخص من ملاحقة سياسية أو انتقامية. لكن اتساعه وتوقيته أثارا سؤالًا سياسيًا مشروعًا حول طبيعة المخاطر التي أريد تحصين فوسي منها.
فالعفو حماه من بعض صور الملاحقة الاتحادية المرتبطة بالماضي، لكنه لم ينهِ المعركة على الرواية، ولم يمنع الكونغرس من طلب شهادته، ولم يحمِ صورته العامة من تداعيات الصمت.
جلسة 2026: بين حق دستوري وواجب أخلاقي
عاد فوسي إلى الكونغرس في تموز 2026، لا بصفته مديرًا لأهم مؤسسة أميركية للأمراض المعدية، بل مواطنًا متقاعدًا يواجه اتهامات بأنه ضلل المشرعين والرأي العام حول تمويل الأبحاث ومنشأ الفيروس وإدارة الجائحة.
رأى فريقه القانوني أن الجلسة فخ سياسي، وأن إجاباته الجديدة قد تنشئ مخاطر قانونية جديدة حتى مع وجود العفو. كما أكد فوسي أنه سبق أن أجاب عن أسئلة مماثلة، واتهم راند بول بإدارة حملة شخصية تهدف إلى ملاحقته وسجنه.
في المقابل، رأى بول وزملاؤه أن الامتناع الشامل عن الإجابة، بما في ذلك عن أسئلة بسيطة، يمثل إساءة لاستخدام الحماية الدستورية ومحاولة لمنع الكونغرس من أداء دوره الرقابي.
لا يمكن حسم هذا النزاع بالصوت الأعلى.
فالتعديل الخامس حق دستوري، وليس دليل إدانة. لكن المسؤولية العامة أوسع من المسؤولية الجنائية. وقد لا تثبت المحكمة أن فوسي ارتكب جريمة، فيما يبقى من المشروع مساءلة المؤسسات عن دقة خطابها، وكفاية رقابتها، وطريقة إدارتها لعدم اليقين.
السؤال الذي يطرحه المجتمع ليس فقط: هل خالف فوسي القانون؟
بل أيضًا: ماذا كانت المؤسسات تعرف؟ متى عرفته؟ ماذا قالت للناس؟ وما الذي لم تستطع أو لم ترغب في قوله؟
المشكلة ليست في العلم، بل في تحوله إلى سلطة مغلقة
العلم الحقيقي لا يقوم على اليقين الدائم، بل على الشك المنهجي والاختبار والتصحيح. وعندما تكون الأدلة ناقصة، يجب أن يقول العالم: «لا نعرف بعد».
أما عندما تدخل المعرفة العلمية إلى المجال السياسي، فقد تتحول التقديرات الاحتمالية إلى أوامر، والفرضيات المؤقتة إلى حقائق نهائية، والنقد إلى تهديد لسلطة المؤسسة.
وهنا يبدأ الخطر.
فالثقة لا تُبنى بإقناع الناس بأن المؤسسة لا تخطئ، بل بإثبات أنها تكشف أخطاءها، وتصححها، وتقدم وثائقها، وتتحمل تبعات قراراتها.
ومؤيدو فوسي محقون في التحذير من تحويل العلماء إلى أكباش فداء، أو استخدام التحقيقات لتصفية الخصومات الحزبية. لكن الدفاع عن العلم لا يعني منح العلماء حصانة من المساءلة.
ومنتقدوه محقون في المطالبة بالشفافية والوثائق والرقابة على الأبحاث الخطرة. لكن وجود تمويل أميركي في ووهان لا يكفي للقول إن فوسي صنع الفيروس أو تسبب حتمًا في الجائحة.
بين التقديس والإدانة مساحة يجب أن تُبنى فيها الحقيقة. غير أن الاستقطاب السياسي جعل هذه المساحة تضيق، وحوّل السؤال العلمي إلى اختبار للولاء الحزبي.
ما الذي يجب أن يتغير؟
لا تكفي محاكمة شخص، ولا يكفي تغيير اسم برنامج تمويل، ولا تكفي زيادة معدات المستشفيات.
المطلوب نظام جديد لإدارة المخاطر البيولوجية، يقوم على رقابة مستقلة للأبحاث عالية الخطورة، وسجلات دولية أكثر شفافية، وإبلاغ إلزامي عن الحوادث المختبرية، وقدرة فعلية على تفتيش الجهات التي تتلقى تمويلًا دوليًا.
كما يجب إنهاء الفصل التقليدي بين وزارات الصحة والبيئة والزراعة والأمن. فالفيروس الذي ينتقل من حيوان أو يتسرب من مختبر لا يحترم حدود الاختصاصات الإدارية، كما لا يحترم حدود الدول.
ولا بد من فصل أوضح بين المشورة العلمية والقرار السياسي. على العلماء أن يقدموا الأدلة والاحتمالات وحدود المعرفة، وعلى الحكومات أن تتحمل مسؤولية الموازنة بين الصحة والتعليم والاقتصاد والحقوق العامة.
أما المجتمع، فلا يحتاج إلى يقين مصطنع؛ بل إلى صدق مؤسسي. فالاعتراف بعدم المعرفة لا يهدم الثقة. ما يهدمها هو تقديم احتمال على أنه حقيقة، ثم تغيير الموقف من دون تفسير أو مساءلة.
توصيات لمنع تكرار الكارثة
- إنشاء منظومة دولية مستقلة للرقابة على الأبحاث البيولوجية عالية الخطورة، تمتلك صلاحيات التفتيش والمراجعة وتعليق المشاريع، مع حظر تمويل أي مختبر لا يتيح الوصول الكامل إلى سجلاته وبياناته.
- إلزام الدول والمختبرات بالإفصاح الفوري عن أي حادث أو تسرب أو خلل في السلامة البيولوجية، ضمن سجل دولي شفاف، مع فصل واضح بين الجهات الممولة والجهات الرقابية والمحاسِبة.
- توحيد تعريف أبحاث كسب الوظيفة وربطها بمستوى الخطر الفعلي، وإخضاع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث البيولوجية لضوابط صارمة تمنع تطوير مسببات مرضية أكثر خطورة.
- اعتماد مفهوم الصحة الواحدة من خلال دمج الصحة البشرية والبيطرية والبيئية، وحماية التنوع الحيوي، وتشديد الرقابة على تجارة الحيوانات البرية والنفايات الطبية والمخبرية.
- فصل المشورة العلمية عن القرار السياسي، وحماية النقاش العلمي المفتوح، مع إعلان حدود المعرفة بوضوح، وتحميل الحكومات مسؤولية قراراتها الصحية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
الخاتمة: الوباء الأخطر هو انهيار الثقة
قد ينجح فوسي في حماية نفسه قانونيًا، وقد يفشل راند بول في تحويل اتهاماته إلى إدانة قضائية، وقد يبقى منشأ الفيروس سنوات أخرى معلقًا بين الأدلة العلمية الناقصة والتقارير الاستخباراتية والسجلات التي لم تُكشف.
لكن القضية تجاوزت الرجلين.
لقد أثبتت الجائحة أن البشرية امتلكت قدرة علمية هائلة على دراسة الفيروسات وتعديلها وتصميم اللقاحات في وقت قياسي، لكنها لم تطور بالقدر نفسه منظومة أخلاقية ورقابية قادرة على إدارة هذه القوة.
وأثبتت أن صحة الإنسان لا تبدأ في المستشفى، بل في علاقته بالحيوان والبيئة والمختبر والدولة والمعلومة.
وأثبتت أن المجتمع يستطيع تحمل تضحيات استثنائية عندما يثق بالمؤسسات، لكنه قد يرفض التعاون في الأزمة المقبلة إذا شعر بأن الحقيقة حُجبت عنه في الأزمة السابقة.
إن الجائحة المقبلة، إن وقعت، لن تهتم بمن انتصر في جلسة مجلس الشيوخ. ولن تسأل إن كان صاحب القرار جمهوريًا أم ديمقراطيًا، طبيبًا أم سياسيًا. ستختبر فقط ما إذا كانت البشرية قد أصلحت مواطن ضعفها، أم اكتفت بتحويل الكارثة إلى مادة للاستقطاب.
فحين يفقد المجتمع ثقته بالعلم، يعجز عن حماية صحته. وحين يفقد ثقته بالدولة، يعجز عن تنظيم استجابته. وحين يختل توازنه مع البيئة، يفتح أبوابًا جديدة لأوبئة لم يعرف أسماءها بعد.
وهنا تكمن خطورة قضية فوسي: إنها ليست محاكمة للماضي بقدر ما هي إنذار للمستقبل.
فأخطر الأوبئة ليست تلك التي تنتقل بين الأجساد وحدها، بل تلك التي تصيب الثقة؛ لأن المجتمع الذي لا يثق بعلمه ولا بدولته قد يمتلك اللقاح، لكنه يفقد القدرة على الاستجابة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية