كيف تعيد المؤسسات بناء العمل والتعلّم في عصر الذكاء الاصطناعي؟
د. ميلاد السبعلي
في مقال سابق، تناولنا أزمة تأصيل المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي من زاوية الإنسان الفرد. فحين تصبح الآلة قادرة على البحث والتحليل والكتابة والتركيب وإنتاج الإجابات خلال ثوانٍ، لا تعود المشكلة في الوصول إلى المعرفة، بل في علاقتنا بها: هل نفهم ما تكتبه أو تنتجه لنا الآلة، ونستطيع التحقق منه، ونبني عليه، أم أننا ننتقل تدريجيًا من إنتاج المعرفة إلى استهلاك مخرجات جاهزة تنتج بشكل أسرع من قدرتنا على فهمها وتحليلها وتقييمها؟
لكن هذه المشكلة، حين تنتقل من الفرد إلى المؤسسة، تأخذ شكلًا مختلفًا. فالمؤسسة لا تعيش على المعرفة وحدها، بل على الخبرة التي تتكون من استخدامها في الواقع، ومن تراكم الأخطاء والتجارب والقرارات والحالات الاستثنائية عبر الزمن.
عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الشركة أو المدرسة أو الجامعة أو الإدارة العامة، فإنه لا يغيّر طريقة إنجاز العمل فقط، بل يمسّ الطريقة التي يكتسب بها العاملون خبرتهم، وكيف تنتقل المعرفة بينهم، وكيف تتشكل الأحكام والقرارات. ومن هنا تظهر مسألة أكثر عمقًا: ماذا يحدث لمسار تكوّن الخبرة عندما تتولى الآلة جزءًا متزايدًا من الأعمال التي كان الإنسان يتعلم من خلالها، وخصوصًا في المراحل الأولى من حياته المهنية؟
هذه المسألة تستحق اهتمامًا خاصًا، لأنها لا تظهر فورًا في مؤشرات الإنتاجية. قد تبدو المؤسسة أكثر سرعة وكفاءة في المدى القصير، بينما تكون، من حيث لا تدري، قد بدأت بإضعاف قدرتها على بناء الخبرة في المدى الطويل.
_______________________________
عندما يصبح العمل أسهل، هل يصبح التعلم أصعب؟
كانت الخبرة المهنية تتكون، في معظم المؤسسات، بطريقة تدريجية. يبدأ الموظف بالأعمال البسيطة، يكتشف التفاصيل، يرتكب الأخطاء، يتعلم من زملائه، يواجه حالات مختلفة، ثم ينتقل شيئًا فشيئًا إلى الأعمال الأكثر تعقيدًا. لم تكن هذه العملية تُصنّف دائمًا كتعلم، لكنها كانت كذلك في جوهرها. فالعمل نفسه كان مدرسة مهنية مستمرة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر هذه المعادلة. يستطيع إنجاز معظم الأعمال الابتدائية: يكتب المسودة الأولى، ويبحث في الوثائق، ويلخص التقارير، ويحلل البيانات، ويقترح البدائل، ويعدّ العروض، بل وينجز في دقائق بعض الأعمال التي كان الموظف المبتدئ يحتاج إلى ساعات أو أيام لإنجازها.
وهذا تطور إيجابي من ناحية الإنتاجية، لكنه يحمل نتيجة جانبية ينبغي ألا نتجاهلها. إذا اختفت الأعمال الأولية التي كان يبدأ منها الموظف، فقد يختفي معها جزء من المسار الذي كان يقوده إلى التعلّم واكتساب الخبرة.
المشكلة هنا ليست أن الموظف سيعمل أقل، بل أنه قد يتعلم أقل من عمله.
وهذه نقطة ينبغي أن تدخل مباشرة في صميم قرارات التحول المؤسسي. فالمهمة التي تبدو منخفضة القيمة بالنسبة إلى المؤسسة اليوم قد تكون عالية القيمة بالنسبة إلى الموظف الذي يتعلم منها كيف يفكّر ويحلّل ويتعامل مع الواقع. ولذلك فإن إلغاء المهمة لا يعني دائمًا إلغاء عبء معين، بل قد يعني أحيانًا إلغاء مرحلة من مراحل بناء الكفاءة.
هذا لا يعني الإبقاء على الأعمال الروتينية لمجرد تدريب الموظفين عليها. ذلك سيكون عودة إلى الماضي لا حلًا للمستقبل. المطلوب هو إعادة تصميم مسار التعلم نفسه. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر الجزء الميكانيكي من المهمة، بينما يُعطى الإنسان مساحة أكبر لفهم الحالات المختلفة، وتحليل النتائج، واكتشاف الأخطاء، ومناقشة البدائل، وتحمل مسؤولية القرار.
الرهان إذًا هو إعادة بناء التدرج المهني نفسه، بحيث ينتقل الموظف بسرعة أكبر عبر الأعمال الروتينية، لكنه يحصل في المقابل على خبرة أعمق في فهم الحالات وتحليلها واتخاذ القرار بشأنها.
_______________________________
أزمة الخبرة القادمة قد تبدأ من الوظائف التي لم تختفِ بعد
الحديث عن مستقبل العمل يتركز غالبًا على الوظائف التي قد تختفي. لكن هناك سؤالًا آخر أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث للوظائف التي تبقى، ولكن تتغير مكوناتها؟
قد لا تختفي مهنة المحاسبة مثلًا، لكن جزءًا كبيرًا من أعمال المحاسب قد يصبح آليًا. وقد لا تختفي مهنة التعليم، لكن إعداد المواد والتقييم والتحليل قد يتغير جذريًا. وقد يبقى الطبيب أو المهندس أو المحامي في موقعه، بينما تتولى الأنظمة الذكية جزءًا من أعمال البحث والتحليل والتشخيص والتحضير.
هذا يعني أن الوظيفة لن تختفي بالضرورة؛ قد تختفي الطريقة القديمة للوصول إلى إتقانها.
وهنا تكمن مسؤولية المؤسسات التعليمية والمهنية والشركات. فإذا كانت الجامعات تدرب على مهن بصورتها القديمة، والشركات تعتمد على مسارات تدريب صممت قبل الذكاء الاصطناعي، فإن الفجوة ستظهر بين سرعة تغير العمل وبطء بناء الإنسان القادر على مواكبة هذا التغير.
وقد تنشأ نتيجة لذلك فجوة جديدة يمكن أن نسميها «فجوة الخبرة»: الفارق بين ما يستطيع الموظف إنجازه بمساعدة الأنظمة الذكية، وما يستطيع فهمه والحكم عليه عندما تتعقد الحالة أو تخرج عن النمط المعتاد. كلما اتسعت هذه الفجوة، بدت المؤسسة أكثر كفاءة في الظروف الطبيعية، لكنها أصبحت أكثر هشاشة أمام الحالات الاستثنائية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن الخبرة المهنية تظهر عادة عندما لا تسير الأمور وفق القاعدة.
لذلك فإن التدريب المستمر لم يعد نشاطًا إضافيًا تقوم به إدارة الموارد البشرية، بل أصبح جزءًا من البنية الأساسية للمؤسسة. والفرق كبير بين تدريب الموظف على استخدام أداة جديدة، وبين إعادة بناء قدرته المهنية في بيئة أصبحت فيها الأدوات نفسها قادرة على أداء جزء من اختصاصه. وهذا يغيّر أيضًا معنى التطوير المهني. فالمطلوب لم يعد أن يتعلم الموظف أدوات أكثر، وإنما أن تتطور قدرته على العمل في بيئة تتغير فيها الأدوات والأدوار نفسها باستمرار.
_______________________________
الذكاء الاصطناعي قد يزيد العمل بدل أن يقلله
هناك وهم آخر في التحول بالذكاء الاصطناعي يستحق المراجعة: الاعتقاد بأن كل زيادة في سرعة الإنتاج تعني بالضرورة زيادة في الإنتاجية.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج عددًا هائلًا من النصوص والتقارير والتحليلات والمقترحات. لكن المؤسسة التي تنتج أكثر لا تكون بالضرورة مؤسسة أفضل. فإذا كان كل مخرج يحتاج إلى مراجعة طويلة، وإذا كان الموظفون يمضون وقتًا كبيرًا في تصحيح مخرجات الآلة أو التحقق من مصادرها أو إعادة صياغتها، فقد تكون المؤسسة قد نقلت العمل من مرحلة إلى أخرى بدل أن تقلله.
ولهذا بدأت تظهر في بيئات العمل مشكلة يمكن وصفها بالمخرجات التي تبدو مكتملة (Workslop): نص أو تقرير أو تحليل يبدو مكتملًا ومهنيًا عند إنتاجه، لكنه يحتاج إلى مراجعة وتصحيح قبل أن يصبح صالحًا للاستخدام الفعلي. وفي هذه الحالة لا تختفي الكلفة؛ بل تنتقل من الشخص الذي أنجز المهمة إلى شخص آخر يتولى التحقق منها وإصلاحها. هذه ليست مشكلة تقنية فقط. إنها مشكلة في تصميم العمل.
حين تدخل أداة جديدة إلى مؤسسة قديمة، تميل المؤسسة إلى إضافتها فوق العملية الموجودة أصلًا. وبذلك تتراكم الخطوات بدل أن تختفي. أما التحول الحقيقي فيتطلب النظر إلى العملية بكاملها وإعادة توزيع المسؤوليات فيها، وإعادة هندسة المسارات، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من سير عمل مصمم من البداية على أساس وجوده. وبالتالي يعود أحد أسباب فشل التحول المؤسساتي الذي أشرنا إليه سابقًا: المؤسسة قد تغيّر أدواتها، لكنها لا تغيّر النظام الذي تعمل هذه الأدوات داخله. فإذا بقيت الصلاحيات، وآليات التقييم، ومسارات العمل، والحوافز، وأنماط اتخاذ القرار على حالها، فإن الذكاء الاصطناعي قد يسرّع المؤسسة القديمة بدل أن ينقلها إلى نموذج جديد.
_______________________________
من تنفيذ العمل إلى فهمه وتقييمه والحكم عليه
كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ الأعمال، ازدادت أهمية القدرات المهنية التي تقوم على الفهم والتقدير والحكم.
هناك فرق بين أن يعرف الموظف كيف ينفذ إجراءً، وبين أن يفهم لماذا يُنفذ، ومتى لا ينبغي تنفيذه، وما الاستثناءات التي تغير القرار، وما النتائج غير المقصودة التي يمكن أن تترتب عليه. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يرفع مستوى التنفيذ بدرجة كبيرة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى هذه الطبقة من الفهم؛ بل يجعلها أكثر أهمية.
ومن هنا ستتغير طبيعة الخبرة المهنية. لن تكون قيمة الخبير في قدرته على القيام بكل خطوة بنفسه، بل في قدرته على قراءة الموقف، واكتشاف ما لا يبدو واضحًا، وتقدير المخاطر، ومراجعة ما تنتجه الأنظمة، وربط المعلومات بالسياق، واتخاذ قرار يمكن الدفاع عنه. ولهذا تصبح المراجعة البشرية جزءًا من تصميم العمل، لا إجراءً شكليًا يوضع في نهايته. فإذا كان الإنسان لا يفهم أساس القرار الذي تساهم الآلة في إنتاجه، فلن تكون المراجعة الحقيقية ممكنة، وستتحول المسؤولية تدريجيًا إلى مجرد توقيع على نتيجة جاهزة.
وهذه قدرات لا تُكتسب من خلال دورة تدريبية قصيرة في الذكاء الاصطناعي. إنها تحتاج إلى ممارسة، وإلى احتكاك بالحالات الواقعية، وإلى ثقافة تسمح بالسؤال والمراجعة والخطأ والتعلّم.
_______________________________
المؤسسة ليست مجموعة أدوات، بل ذاكرة متراكمة
من أكثر ما يميز المؤسسة الناجحة قدرتها على تراكم الخبرة. فالخبرة لا تكون فقط في عقول الأفراد، بل تتجسد أيضًا في الإجراءات، والدروس المستفادة، والقرارات السابقة، وطريقة التعامل مع الحالات الاستثنائية، والمعرفة التي تنتقل شفهيًا بين العاملين.
وجزء كبير من هذه الخبرة لا يكون مكتوبًا أصلًا. إنه موجود في الحكم المهني الذي يتكوّن مع الزمن: في ملاحظة تفصيل صغير، أو معرفة متى تنحرف الحالة عن القاعدة، أو إدراك أن رقمًا يبدو صحيحًا يحتاج إلى التوقف عنده. هذه المعرفة الضمنية هي من أصعب ما يمكن نقله إلى نظام آلي، ومن أكثر ما يمكن أن تخسره المؤسسة إذا لم تجد طريقة للحفاظ عليها ونقلها إلى الجيل التالي.
وعندما يغادر أصحاب الخبرة، لا تخسر المؤسسة وقتهم فقط، بل تخسر جزءًا من ذاكرتها.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في حفظ هذه المعرفة وتنظيمها والوصول إليها، لكنه لا يصنع تلقائيًا الذاكرة المؤسسية. فإذا كانت المؤسسة تعتمد على مخرجات الآلة من دون توثيق أسباب القرارات، ومن دون تسجيل الخبرات والدروس المستفادة، فإنها قد تصبح أكثر اعتمادًا على النظام وأقل قدرة على فهم ما وراء نتائجه.
لذلك فإن إدخال الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع اهتمام أكبر بإدارة المعرفة المؤسسية، لا أقل. القيمة الحقيقية للذاكرة المؤسساتية لا تكمن في حفظ الإجابات، بل في حفظ السياق الذي أنتجها: ما المعطيات التي استندت إليها، ولماذا اتُّخذ القرار، وما الذي نجح أو فشل بعد ذلك، وما الذي يمكن أن تتعلمه المؤسسة من التجربة عند مواجهة حالة جديدة. وبذلك تتحول المعرفة من أرشيف إلى قدرة تراكمية.
_______________________________
ما الذي يعنيه ذلك للمدير وللمدرسة وللدولة؟
في الشركة، يعني ذلك أن تقييم مشروع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتوقف عند الوفر في الوقت والكلفة. يجب النظر أيضًا إلى أثره على جودة القرار، وعلى تطوير الموظفين، وعلى تراكم المعرفة داخل المؤسسة، وعلى قدرتها على التعامل مع الحالات الجديدة.
وفي المدرسة، تصبح القضية أكثر حساسية. إذا استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي لإنجاز كل ما كان يقوم به بنفسه، فقد يحصل على نتائج أفضل ظاهريًا بينما يتراجع نمو قدرته على التفكير والكتابة والبحث. لذلك لا يكفي أن تمنع المدرسة الذكاء الاصطناعي أو تسمح به. عليها أن تعيد تصميم المهام التعليمية بحيث يبقى الطالب مشاركًا في عملية إنتاج المعرفة، وتصبح الآلة أداة للتوسيع والمراجعة والاستكشاف، لا طريقًا مختصرًا يلغي التعلّم والتفكير. والمسألة لا تتعلق بالطالب وحده بل بالمعلم أيضًا. فإذا تولت الأنظمة الذكية إعداد الدروس والتقييم والتحليل، يجب ألا تضيع معها الخبرة التربوية التي تتكون من ملاحظة الطلاب، وفهم الفروق بينهم، وتجريب الأساليب المختلفة، والتعلّم من نتائجها. وقد تصبح المدرسة أكثر كفاءة في الإدارة وأضعف في التربية إذا أتمتت هذه العمليات من دون أن تحافظ على الخبرة التي تنتج عنها.
أما في الإدارة العامة، فالمسألة تتعلق أيضًا بالمسؤولية. يمكن للأنظمة الذكية أن تساعد في تحليل الملفات واكتشاف الأنماط وتسريع الخدمات، لكن القرار العام يحتاج إلى قابلية للفهم والمراجعة والمساءلة. وكلما زادت قدرة الآلة على التأثير في القرار، ازدادت أهمية معرفة حدودها ومصادر بياناتها ومن يتحمل مسؤولية النتيجة.
في كل من هذه القطاعات، لا تكمن القضية في تبني الذكاء الاصطناعي أو رفضه، بل في إعادة تنظيم العلاقة بين التكنولوجيا والعمل والتعلّم والمسؤولية.
_______________________________
من تأصيل المعرفة إلى تأصيل الخبرة
في المقال السابق، كان القلق من أن يتحول الإنسان إلى مستهلك للمعرفة التي تنتجها الآلة بشكل أسرع من قدرته على فهمها وتقييمها. أما داخل المؤسسة، فإن الخطر المقابل هو أن تتحول المؤسسة نفسها إلى مستهلك لقدرة تنتجها الآلة، من دون أن تبني القدرة المقابلة للإنسان داخل المؤسسة.
وهنا تتصل أزمة المعرفة بأزمة الخبرة.
فالإنسان يحتاج إلى أن يفهم ما تنتجه الآلة حتى لا يفقد استقلاله المعرفي. والمؤسسة تحتاج إلى أن تفهم ما تقوم به الآلة حتى لا تفقد استقلالها المهني والتنظيمي.
لهذا لا أعتقد أن السؤال المركزي في المرحلة المقبلة سيكون: كم وظيفة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستبدل؟ فهذا سؤال مهم، لكنه لا يصل إلى عمق التحول. السؤال الأهم هو: كيف نعيد بناء العمل بحيث تزيد قدرة الإنسان والمؤسسة معًا بدل أن تتحول الكفاءة التقنية إلى خسارة في الخبرة؟
هذه ليست دعوة إلى إبطاء التكنولوجيا، ولا إلى حماية أساليب عمل انتهى زمنها. على العكس، الذكاء الاصطناعي يتيح فرصة تاريخية لتحرير الإنسان من كثير من الأعمال التي استنزفت وقته، وإعادة توجيه هذا الوقت نحو التحليل والتجريب والإبداع والتعلم.
لكن هذه الفرصة لا تتحقق تلقائيًا.
المؤسسة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط لتنجز المهام بسرعة أكبر قد تحقق مكاسب واضحة في البداية. أما المؤسسة التي تعيد من خلاله بناء طريقة تعلم العاملين، وتراكم المعرفة، وتكوين الخبرة، واتخاذ القرار، فستكون قد حققت تحولًا أعمق بكثير. وقد تكون هذه المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى الجيل الجديد من العاملين. فالذين يدخلون سوق العمل اليوم قد يجدون أنفسهم أمام أنظمة تنجز عنهم جزءًا من الأعمال التي كان أسلافهم يتعلمون من خلالها. وإذا لم تنتبه المؤسسة إلى ذلك، فقد يصبح لديها موظفون يجيدون استخدام الأنظمة، لكنهم لم يمرّوا بما يكفي من التجارب التي تجعلهم قادرين على الحكم عندما تفشل الأنظمة أو تواجه حالة لم تتعلم منها بعد.
المؤسسة التي تنجح في عصر الذكاء الاصطناعي هي التي تستخدم هذه التكنولوجيا لتوسيع قدرتها على التعلّم، لا لاستبدال عملية التعلّم نفسها. فهي تختصر الأعمال التي يمكن اختصارها، لكنها تستثمر الوقت المحرّر في بناء الحكم والخبرة، وتحافظ على المعرفة المتراكمة، وتمنح الجيل الجديد فرصًا حقيقية للاحتكاك بالواقع وفهم تعقيداته.
وهنا تكتمل الصلة بأزمة تأصيل المعرفة التي بدأنا منها. فكما يحتاج الإنسان إلى أن يؤصل معرفته حتى لا يصبح مستهلكًا لمخرجات الآلة، تحتاج المؤسسة إلى تأصيل خبرتها حتى لا تصبح مستهلكةً لقدرة الآلة. المعرفة تمنح الإنسان القدرة على الفهم، والخبرة تمنحه القدرة على الحكم؛ وحين تفقد المؤسسة إحداهما، تصبح أكثر اعتمادًا على ما تنتجه الأنظمة وأقل قدرة على مساءلته وتصحيحه وتطويره.
من هنا تبدأ معركة المؤسسات المقبلة: الحفاظ على قدرتها على التعلّم في الوقت الذي تصبح فيه الآلة أكثر قدرة على العمل.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية