كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يقف زوج اليورو/الدولار حاليًا أمام واحدة من أكثر نقاط التحول حساسية، ليس لأن حركة السعر الأخيرة تحمل اتجاهًا واضحًا بحد ذاتها، وإنما لأن السوق أصبح في انتظار محفز أساسي قادر على كسر حالة التوازن التي سيطرت على التداولات خلال الأيام الماضية. والزوج يتحرك بالقرب من مستوى 1.1546، في نطاق ضيق نسبيًا، بينما يظل دون المتوسط المتحرك البسيط لـ100 يوم، الذي يقع قرب 1.1567، وهو مستوى أراقبه باعتباره البوابة الفنية الأولى أمام أي محاولة صعود مستدامة.
ومن وجهة نظري، هذا الهدوء في حركة اليورو/الدولار لا يعني بالضرورة غياب الاتجاه، بل قد يكون مرحلة تجميع للزخم قبل حركة أكثر وضوحًا. السوق حاليًا يوازن بين عاملين متناقضين: من جهة، الدولار لا يزال مدعومًا بمخاوف التضخم واحتمالات بقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة لفترة أطول، ومن جهة أخرى، هناك ضغوط متزايدة على الدولار مع تراجع رهانات رفع الفائدة واستمرار حالة عدم اليقين بشأن المسار الاقتصادي والسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. ولهذا أصبحت بيانات التضخم الأمريكية هي المتغير الأكثر أهمية لتحديد الطرف الذي سيفرض سيطرته على الحركة التالية.
وتأتي بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي في توقيت بالغ الحساسية، خصوصًا أن التوقعات تشير إلى ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 0.1% في يوليو، مع تباطؤ المعدل السنوي إلى 3.4% من 3.5%، بينما يُتوقع ارتفاع التضخم الأساسي الشهري بنسبة 0.2%. والأهم بالنسبة للأسواق ليس الرقم بحد ذاته، وإنما مدى انحرافه عن التوقعات، لأن قراءة أقوى من المتوقع قد تعيد تسعير توقعات الفائدة الأمريكية وتدعم الدولار، في حين أن قراءة أضعف قد تعزز الرهانات على تخفيف السياسة النقدية وتمنح اليورو مساحة أكبر للصعود.
وهنا تحديدًا أرى أن رد فعل السوق سيكون أهم من الرقم نفسه. فإذا جاءت البيانات أعلى من التوقعات، فقد نشهد في البداية موجة صعود للدولار وضغطًا على اليورو، لكنني لن أعتبر أي هبوط سريع للزوج إشارة هبوطية نهائية ما لم يتحول إلى كسر فني واضح لمناطق الدعم الرئيسية. الأسواق في مثل هذه الأحداث كثيرًا ما تتحرك بعنف في الاتجاه الأول ثم تعكس مسارها بعد استيعاب البيانات وإعادة تسعير توقعات الفائدة. لذلك، بالنسبة لي، السلوك السعري بعد صدور CPI أهم من الحركة الأولى مباشرة بعد الإعلان.
وبالنسبة لي، الصورة تبدو محايدة مائلة إلى الإيجابية. الزوج لا يزال أعلى مجموعة مهمة من المتوسطات المتحركة، بينما تشير قراءة مؤشر القوة النسبية إلى زخم إيجابي غير متطرف، وهو ما يعني أن المشترين لم يفقدوا السيطرة بالكامل رغم عجزهم حتى الآن عن تجاوز المتوسط المتحرك لـ100 يوم. كما أن تحرك السعر فوق مناطق الدعم القريبة من 1.1513–1.1517 يبقي الهيكل قصير الأجل متماسكًا، ويجعل احتمالات إعادة اختبار المقاومة الفنية قائمة.
وفي تقديري، فإن اختراق 1.1567 والإغلاق الواضح فوق المتوسط المتحرك لـ100 يوم سيكون الإشارة الفنية الأهم على انتقال الزوج من مرحلة التذبذب إلى محاولة بناء موجة صعود جديدة. نجاح المشترين في تثبيت السعر فوق هذه المنطقة سيغير شكل المعادلة، وقد يدفع الأنظار تدريجيًا نحو مناطق أعلى، خصوصًا إذا تزامن الاختراق مع تراجع عوائد السندات الأمريكية وضعف مؤشر الدولار. أما الفشل المتكرر عند هذه المنطقة، فسوف يبقي الزوج داخل النطاق ويؤجل القرار إلى حين ظهور محفز جديد.
وعلى الجانب الأساسي، أميل إلى الاعتقاد بأن الصورة متوسطة الأجل قد تكون أكثر إيجابية لليورو مما توحي به الحركة الحالية. فضعف الدولار لا يرتبط فقط بتوقعات الفائدة، وإنما أيضًا بمسألة تقييم العملة، وباحتمالية استمرار الضغوط على عوائد الأصول الأمريكية إذا بدأت توقعات السياسة النقدية في التحول. وقد أشارت توقعات مصرفية حديثة إلى إمكانية ارتفاع اليورو/الدولار تدريجيًا على المدى المتوسط، مع تقديرات تصل إلى 1.18 خلال الفترة المقبلة، وهو ما يتوافق إلى حد كبير مع السيناريو الذي أراه ممكنًا إذا بدأ الدولار يفقد بعضًا من الدعم النقدي الذي حصل عليه خلال الفترة الأخيرة.
لكنني في الوقت نفسه لا أرى أن الطريق إلى 1.18 سيكون مستقيمًا. اليورو/الدولار يحتاج أولًا إلى التخلص من مقاومة المتوسط لـ100 يوم، ثم إثبات قدرته على تحويل الاختراق إلى دعم. وفي حال تحقق ذلك، فإن السوق قد يبدأ تدريجيًا في تسعير سيناريو أكثر إيجابية لليورو، خصوصًا إذا جاءت البيانات الأمريكية دون التوقعات أو بدأت مؤشرات التضخم في إظهار تباطؤ أكثر إقناعًا. أما إذا جاءت القراءة ساخنة بوضوح، فقد يتأجل هذا السيناريو، وربما يعود الزوج لاختبار مناطق 1.1510 ثم 1.1460 قبل أن تتضح الصورة من جديد.
في النهاية، أرى أن اليورو/الدولار يقف أمام لحظة حسم حقيقية. التحرك العرضي الحالي لا يغير وجهة نظري بأن السوق يستعد لحركة أكبر، لكنني أرفض استباق البيانات أو التعامل مع اتجاه واحد باعتباره مضمونًا. بالنسبة لي، CPI الأمريكي هو الشرارة، والمتوسط المتحرك لـ100 يوم هو البوابة الفنية. وإذا نجح الزوج في تجاوز هذه البوابة بعد بيانات تضخم أقل من المتوقع، فسأعتبر ذلك إشارة قوية إلى أن مرحلة التماسك قد انتهت وأن الطريق نحو 1.18 أصبح أكثر واقعية. أما المفاجأة التضخمية الإيجابية للدولار، فستعيد اختبار قوة المشترين وتؤجل هذا السيناريو. لذلك، فإن ما نراه الآن قد يكون ببساطة هدوء ما قبل الحركة الكبيرة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية