الفضة (XAGUSD)عند نقطة تحول.. هل يواصل الفيدرالي الضغط على الأسعار أم تعود موجة الصعود؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

تمر الفضة في واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ بداية العام وتتداول قرب 58.69 دولار، ليس بسبب ضعف العوامل الداعمة للمعدن بحد ذاته، وإنما نتيجة تغير أولويات الأسواق العالمية. ففي الأسابيع الماضية كانت المخاطر الجيوسياسية هي المحرك الرئيسي لأسعار المعادن النفيسة، إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع عودة التركيز إلى البيانات الاقتصادية الأمريكية، والتي أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في تسعير توقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. لذلك أعتقد أن حركة الفضة خلال الفترة المقبلة لن تكون رهينة التطورات السياسية بقدر ما ستكون مرتبطة بمدى استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يجعل المستثمرين أكثر حذرًا في بناء مراكز شرائية جديدة.

حيث جاءت بيانات مؤشر مديري المشتريات الصناعي الأمريكي (ISM) لتؤكد أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بزخم يفوق توقعات الأسواق. فالارتفاع إلى 55.6 نقطة لم يكن مجرد قراءة إيجابية، بل رسالة واضحة بأن النشاط الصناعي عاد إلى التوسع بأسرع وتيرة منذ أكثر من أربع سنوات. والأهم من ذلك أن مكونات التقرير كشفت عن تحسن متزامن في التوظيف واستمرار الضغوط السعرية عند مستويات مرتفعة، وهو ما يعكس أن الاقتصاد لم يفقد زخمه رغم السياسة النقدية المتشددة. وفي تقديري، هذه البيانات تمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما تأجيل أي تحول نحو سياسة أكثر مرونة إذا استمرت البيانات الاقتصادية في مفاجأة الأسواق إيجابًا.

وهنا تكمن نقطة الضغط الأساسية على الفضة. فعلى عكس الأسهم التي تستفيد غالبًا من تحسن النشاط الاقتصادي، فإن المعادن النفيسة تتأثر بشكل مباشر بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار. وكلما زادت قناعة المستثمرين بأن الفيدرالي لن يتعجل في خفض الفائدة، ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصول لا تدر عائدًا مثل الفضة والذهب. لذلك أرى أن رد فعل السوق على بيانات ISM كان منطقيًا، إذ تراجعت الفضة مع إعادة تسعير توقعات الفائدة وليس بسبب تراجع الطلب الفعلي على المعدن. وهذا يوضح أن المستثمرين باتوا يتعاملون مع كل إصدار اقتصادي باعتباره استفتاءً جديدًا على مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الفضة تختلف عن الذهب في نقطة جوهرية، وهي أنها معدن صناعي بقدر ما هي أصل استثماري. فإذا استمر النشاط الصناعي العالمي في التحسن، فقد يجد المعدن دعمًا من ارتفاع الطلب الصناعي، خاصة مع استمرار التوسع في قطاعات الطاقة النظيفة، وصناعة السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات.

ولذلك فإنني لا أعتقد أن قوة الاقتصاد الأمريكي تمثل عاملًا سلبيًا مطلقًا للفضة، بل قد تتحول لاحقًا إلى عنصر داعم إذا بدأ الطلب الصناعي في تعويض الضغوط الناتجة عن ارتفاع الفائدة. وهذا ما يجعل النظرة إلى الفضة أكثر تعقيدًا مقارنة بالذهب، حيث تتصارع داخلها قوتان متعاكستان؛ الأولى نقدية تضغط على الأسعار، والثانية صناعية قد تحد من أي هبوط حاد.

كما أن تراجع التوترات في الشرق الأوسط ساهم في تقليص الطلب على الملاذات الآمنة خلال الأيام الأخيرة، وهو ما انعكس بوضوح على حركة المعادن النفيسة. لكنني أرى أن هذا العامل يبقى مؤقتًا بطبيعته، لأن أي تغير مفاجئ في المشهد الجيوسياسي قادر على إعادة تدفقات الملاذ الآمن بسرعة إلى الأسواق. لذلك لا أعتقد أن المستثمرين سيتخلون بشكل كامل عن مراكزهم في الفضة، بل سيستمرون في الاحتفاظ بجزء من استثماراتهم كوسيلة للتحوط من المخاطر غير المتوقعة، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن العلاقات الدولية وأسواق الطاقة.

وما يزيد من أهمية المرحلة الحالية هو أن الأسواق تدخل أسبوعًا حافلًا ببيانات سوق العمل الأمريكي، بدءًا من فرص العمل الشاغرة، مرورًا بوظائف القطاع الخاص، وصولًا إلى تقرير الوظائف غير الزراعية. ومن وجهة نظري، ستكون هذه البيانات أكثر تأثيرًا من أي تصريحات لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، لأنها ستحدد ما إذا كانت قوة الاقتصاد الأمريكي ظاهرة مؤقتة أم اتجاهًا مستدامًا. فإذا جاءت بيانات التوظيف قوية، فمن المرجح أن ترتفع توقعات استمرار التشدد النقدي، وهو ما قد يدفع الفضة إلى اختبار مستويات دعم جديدة. أما إذا بدأت البيانات في إظهار علامات تباطؤ واضحة، فقد تعود رهانات التيسير النقدي إلى الواجهة، وهو ما قد يمنح المعدن فرصة لاستعادة زخمه الصاعد.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، أرى أن النظرة الأساسية للفضة على المدى القصير تميل إلى الحذر أكثر من التفاؤل. فلا توجد حتى الآن مؤشرات كافية تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير لهجته، كما أن البيانات الاقتصادية لا تزال تمنح صناع القرار ثقة في استمرار السياسة النقدية الحالية. لذلك أتوقع أن تبقى أي موجات صعود محدودة طالما استمرت قوة البيانات الأمريكية واستقر الدولار بالقرب من مستوياته المرتفعة. ومع ذلك، فإنني لا أتبنى رؤية هبوطية بعيدة المدى، لأن الفضة ما زالت تمتلك مقومات أساسية قوية مرتبطة بالطلب الصناعي العالمي، إضافة إلى كونها أصلًا دفاعيًا يستفيد سريعًا من أي تراجع في توقعات الفائدة أو عودة التوترات الجيوسياسية.

وفي النهاية، أعتقد أن الفضة تقف عند مفترق طرق حقيقي، حيث تتنافس العوامل الأساسية في تحديد اتجاهها المقبل. فإذا استمرت البيانات الاقتصادية الأمريكية في التفوق على التوقعات، فمن المرجح أن يبقى الضغط قائمًا على الأسعار خلال المدى القريب. أما إذا بدأت مؤشرات النشاط وسوق العمل في فقدان الزخم، فقد نشهد تحولًا سريعًا في توقعات الأسواق يعيد الفضة إلى مسارها الصاعد. ولهذا أرى أن المستثمر الذكي في المرحلة الحالية لا يركز فقط على حركة السعر اليومية، بل يتابع بدقة كل مؤشر اقتصادي أمريكي، لأنه أصبح المحرك الحقيقي لاتجاه الفضة خلال النصف الثاني من العام.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عائلة رياض سلامة: حياته بخطر، مقيّض بسلاسل حديدية ويتعرّض للإذلال !

صدر عن عائلة الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة النداء التالي : بقلق بالغ يتخطّى ...

منتدى الجمال والصحة النفسية والجسدية ينظم يوماً متكاملاً للعافية في Casadar بالتعاون مع نخبة من الخبراء والشركاء

في إطار رسالته الهادفة إلى نشر ثقافة العافية وتعزيز أسلوب الحياة الصحي، نظّم منتدى الجمال ...

571 مليون دولار أمريكي أرباح مجموعة البنك العربي للنصف الأول من العام 2026

حققت مجموعة البنك العربي نتائج ايجابية خلال النصف الاول من العام 2026، حيث بلغت الارباح ...