حين ينهار الاقتصاد وتنجو السلطة

ميشال فوكو والاقتصاد السياسي للحوكمة: لماذا تتغيّر الحكومات وتبقى كلفة الحكم؟

بقلم د. خالد عيتاني

في لبنان، انهارت العملة، وتعثّر النظام المصرفي، وتبدّلت الحكومات؛ لكن انكماش الموارد لم يُنهِ بالضرورة قدرة شبكات النفوذ على التأثير في توزيعها. فقد تتحول ندرة الموارد من دافعٍ لإصلاح قواعد توزيعها إلى سببٍ إضافي للصراع عليها، فيما تُحمَّل كلفة الخدمة وزمن المعاملة وعدم اليقين للمواطن والمنتِج والمستثمر.

المفارقة ليست أن السلطة نجت من الأزمة، بل أن بعض قواعد ممارستها قد يستمر في إنتاج الكلفة نفسها بعد كل تغيير سياسي. فكيف يصبح التعطيل حافزًا لبعض الأطراف، بينما تتحمل الخزينة والاقتصاد والمجتمع كلفته؟ وأين تبدأ مسؤولية السياسي وتنتهي مسؤولية المؤسسة؟

فوكو: من نقد المعرفة إلى تحليل صناعة القرار

ميشال فوكو (1926–1984) فيلسوف ومؤرخ أفكار فرنسي بدأ بـ«أركيولوجيا المعرفة» لدراسة شروط قبول الحقيقة، وانتقل إلى «الجينيالوجيا» لتتبّع نشأة الانضباط والمراقبة، ثم درس تشكّل الذات والحرية. وفي «المراقبة والمعاقبة» يقرر أن «السلطة تُمارَس أكثر مما تُمتلك». فالحكم لا يُختزل في صاحب المنصب؛ إنه شبكة من الإجراءات والمعلومات والمعايير والعلاقات.

لم يقدّم فوكو نظرية عن النمو أو كلفة المعاملات. هنا تبدأ قراءتنا، لا نقله الحرفي: نستعين بأسئلته عن السلطة، ونستخدم مفاهيم الاقتصاد المؤسسي لتفسير كيف تتحول صلاحيات القرار، وتوزيع الحوافز، وضعف المساءلة إلى كلفة مالية ومخاطر واستثمارات مؤجلة.

النظام السياسي: التوافق لا يعني المحاصصة

في لبنان، السلطة التشريعية لمجلس النواب والإجرائية لمجلس الوزراء، مع صلاحيات دستورية محددة لرئيس الجمهورية ورئيسَي الحكومة والمجلس. وتنصّ المادة 65 على اتخاذ قرارات الحكومة بالتوافق، ثم التصويت بأكثرية الحاضرين إذا تعذّره، مع اشتراط موافقة ثلثَي أعضاء الحكومة على القضايا الأساسية. وتقرّ المادة 66 المسؤولية الجماعية للوزراء عن السياسة العامة والفردية عن أعمالهم.

النص الدستوري ينظّم الشراكة؛ ولا يفرض تحويل كل قرار إداري أو اقتصادي إلى مساومة مفتوحة. والتمييز هنا جوهري: التوافق الدستوري يتيح التوفيق بين المصالح وفق قواعد معلنة، أما المحاصصة فتستبدل معيار المنفعة العامة بتبادل المكاسب، وقد تُبقي كلفة الاعتراض على المجتمع لا على مَن يعترض.

عندما تتداخل الصلاحيات الرسمية مع مراكز نفوذ غير رسمية، قد تتعدد نقاط الاعتراض، ويغيب المعيار الموحد، وتتوزع القدرة على التعطيل بينما تتبدد المسؤولية عن النتيجة.

وهنا تظهر مشكلة الوكيل والأصيل في الاقتصاد المؤسسي: المواطن يفوّض مؤسسات لتحقيق المنفعة العامة، لكن آليات الرقابة قد لا تكفي لردع توظيف الصلاحية لمصلحة فئوية. وإذا اشتركت القوى المتنافسة في القرار والرقابة معًا، نشأ خطر تمييع المسؤولية: كل طرف يستطيع نسبة الإخفاق إلى الآخر، بينما لا يجد المواطن جهة واضحة يحاسبها على النتيجة.

ولا يجوز اختزال جميع حالات التأخير في المحاصصة؛ فقد ينشأ بعضها عن نقص القدرة الإدارية أو رقابة لازمة. إنما يجب قياس التأخير المبرَّر وتمييزه من التعطيل الذي لا يخضع لتفسير أو محاسبة.

وقد رصد صندوق النقد الدولي، في تشخيصه للحوكمة المنشور في حزيران 2026، تجزؤ الرقابة وضعف المؤسسات وممارسات تُيسّر الريع وشبكات المحسوبية، بوصفها عوائق للتعافي الاقتصادي.

كيف تُنتج السلطة كلفة اقتصادية؟

كتب فوكو أيضًا: «السلطة تُنتج الواقع».

اقتصاديًا، يمكن اختبار مسار محدد: تضارب المرجعيات وغياب شفافية القرار قد يطيلان زمن الموافقات؛ والمدة غير المتوقعة ترفع كلفة التمويل والمخاطر؛ وارتفاع الكلفة قد يخفض الجدوى الاستثمارية، فيؤجَّل المشروع أو يُلغى. بذلك لا يعود التعطيل حدثًا سياسيًا عابرًا، بل مصدرًا لتكاليف المعاملات والفرص المفقودة.

لكن هذه سلسلة سببية ينبغي اختبار حلقاتها ببيانات عن التأخير والكلفة والنتائج؛ فلا يكفي تزامن الأزمة السياسية والإخفاق الاقتصادي لإثبات أن الأولى سببه الوحيد.

والأدق مقارنة إجراءات متشابهة قبل التبسيط وبعده، أو مقارنة مرافق تواجه أحجام طلب متقاربة، مع مراعاة أثر الطاقة والتمويل والظروف الأمنية.

الكهرباء: اختبار كفاءة الحوكمة لا حجم الإنفاق

قدّر البنك الدولي التحويلات التراكمية إلى مؤسسة كهرباء لبنان بنحو 40 مليار دولار حتى عام 2020. ليست جميعها هدرًا؛ فقد موّلت شراء الوقود وتقديم الخدمة. لكن اقتران هذا العبء بضعف موثوقية التغذية يكشف خللًا يتطلب تفسيرًا، لا مجرد تبادل للاتهامات.

يبدأ التشخيص من كلفة الإنتاج، والتسعير، والخسائر الفنية وغير الفنية، والجباية، والقرارات الاستثمارية، واستقلالية الرقابة.

ثم ينتقل إلى الاقتصاد الحقيقي: كلفة المولدات والطاقة البديلة، وتعطّل الإنتاج، وانخفاض تنافسية المنشآت.

هنا يظهر الفرق بين المحاسبة على المدخلات والمحاسبة على المخرجات: يمكن زيادة الاعتمادات من دون تحسين موثوقية الخدمة، تمامًا كما يمكن تحسين الجباية من دون إصلاح كلفة الإنتاج.

والمؤشرات الواجب نشرها ليست المبالغ المحوّلة وحدها، بل الكلفة لكل كيلوواط/ساعة مباع، والتحصيل، والخسائر، واستمرارية التغذية.

الإصلاح هو تحسّن النتيجة مقابل الموارد، لا ارتفاع الإنفاق أو تبدّل اسم الوزير.

الربط الملاحي ليس صادرات

بحسب الأونكتاد، ارتفع مؤشر الربط الملاحي لمرفأ طرابلس 823% بين الربع الثاني من 2016 والربع الثاني من 2026. لكن الارتفاع النسبي من قاعدة منخفضة لا يعني زيادة مماثلة في الصادرات أو فرص العمل. إنه تحسّن في الاتصال يمكن استثماره، لا دليل كافٍ على تحوّل إنتاجي منجز.

فالمرفأ والمنطقة الاقتصادية ومشروعات مطار القليعات والسكة والطاقة لا تصنع ممرًا اقتصاديًا لمجرد تلاقيها جغرافيًا.

السؤال: ما الحمولات الفعلية؟ أين الصناعات القادرة على التصدير؟ وما كلفة التخليص والتخزين والنقل والتمويل؟ وهل تُبنى السكة والمطار على طلب قابل للتحقق وتقييم مستقل للجدوى؟

النجاح لا يُقاس بعدد المرافق، بل بانخفاض الكلفة اللوجستية الشاملة وارتفاع القيمة المضافة والصادرات والوظائف.

ويجب ترتيب الاستثمارات وفق طلب مثبت وجدوى اقتصادية مقارنة بالبدائل؛ فلا تصبح السكة أولوية لمجرد أنها مشروع كبير، ولا المطار نجاحًا إذا أعاد توزيع حركة قائمة من دون طلب إضافي.

هنا تتحول الحوكمة من توزيع المشروعات إلى تنسيق سلسلة القيمة بين الجهات العامة والقطاع الخاص.

التعليم والشباب: هل نُصلح القدرة أم معيار قياسها؟

أرسى المرسوم 3445 لعام 2026 مقاربة الكفايات في المنهاج اللبناني، مع تطبيق انتقالي لا يعني أن النتائج قد تحققت بالفعل.

لكن تغيير الوثيقة لا يكفي إن ظل الامتحان يقيس الحفظ، وظل التقييم يصنّف الطالب بدل تشخيص مهاراته ووضع خطة لتحسّنه.

السؤال الفوكوي: من يحدد معيار النجاح؟ والسؤال الإداري: هل تتطابق أدوات التدريس والاختبار وتأهيل المعلمين مع الكفايات المعلنة؟

ويمتد الخلل إلى سوق العمل. فقد بلغت بطالة الشباب بين 15 و24 عامًا 47.8% في مسح كانون الثاني 2022، وهو رقم تاريخي لا يصف بالضرورة واقع 2026.

حلّل فوكو منطق تحويل الإنسان إلى «رأس مال بشري» مسؤول عن الاستثمار في نفسه؛ لكن التدريب، مهما تحسّن، لا يعوّض غياب الشركات وفرص الإنتاج.

التعليم يصنع القدرة، والاقتصاد المنتج يحوّلها إلى فرصة، والمؤسسات الفاعلة تُصلح شروط الانتقال بينهما.

لذلك يُقاس نجاح البرامج بإتقان المهارات والتوظيف بعد ستة أشهر واستقرار العمل، لا بعدد الشهادات.

الذكاء الاصطناعي: كفاءة القرار أم تسريع الخطأ؟

حين نستخدم الخوارزمية لتكرار امتحان لا يقيس الكفايات، أو لأتمتة معاملة تعاني تكرار الموافقات، فإننا نسرّع الاختلال.

وعبارة فوكو «أن تكون مرئيًا، فذلك فخ» تذكّر بمخاطر تحويل بيانات الأداء إلى تصنيف يصعب الاعتراض عليه. ولا تعني رفض القياس، بل اشتراط صلاحيته وشفافية استخدامه.

الرقمنة المنتجة تبدأ بإلغاء الخطوة غير الضرورية، وتوحيد مصدر المعلومة، وإتاحة التفسير والتصحيح والمراجعة البشرية، قبل قياس الزمن الذي وفّرته الآلة.

والمؤشر التقني لا يصبح حكمًا مهنيًا صالحًا لمجرد أن مصدره خوارزمية؛ إذ يجب اختبار دقته وانحيازه وأثره الفعلي في فرص الإنسان.

دولة قادرة، لا سلطة تقديرية بلا حساب

هل يفضي نقد فوكو إلى إضعاف الدولة؟ ليس بالضرورة. لبنان يحتاج إلى إنفاذ القوانين والعقود والرقابة؛ وإضعاف المؤسسات يزيد مساحة النفوذ غير الرسمي.

الفارق حاسم بين قوة القانون وقوة الشخص القادر على تجاوزه.

ولتحويل النقد إلى إصلاح، أقترح وضع خريطة منشورة للصلاحيات ونقاط القرار خلال ثلاثة أشهر، وخط أساس لزمن الخدمة وكلفتها، مع تحديد ما يستوجب موافقة وما يكفي فيه الإخطار.

وخلال سنة، تُبسّط الإجراءات وتُسند كل نتيجة إلى جهة مسؤولة، وتُنشر تقارير فصلية قابلة للتحقق.

والأولوية ليست اختراع مؤشرات إضافية، بل اختيار عدد محدود منها وربطه بالموازنة والإدارة والمساءلة، كي لا يتحول قياس الأداء نفسه إلى بيروقراطية جديدة.

وتُقاس الكهرباء بالكلفة والموثوقية، والمرفأ بزمن التخليص والقيمة المضافة، والتعليم بإتقان الكفايات والتوظيف، لا بالنشاط الإداري وحده.

قال فوكو: «حيث توجد السلطة، توجد المعارضة»؛ لكن المعارضة البنّاءة لا تقف عند الاعتراض، بل تُحوّله إلى حق في المعلومة والتظلّم والمساءلة.

الخلاصة: المشكلة في قواعد إنتاج النتائج

لا يكفي تغيير الحكومة إذا بقيت آليات الحكم كما هي؛ ولا تغيير المناهج إذا بقيت فلسفة التدريس والتقييم على حالها؛ ولا رقمنة الإدارة إذا استمرت إجراءاتها المعقدة؛ ولا تدريب الشباب إذا بقي الاقتصاد عاجزًا عن خلق الفرص؛ ولا إدخال الذكاء الاصطناعي إذا لم نراجع القرارات التي نطلب منه تنفيذها.

وصف فوكو النقد بأنه «فنّ ألّا نُحكَم بهذه الطريقة». أما الاقتصاد السياسي للإصلاح فيطرح السؤال المكمل: ما قواعد الحكم التي تحقق الخدمة والإنتاج والعدالة بكلفة أقل ومساءلة أعلى؟

الخطر الأكبر على لبنان أن ننجح في تغيير الحكّام والمناهج والتكنولوجيا والمشاريع، ونفشل في تغيير قواعد السلطة والحوافز والمساءلة؛ فنكون قد حدّثنا أدوات الأزمة بدل أن نبني مؤسسات قادرة على إنتاج التنمية والفرص.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شركة تاتش تكثّف أعمالها الميدانية والتقنية لتحديث الشبكة وتحسين جودة خدماتها في مختلف المناطق اللبنانية

في إطار سعيها المستمر لتطوير البنية التحتية للشبكة وتعزيز جاهزيتها، تواصل شركة تاتش، رائدة الاتصالات ...

العقود الآجلة للنفط ترتفع وسط ترقب مسارات تصعيد الشرق الأوسط

بقلم سامر حسن، محلل أسواق أول في XS.com ترتفع العقود الآجلة لكل من خامي غرب ...

مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار يطلق «مسرّع الشارقة الصناعي للذكاء الاصطناعي» لعصر الذكاء الفائق لاستقطاب شركات من مختلف أنحاء العالم

أعلن مجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار «سبارك» إطلاق «مسرّع الشارقة الصناعي للذكاء الاصطناعي» خلال مشاركته ...