حين لا يكون الفشل نقصًا في الموارد… بل نظامًا لتوزيع السلطة والثروة
بقلم د. خالد عيتاني
حين يصبح السؤال أكبر من الفقر
لا تحتاج الدول إلى أن تكون فقيرة كي تفشل. يكفي أحيانًا أن تنفصل الثروة عن الإنتاج، والسلطة عن المساءلة، وأن يصبح الوصول إلى الفرصة امتيازًا تمنحه شبكة النفوذ أكثر مما هو حق تحميه المؤسسة.
ولبنان يضع هذه المفارقة أمامنا بوضوح يكاد يختصر مأزقه كله. فهذا بلد لم تنقصه المبادرة، ولا رأس المال البشري، ولا الانتشار الدولي، ولا الموقع، ولا تدفقات الأموال. ومع ذلك انتهى إلى واحدة من أشد أزماته الاقتصادية والمالية. لذلك لا يعود السؤال: ماذا كان ينقص لبنان؟ بل لماذا لم تتحول عناصر القوة التي امتلكها إلى دولة أكثر قدرة، واقتصاد أكثر إنتاجية، ومؤسسات أكثر استدامة؟
هذا هو السؤال الذي ينطلق منه دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتاب «لماذا تفشل الأمم؟». فالكتاب لا يبحث عن أسباب الازدهار والفقر في الجغرافيا أو الثقافة أو الموارد بقدر ما ينقل النقاش إلى موضع أكثر حساسية: من يملك السلطة؟ كيف تُصنع القواعد؟ من يستفيد منها؟ وما الحوافز التي تنتجها المؤسسة لمن يعيش تحت سقفها؟
وهنا بالذات يصبح لبنان أكثر من حالة اقتصادية متعثرة؛ يصبح مختبرًا لأطروحة الكتاب نفسها.
عندما تتغيّر المؤسسة ولا يتغيّر الإنسان
لو كانت الجغرافيا أو الثقافة وحدهما تفسران الفشل، لكان من الصعب تفسير النجاح الذي يحققه اللبناني نفسه حين يعمل داخل مؤسسات أخرى. فالإنسان لا يعبر الحدود فيتبدل جوهره فجأة، ولا تتغير ثقافته بمجرد ختم على جواز السفر. الذي يتغير هو الإطار الذي يحدد ثمن الكفاءة، وحدود النفوذ، وقيمة القانون.
ولهذا تكتسب المقارنة التي يعقدها الكتاب بين نوغاليس الأميركية ونوغاليس المكسيكية معناها الأعمق. المسافة بين الازدهار والتعثر ليست دائمًا مسافة بين شعبين أو جغرافيتين، بل قد تكون مسافة بين مجموعتين من القواعد.
وفي الحالة اللبنانية يصبح السؤال أكثر إيلامًا: لماذا يستطيع اللبناني أن ينتج قيمة عالية في مؤسسات العالم، فيما تصبح الكفاءة داخل بلده أكثر كلفة وأقل حماية؟
المشكلة، إذًا، ليست في اللبناني، بل في السعر الذي تضعه المؤسسة اللبنانية على الكفاءة، والسعر الذي تضعه على النفوذ.
بين مؤسسات تفتح الأبواب وأخرى تحرس الامتياز
هنا تظهر الثنائية المركزية في «لماذا تفشل الأمم»: المؤسسات الشاملة والمؤسسات الاستخراجية. الأولى توسّع المشاركة، وتحمي الملكية، وتفتح السوق أمام الداخلين الجدد، وتمنع احتكار السلطة من التحول إلى احتكار للفرص. أما الثانية، فتفعل العكس؛ تركز النفوذ والموارد، وتربط الوصول إلى الثروة بالقدرة على التأثير في القرار.
ويلخص أسيموغلو وروبنسون الفكرة بعبارة حاسمة:
“The most common reason why nations fail today is because they have extractive institutions.”
لكن لبنان ليس نظامًا استخراجيًا بالمعنى البسيط الذي تحتكره فيه نخبة واحدة. تعقيده أشد من ذلك. السلطة فيه موزعة بين طوائف وقوى وشبكات ومصالح متعددة، غير أن تعدد النخب لا يعني بالضرورة تعدد الفرص. فقد يكون النظام شديد التعدد سياسيًا، لكنه محدود الشمول اقتصاديًا إذا كانت المنافسة على اقتسام الامتياز أقوى من المنافسة على إلغائه.
بعد الحرب الأهلية، نجح لبنان في إنتاج تسوية أوقفت الحرب، لكنه لم ينجح بالمقدار نفسه في فصل التسوية السياسية عن موارد الدولة. ومع الوقت، أصبحت الإدارة والتعيينات والعقود والخدمات، في جوانب واسعة من النظام، جزءًا من هندسة التوازن السياسي بقدر ما بقيت أدوات للمصلحة العامة.
وهنا لا تعود كلمة «الفساد» كافية.
فالفساد يفترض وجود قاعدة سليمة يخرقها بعض الأشخاص. أما حين تصبح المحاصصة والاستثناءات وضعف الرقابة جزءًا من طريقة عمل المؤسسة، فإننا نغادر فساد الأفراد إلى اقتصاد المؤسسة نفسها.
اقتصاد الوصول
في هذه اللحظة ينشأ ما يمكن تسميته «اقتصاد الوصول».
في الاقتصاد المنتج، يسأل صاحب المشروع: ماذا أستطيع أن أفعل أفضل من منافسيّ؟ أما في اقتصاد الوصول، فقد يسبق هذا السؤال سؤال آخر: من أحتاج إلى معرفته كي أحصل أصلًا على الفرصة؟
وحين يصبح العائد على العلاقة أعلى من العائد على المعرفة، لا يعود الاستثمار في النفوذ سلوكًا منحرفًا، بل يتحول إلى قرار اقتصادي عقلاني. وحين يكون الاحتكار أكثر ربحًا من الابتكار، يصبح الدفاع عن الموقع أكثر جدوى من تحسين المنتج.
وهكذا لا تكتفي المؤسسة بتوزيع المال، بل تحدد ما الذي يصبح مربحًا في المجتمع، وما الذي يصبح مكلفًا، ومن يستحق أن يدخل السوق، ومن يحتاج إلى إذن غير مكتوب كي يصل إليه.
هذه هي النقطة التي تجعل الأزمة اللبنانية أعمق من مسألة فساد أو سوء إدارة. فحين يصبح الوصول إلى الدولة أصلًا اقتصاديًا، تتحول الدولة نفسها من حَكَم بين المصالح إلى جزء من سوق المصالح.
الحلقة التي تعيد إنتاج نفسها
ومن هنا نصل إلى أحد أهم أهداف الكتاب: تفسير لماذا تستمر المؤسسات الرديئة رغم أن نتائجها معروفة للجميع.
يسمي أسيموغلو وروبنسون ذلك «الحلقة المفرغة». السلطة السياسية تنتج امتيازًا اقتصاديًا، ثم تتحول الثروة الناتجة عن الامتياز إلى قوة تدافع عن الترتيب السياسي الذي صنعها.
وفي الحالة اللبنانية يمكن اختصار هذه الدورة بعبارة واحدة:
السياسة تفتح باب المال، والمال يعود ليحرس باب السياسة.
وقد تتغير الأسماء، وتتبدل التحالفات، وتنتقل بعض الموارد من فريق إلى آخر، لكن السؤال الأهم يبقى: هل تغيرت قواعد الوصول إلى المورد، أم تغير فقط المستفيد منه؟
هنا تظهر محدودية الرهان على تغيير الأشخاص وحدهم. فالدولة المؤسسية لا تراهن على الحاكم الجيد بقدر ما تبني قواعد تجعل أي حاكم أقل قدرة على تحويل الموقع العام إلى منفعة خاصة.
الإصلاح ليس خطة… بل خسارة امتياز
من هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تبدو الإصلاحات في لبنان أصعب بكثير من كتابتها.
فالمشكلة ليست أن الدولة لا تعرف ما يجب فعله. لبنان يعرف منذ سنوات حاجته إلى إصلاح الكهرباء والقضاء والمالية العامة والقطاع المصرفي والإدارة. غير أن الإصلاح الحقيقي لا يعالج أرقامًا فقط؛ إنه يعيد توزيع الأرباح والخسائر.
عندما تطالب بالمنافسة، فأنت لا تعدّل آلية سوق فحسب؛ أنت تخفض قيمة الاحتكار. وعندما تطالب بقضاء مستقل، فأنت لا تصلح مؤسسة قانونية فقط؛ أنت تقلل قيمة النفوذ خارج القانون. وعندما تلغي الاستثناء، فأنت لا تبسط إجراءً إداريًا، بل تلغي القيمة الاقتصادية التي كان الاستثناء ينتجها.
لهذا يكون الإصلاح أصعب من كتابة الخطة.
فالخطة لا تقاوم؛ المصلحة تقاوم.
وهنا تصبح إحدى أكثر أفكار الكتاب قسوة شديدة الصلة بلبنان: أن الفقر لا يستمر دائمًا لأن أصحاب القرار يجهلون البديل، بل لأن هناك من يستفيد من الوضع القائم ويملك القدرة على الدفاع عنه.
وهكذا، حين يستمر الخلل طويلًا، يتوقف عن أن يكون خللًا فقط؛ يبدأ في إنتاج أصحاب مصلحة في بقائه.
حين يصبح الابتكار تهديدًا للقديم
ويذهب الكتاب أبعد من ذلك حين يربط المؤسسات بالابتكار. يقول أسيموغلو وروبنسون:
“New technologies make existing skills and machines obsolete.”
غير أن ما يشيخ مع التكنولوجيا ليس الآلات فقط؛ قد تشيخ معها امتيازات وشبكات نفوذ ومراكز قوة.
فالابتكار لا يخلق منتجًا جديدًا فحسب، بل يخلق شركة جديدة، وثروة جديدة، ولاعبًا جديدًا. وبذلك يعيد توزيع القوة الاقتصادية، وربما السياسية أيضًا.
وهذه زاوية شديدة الدلالة في لبنان. البلد قادر على إنتاج أطباء ومهندسين ومبرمجين ورواد أعمال ينافسون عالميًا، لكنه كثيرًا ما يعجز عن تحويلهم إلى قوة منتجة داخله.
فتنشأ مفارقة تكاد تختصر نموذجًا كاملًا: لبنان يموّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إنتاج رأس المال البشري، ثم يصدّره، وبعد ذلك ينتظر تحويلاته.
الهجرة هنا ليست مجرد ظاهرة اجتماعية.
إنها تصويت اقتصادي على المؤسسة.
مجتمع قوي… ودولة تستفيد من قوة المجتمع
لكن المفارقة اللبنانية لا تتوقف عند الهجرة.
فقوة المجتمع في التكيف مع ضعف الدولة تحولت، مع الوقت، إلى أحد العوامل التي تخفف الكلفة السياسية لفشلها. حين تنقطع الكهرباء، يظهر المولد ثم الطاقة الشمسية. حين يتراجع التعليم العام، يذهب القادر إلى التعليم الخاص. وحين يتعطل النظام المصرفي، تتوسع الدولرة والاقتصاد النقدي.
المجتمع ينقذ نفسه.
وهذه قدرة حقيقية على البقاء، لكنها سلاح ذو حدين. فكل بديل ناجح عن الدولة يخفض الكلفة الفورية لعدم إصلاح الدولة.
كلما ازدادت قدرة اللبناني على النجاح من دون الدولة، أصبحت الدولة أقل اضطرارًا إلى أن تتغير.
وهنا تكمن ربما المفارقة الأكثر خصوصية في الحالة اللبنانية: قوة المجتمع ليست دائمًا نقيض ضعف الدولة؛ أحيانًا تصبح أحد الشروط التي تجعل هذا الضعف قابلًا للاستمرار.
2019: سقوط النموذج أم سقوط القواعد؟
ثم جاءت أزمة 2019، وهنا يدخل أحد المفاهيم المركزية في «لماذا تفشل الأمم»: نقاط التحول التاريخية.
الأزمات الكبرى قد تكسر توازنات قديمة وتفتح نافذة لإعادة توزيع السلطة، لكنها لا تضمن ولادة مؤسسات أفضل. فقد تغير القواعد، وقد تسمح للنخب القديمة بإعادة التموضع داخل واقع اقتصادي جديد.
ومن هنا تصبح 2019 لحظة فاصلة في قراءة لبنان.
فالانهيار أسقط نموذجًا ماليًا، وغير سعر الصرف، وقلص الائتمان، وأعاد تشكيل علاقة الناس بالمصارف والدولة والعملات. لكنه لم يحسم السؤال الأكثر أهمية:
هل تغيرت قواعد اللعبة؟
وهنا تقع، ربما، أطروحة لبنان اليوم كلها:
انهيار 2019 أسقط طريقة تمويل النظام اللبناني، لكنه لم يُسقط بعد طريقة إنتاج السلطة فيه.
يمكن أن يتغير سعر الصرف وتبقى المؤسسة. ويمكن أن ينكمش القطاع المصرفي وتبقى العلاقة بين السياسة والاقتصاد. ويمكن أن تدخل أموال جديدة فيما تبقى آليات توزيع الفرص والامتيازات كما كانت.
وهنا يصبح الخطر الأكبر ليس انهيارًا جديدًا بالضرورة، بل تعافيًا يكفي لإنقاذ النظام ولا يكفي لتغيير قواعده.
بين إنقاذ لبنان وإعادة تمويل لبنان القديم
قد تأتي الاستثمارات. وقد تأتي أموال إعادة الإعمار. وقد تعود السياحة والتدفقات ورؤوس الأموال. ولبنان عرف تدفقات ضخمة من قبل.
لكن المسألة ليست في حجم الدولار المقبل.
المسألة في المؤسسة التي ستستقبله.
هل يتحول المال إلى استثمار يرفع الإنتاجية، أم إلى ريع جديد؟ هل يفتح السوق أم يحمي امتيازًا؟ هل يبني مؤسسة أم يشتري للنظام مزيدًا من الوقت؟
هذا هو الفرق بين إنقاذ لبنان وإعادة تمويل لبنان القديم.
فالاقتصاد يستطيع أن يتعافى من دون أن تتعافى الدولة، ويمكن للنمو أن يعود فيما تبقى قواعد إنتاج السلطة والثروة على حالها. عندها لا يكون لبنان قد خرج من الحلقة المفرغة؛ يكون قد وجد طريقة جديدة لتمويلها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم يحتاج لبنان من المال.
السؤال: هل ستدخل الأموال الجديدة إلى قواعد جديدة، أم ستُضخ في البنية القديمة نفسها؟
الدولة التي لا تحتاج إلى بطل
«لماذا تفشل الأمم؟» لا ينتهي إلى مطالبة أخلاقية بحكام أفضل، بل يصل إلى فكرة أكثر نضجًا: بناء مؤسسات تجعل السلوك المنتج أكثر عقلانية من السلوك الريعي، وتجعل احترام القانون أكثر ربحًا من القدرة على تجاوزه.
وهذا هو جوهر الإصلاح اللبناني.
ليس المطلوب استبدال أشخاص سيئين بأشخاص جيدين، بل بناء مؤسسات تجعل أي شخص، مهما كان، أقل قدرة على تحويل السلطة العامة إلى منفعة خاصة.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بوجود الزعيم الجيد، بل بقدرتها على الاستمرار حين لا يكون الزعيم جيدًا.
ولا تُقاس باستثنائية القاضي الشجاع، بل بنظام يجعل العدالة لا تحتاج إلى بطولة كي تعمل.
ولا تُقاس بوزير إصلاحي، بل بوزارة لا تستطيع إرادة الوزير وحدها أن تغيّر قواعدها.
الدولة الحقيقية هي التي تصبح فيها المؤسسة أقوى من صاحبها.
السؤال الذي بقي بعد الانهيار
لهذا لم يعد السؤال: لماذا فشل لبنان؟
هذا السؤال أُجيب عنه كثيرًا.
السؤال الذي يحدد مستقبله هو: هل أنتج الانهيار مصلحة في بناء الدولة أقوى من المصالح التي بنت نفوذها طويلًا على ضعفها؟
إذا كانت الإجابة نعم، يصبح 2019 نقطة تحول تاريخية فعلًا.
أما إذا أعيد بناء المصارف، وأعيد الإعمار، واستعادت البلاد التدفقات والاستثمارات، من دون تغيير قواعد إنتاج السلطة والثروة، فقد ننجح في إنقاذ الاقتصاد من أزمته، لكننا سنفشل في إنقاذ الدولة من اقتصاد أزمتها.
فالمال يستطيع أن يؤجل فشل الدولة، وأن يشتري لها وقتًا إضافيًا، وربما أن يعيد بعض مظاهر الازدهار.
لكنه لا يستطيع أن يبني دولة.
الدولة تبدأ يوم يصبح القانون أقوى من الامتياز، والمؤسسة أقوى من صاحب السلطة، والإنتاج أكثر ربحًا من الريع، والفرصة حقًا في الاقتصاد لا هبةً من السياسة.
وعندها فقط، لا يعود السؤال لماذا يفشل لبنان.
بل يصبح السؤال الذي يستحق أن يُطرح للمرة الأولى منذ زمن طويل:
كيف ينجح لبنان ؟
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية