طرابلس والشمال في قلب الخريطة الاقتصادية الجديدة للبنان

من اقتصاد المرافق إلى ممر إنتاجي ولوجستي: هل يتحول الموقع إلى ميزة تنافسية قابلة للاستثمار؟

د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

يمتلك لبنان أصولًا استراتيجية كان يفترض أن تمنحه موقعًا اقتصاديًا متقدمًا في شرق المتوسط: مرافئ، مطارًا ثانيًا قابلًا للتطوير، منطقة اقتصادية خاصة، مسارات للسكك الحديدية، منشآت نفطية، بنية لنقل الغاز، ومحطة دير عمار، فضلًا عن موقع يربط المتوسط بالمشرق العربي.

لكن امتلاك الأصول لا يعني امتلاك القدرة الاقتصادية؛ فالميزة التنافسية تنشأ حين تخفض هذه الأصول كلفة الإنتاج والتجارة، وتسرّع دوران رأس المال، وترفع موثوقية سلاسل الإمداد.

من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش حول مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية، والقليعات، والسكك الحديدية، ومنشآت النفط والغاز، ودير عمار، ليس ما إذا كان لبنان قادرًا على تطوير كل مرفق منفردًا، بل ما إذا كان يستطيع تحويلها مجتمعة إلى ممر اقتصادي متكامل يخفض الكلفة المعممة لحركة السلع والطاقة ورأس المال، ويرفع القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد اللبناني.

وفي قلب هذه المقاربة يبرز الدور الذي اضطلعت به غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، برئاسة توفيق دبوسي، في الدفع منذ سنوات باتجاه رؤية تتعامل مع مرافق طرابلس والشمال كمنظومة مترابطة. وقد عبّر دبوسي عن هذا المنطق بقوله إن «مرفأ طرابلس الحالي يمتلك امتدادًا طبيعيًا باتجاه مطار الرئيس رينيه معوض–القليعات»، داعيًا إلى الانتقال «من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص»، ومؤكدًا أن الرؤية تقوم على «إطلاق مشروع كبير بحجم الوطن والمنطقة يجمع المرافق ويؤسس ركيزة لخدمة المجتمعات والاقتصادات المحلية والدولية». ومن هنا دفعت الغرفة باتجاه مفهوم «طرابلس الكبرى» الذي يجمع هذه المرافق ضمن تصور واحد.

ويظهر هذا الاتجاه أيضًا في خطاب المسؤولين عن المرافق نفسها. فـالمهندس إسكندر كوستي بندلي، رئيس مجلس إدارة مصلحة استثمار مرفأ طرابلس، يربط تطوير المرفأ بالرقمنة والسكك والمنطقة الاقتصادية والقليعات، لا بمجرد زيادة عدد الحاويات. والدكتور حسان ضناوي، رئيس مجلس الإدارة–المدير العام للمنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، يصف المنطقة بأنها «الرافعة الاقتصادية» لطرابلس أولًا ولبنان ثانيًا. والمهندس زياد شيّا، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، يقول إن مشروع السكك «لم يعد مجرد حديث نظري». والكابتن محمد عزيز، رئيس الهيئة الناظمة للطيران المدني، يشدد على «تسريع التراخيص» و**«الالتزام بالمهل الزمنية»**. أما معالي وزير الطاقة والمياه الأستاذ جو الصدّي فيتحدث عن إعادة تفعيل دور لبنان «كهمزة وصل بين الشرق والغرب» في قطاع النفط.

المسألة، إذن، ليست تعدد المشاريع، بل إمكان جمعها في وظيفة اقتصادية واحدة.

ويأتي ذلك في اقتصاد شديد الحساسية للصدمات؛ فالبنك الدولي يتوقع انكماش الناتج الحقيقي اللبناني بنحو 6.4% في 2026. والمشكلة ليست في سنة واحدة، بل في تركيبة النمو: الاعتماد الكبير على الاستهلاك والتحويلات والسياحة يجعل التعافي هشًا، فيما يوسع نمو الصناعة واللوجستيات والترانزيت والطاقة مصادر العملات الأجنبية والإنتاجية.

ويقدم مرفأ طرابلس المثال الأوضح. فالخطة المعلنة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية من نحو 250 ألف حاوية نمطية سنويًا إلى نحو 800 ألف، ثم إلى أكثر من 1.8 مليون في مرحلة لاحقة. غير أن القدرة الاستيعابية ليست السوق؛ فبناء محطة تستوعب 1.8 مليون حاوية لا يعني أن هذا الحجم من التجارة سيتحقق تلقائيًا. لذلك يجب أن يكون السؤال: كم من التجارة يستطيع المرفأ اجتذابه بصورة مستدامة؟

وتظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن مؤشر اتصال مرفأ طرابلس بخطوط الملاحة المنتظمة ارتفع بنحو 823% بين الربع الثاني من 2016 والربع الثاني من 2026. لكن التحدي هو تحويل هذا الاتصال إلى مناولة وخدمات وقيمة مضافة.

وهنا تبدأ وظيفة المنطقة الاقتصادية. فالحاوية التي تعبر المرفأ تولد قيمة محدودة، أما إذا دخلت إلى التصنيع أو التجميع أو المعالجة ثم أعيد تصديرها، تتحول حركة البضائع إلى قيمة مضافة محلية. وعندها تصبح الكلفة النهائية للمنتج أهم من سعر الأرض أو الإعفاء وحدهما.

ولا يكفي القول إن الأجور في لبنان أصبحت منخفضة. فصندوق النقد يقدّر الحد الأدنى بنحو 285 دولارًا شهريًا، لكن التنافسية تقاس بكلفة العمل بالنسبة إلى الإنتاجية. لذلك لا ينبغي أن تقوم الميزة اللبنانية على «العمالة الرخيصة»، بل على مزيج من الكلفة والمهارة والقرب من الأسواق والكفاءة اللوجستية.

ومن أهم عناصر هذه الكفاءة الوقت؛ فكل يوم تبقى فيه الحاوية في المرفأ يعني رأس مال عاملًا مجمدًا وتأخيرًا في دورة الإنتاج. وتظهر بيانات البنك الدولي لعام 2023 أن متوسط بقاء الشحنات في المرافئ اللبنانية بلغ نحو 12.2 يومًا، وهو مؤشر وطني لا يخص طرابلس وحدها.

من هنا تصبح الرقمنة إصلاحًا اقتصاديًا لا تقنيًا. فإذا بقي المستثمر يدخل البيانات نفسها لدى جهات متعددة، نكون قد رقمنّا البيروقراطية ولم نلغها. أما نظام مجتمع الميناء Port Community System فيفترض تدفقًا موحدًا للمعلومات وإدارة للمخاطر، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين التشغيل.

أما السكك الحديدية، فلا ينبغي أن تُقرأ كعودة رمزية للقطار. فدفتر المناقصة الرسمي يحدد خطًا بطول 35 كيلومترًا من مرفأ طرابلس إلى العبودية للاتصال بالشبكة السورية، مع دراسة وصلة نحو القليعات. لكن جدواها تحكمها كثافة الحمولة؛ فإذا وُجد الطلب اتسعت السوق الخلفية للمرفأ، وإذا سبقت السكة الحمولة تحول الأصل إلى استثمار منخفض الاستخدام.

وينطبق المنطق نفسه على القليعات. فقيمته الاقتصادية لا تختصر بنقل جزء من ركاب بيروت إلى الشمال، بل تظهر إذا دخل اقتصاد الشحن والسلع الحساسة للوقت. فالمرفأ يخدم اقتصاد الحجم، بينما يستطيع المطار خدمة اقتصاد السرعة؛ والزمن التنظيمي نفسه يصبح عنصرًا من عناصر التنافسية.

أما الطاقة، فهي المتغير الذي يستطيع صنع الميزة أو إلغاؤها. فمشروعات دير عمار والغاز تشمل رسميًا وحدة عائمة لتخزين وإعادة تغييز الغاز، وتحديث المحطة الحالية بقدرة 465 ميغاواط، ومحطة جديدة بقدرة 825 ميغاواط. لكن المستثمر لا يقيس عدد الميغاواط، بل كلفة الطاقة الموثوقة الواصلة إلى خط الإنتاج. فإذا بقيت الكهرباء مرتفعة الكلفة أو غير مستقرة، قد تمحو مزايا الموقع والعمل واللوجستيات.

وفي النفط، يجب الفصل بين الأصول القائمة والطموحات المستقبلية. فقد طُرح استخدام منشآت طرابلس وخزاناتها لتخزين النفط العراقي وإعادة تصديره، فيما تبقى المصافي وخطوط النقل الأكبر قيد الدراسة أو التحضير. والتدرج أكثر عقلانية: استخدام الأصول القائمة واختبار التدفقات أولًا، ثم الانتقال إلى الاستثمارات الأعلى كلفة إذا أثبتت السوق جدواها. فالمصفاة تُبرر بهامش التكرير والحجم وأمن الخام والتمويل والأسواق، لا بالتاريخ.

وتمنح اضطرابات هرمز هذه الرؤية بعدًا إضافيًا. فصندوق النقد يشير إلى أن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية ونحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال تمر عبر المضيق. وهذا لا يجعل طرابلس بديلًا عن الخليج، لكنه يرفع قيمة المسارات البديلة. فإذا أثبت الربط بين العراق وسوريا ولبنان جدواه، يمكن أن يكتسب لبنان قيمة إضافية كمَنفذ إلى المتوسط.

لكن الموقع وحده لا يكفي؛ فكلفة رأس المال قد تلتهم أي ميزة أخرى. فالمستثمر يحسب التمويل والمخاطر السيادية والتأمين واستقرار القواعد. ولهذا فإن الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست مالًا مجانيًا، بل آلية لتوزيع المخاطر؛ والسؤال ليس فقط من يمول، بل من يتحمل المخاطر وبأي كلفة.

في المحصلة، تصبح أقوال الفاعلين والمسؤولين أكثر دلالة عندما تُقرأ معًا: دبوسي يدعو إلى الانتقال «من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص» عبر مشروع يجمع المرافق؛ وبندلي يتحدث عن مرفأ متصل بالصناعة والرقمنة والسكك والمطار؛ وضناوي عن «رافعة اقتصادية»؛ وشيّا عن انتقال السكك من «الحديث النظري» إلى المسار التنفيذي؛ وعزيز عن السرعة والمهل؛ والصدّي عن «همزة وصل» للطاقة. هذه الأقوال لا تثبت أن الممر الاقتصادي أصبح حقيقة، لكنها تكشف تقاربًا متزايدًا حول فكرة التكامل بدل إدارة كل أصل بمعزل عن الآخر.

ومع ذلك، يجب أن تبقى الرؤية قابلة للاختبار. فإذا توسعت قدرة المرفأ ولم ترتفع المناولة، أو أُطلقت الرقمنة ولم ينخفض زمن الإفراج، أو بقيت الطاقة غير تنافسية، أو لم تظهر للسكة أحجام شحن قابلة للتمويل، أو اقتصر القليعات على إعادة توزيع الطلب، أو لم تولد المنطقة الاقتصادية صادرات وإنتاجية وقيمة مضافة، يصبح من الضروري إعادة تقييم الفرضية نفسها.

وفي النهاية، لا ينبغي قياس نجاح الكوريدور بحجم الاستثمارات التي ضُخت فيه، بل بمقدار ما يخفضه من الكلفة والزمن والمخاطر لكل وحدة تجارة وإنتاج تمر عبره، وبما يضيفه من صادرات وإنتاجية وقيمة مضافة وفرص عمل قابلة للاستمرار.

فالفرصة اللبنانية لا تقوم على ميزة واحدة، بل على ميزة مركبة تجمع الموقع والمهارات وكلفة العمل والمرفأ والمنطقة الاقتصادية والمطار والسكك والطاقة والرقمنة وإمكان الوصول إلى سوق إقليمية أوسع.

هذه ليست نهضة مكتملة، وليست بعدُ ممرًا اقتصاديًا قائمًا. إنها مجموعة أصول ومشاريع بدأت تتحرك في اتجاه يمكن أن يصبح متكاملًا. وإذا بقيت منفصلة، فقد يحصل لبنان على مرافق أكثر حداثة فيما يبقى نموذجه الاقتصادي القديم على حاله. أما إذا نجح في ربطها، فقد ينتقل من اقتصاد يستورد عبر مرافئه إلى اقتصاد ينتج حولها، ومن بلد تنتهي عنده خطوط النقل إلى بلد تصبح فيه حركة العبور جزءًا من الإنتاج المحلي، ومن جغرافيا طالما وُصفت بأنها مميزة إلى جغرافيا يستطيع أن يثبت قيمتها اقتصاديًا بالأرقام.

وعندها فقط تصبح طرابلس أكثر من مشروع إنمائي للشمال؛ تصبح اختبارًا لقدرة لبنان على إعادة بناء وظيفته الاقتصادية في شرق المتوسط.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لجنة الأمن الغذائي في الهئيات الإقتصادية تتابع ملف الغذاء:

الأسعار تتعرض لضغوط مختلفة… وتحرك وإقتراحات لاحتواء أي إرتفاعات لإلغاء “الرسم البيئي” 3% على كسبة ...

الذهب ينخفض وسط ارتفاع العوائد وقوة الدولار

تحليل السوق التالي عن أندري كونستانتين، المدير التجاري ومستشار التداول في TFP Software FZCO شهدت ...

أسواق الأسهم الخليجية تتداول بحذر وسط عدم اليقين الجيوسياسي والمساعي الدبلوماسية

تحليل الأسواق اليوم عن جورج بافل مدير عام Naga.com منطقة الشرق الاوسط تداولت أسواق الأسهم الخليجية بحذر يوم الخميس ...