من التعلّم إلى القيادة: كيف يصنع الشباب تنمية مستدامة ويكتبون مصيرهم بأيديهم في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

مقدمة

لم تعد التنمية في القرن الحادي والعشرين مسألة موارد فقط، بل مسألة وعي. ولم يعد السؤال المطروح على الشباب: ماذا ستدرسون؟ بل: من ستصبحون؟

في عالم تتغيّر فيه الوظائف قبل أن تتغيّر المناهج، وتتقدّم فيه التكنولوجيا أسرع من

قدرة المجتمعات على استيعابها، وتنهار فيه النماذج التقليدية للنجاح، يبرز جيل جديد لا يُعرَّف بما يملك، بل بما يصنعه من أثر.

كما قال بيتر دراكر:

«أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه.»

ومن هنا، يصبح الانتقال من التعلّم إلى القيادة شرطًا أساسيًا لأي تنمية مستدامة، لأن المجتمعات لا تُبنى بالمعرفة المكدّسة، بل بالعقول القادرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية، وأثر اجتماعي، ورؤية أخلاقية، خصوصًا في عصر الذكاء الاصطناعي.

أولًا: من التعليم الاستهلاكي إلى التعلّم المنتج

تشير أبرز المقالات في The New York Times وThe Guardian إلى أن أخطر ما يواجه الأنظمة التعليمية اليوم هو تخريج متعلمين غير قادرين على الربط بين المعرفة والواقع.

ففي زمن تستطيع فيه الخوارزميات استرجاع المعلومات خلال ثوانٍ، لم يعد الحفظ معيار التفوق، بل القدرة على الفهم والتطبيق والتحليل.

التعلّم المستدام لا يعني كثرة المعلومات، بل القدرة على استخدامها لحل المشكلات، وتحسين الحياة، وابتكار البدائل.

الطالب صانع الأثر هو من:

  • يسأل «لماذا» قبل أن يسأل «كيف»
  • يربط تخصصه بحاجات مجتمعه
  • يرى في المعرفة مسؤولية لا امتيازًا

وكما ورد في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي:

«المهارات لا تُبنى من أجل وظيفة واحدة، بل من أجل حياة مهنية كاملة.»

ثانيًا: القيادة تبدأ من الداخل

تجمع المقالات الأميركية الحديثة في Forbes وHarvard Business Review على أن القيادة الحقيقية لم تعد مرتبطة بالسلطة أو المنصب، بل بالقدرة على قيادة الذات في بيئات معقّدة وسريعة التغيّر.

قيادة النفس تعني:

  • وعيًا بالقيم
  • انضباطًا في السلوك
  • شجاعة في اتخاذ القرار
  • أخلاقيات في استخدام القوة والمعرفة

والتكنولوجيا

وكما قال جون ماكسويل:

«من لا يستطيع قيادة نفسه، لن يستطيع قيادة غيره.»

ومن منظور التنمية المستدامة، فإن القائد الذي لا يملك وعيًا ذاتيًا يستهلك الموارد، بينما القائد الواعي يبنيها ويحميها، ويُحسن توظيف التكنولوجيا بدل أن يُستَخدم بها.

ثالثًا: الوعي الذاتي وتوجيه رأس المال البشري في عصر الخوارزميات

تؤكد الدراسات الغربية أن أحد أكبر أسباب فشل الشباب مهنيًا ليس ضعف الكفاءة، بل سوء الاختيار.

الوعي الذاتي هو البوصلة التي تمنع هدر الطاقات، وهو الأساس الذي تُبنى عليه تنمية بشرية متوازنة.

حين يعرف الشاب:

  • نقاط قوته
  • دوافعه الحقيقية
  • القيم التي لا يساوم عليها

يصبح قراره المهني استثمارًا طويل الأمد، لا مغامرة قصيرة المدى.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية الوعي الذاتي، لأن الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات، لكنها عاجزة عن تحديد المعنى. وحده الإنسان الواعي يستطيع أن يحدد أين يضيف قيمة لا يمكن للآلة أن تحلّ محلها: في الحكم الأخلاقي، والرؤية الشمولية، وربط التكنولوجيا بالبعد

الإنساني.

كما قالت سيمون دي بوفوار:

«أن تعرف من أنت… هو أول أفعال الحرية.»

رابعًا: الشهادة أم المهارة؟ معركة الاستدامة في سوق العمل

في معظم المقالات الأميركية الحديثة، يتكرر مفهوم واحد:

الشهادة تفتح الباب، لكن المهارة هي التي تُبقيك في الداخل.

سوق العمل العالمي اليوم يكافئ:

  • القدرة على التعلّم المستمر
  • التفكير النقدي
  • التواصل والعمل الجماعي
  • التكيّف مع التغيير
  • والقدرة على العمل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لا ضدّهما

أما الاقتصادات المستدامة، فتبنى على رأس مال بشري مرن، قادر على التطور، لا على شهادات جامدة تنتهي صلاحيتها سريعًا.

خامسًا: السمعة المهنية… رأس مال غير مكتوب في العصر الرقمي

تُبرز الصحافة الغربية أن السمعة المهنية باتت عملة ناعمة في الاقتصاد الحديث. الاسم الذي يبنيه الشاب في الجامعة، في التدريب، في أول مشروع، قد يسبق سيرته الذاتية بسنوات.

ومع التحول الرقمي، أصبحت السمعة المهنية رقمية بقدر ما هي واقعية. فكل حضور على منصة مهنية، وكل محتوى، وكل مشروع رقمي، يساهم في بناء هوية عامة عابرة للحدود، ويحمّل الشباب مسؤولية مضاعفة.

كما قال وارن بافيت:

«تستغرق السمعة عشرين عامًا لتُبنى، وخمس دقائق لتُدمَّر.»

ومن منظور التنمية المستدامة، فإن أخلاقيات العمل ليست فضيلة فردية فقط، بل ركيزة من ركائز الثقة الاقتصادية والاجتماعية.

سادسًا: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي… من أداة إلى

رافعة تنموية

لم تعد التكنولوجيا، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، عنصرًا مساعدًا في مسار التنمية، بل أصبحت أحد محدداتها الأساسية.

الفجوة الحقيقية اليوم ليست بين من يملك التكنولوجيا ومن لا يملكها، بل بين من يفهمها ويقودها ومن يستهلكها دون وعي.

الشاب القائد في عصر الذكاء الاصطناعي هو من:

  • يستخدم التكنولوجيا لتوسيع قدرته على التفكير لا لإلغائه
  • يدرك أن الذكاء الاصطناعي شريك لا بديل
  • يوازن بين السرعة التقنية والحكمة

الإنسانية

وكما قال كلاوس شواب:

«الثورة التكنولوجية ليست مسألة تقنية، بل اختبار أخلاقي وإنساني.»

سابعًا: الإنسان مشروع تنمية قبل أن يكون مشروع نجاح

تتفق معظم المدارس الفكرية الحديثة على حقيقة واحدة:

لا توجد مجتمعات ناجحة دون أفراد واعين.

كل إنسان هو مشروع تنمية عندما:

  • يمتلك رؤية
  • يحسن التخطيط
  • يتعلّم من الفشل
  • يربط نجاحه بخدمة محيطه

التنمية المستدامة لا تصنع أبطالًا فرديين، بل صُنّاع أثر متراكم، قادرين على تحويل التكنولوجيا إلى أداة نهضة لا أداة إقصاء.

الخاتمة

الانتقال من التعلّم إلى القيادة ليس رحلة نخبوية، بل مسار إنساني متاح لكل من قرر أن يكون فاعلًا لا تابعًا.

وحين يقود الشباب أنفسهم بوعي، ويتعلمون بعمق، ويعملون بأخلاق، ويُحسنون توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تتحول التنمية من شعار سياسي إلى واقع يومي.

وكما قال نيلسون مانديلا:

«التعليم هو أقوى سلاح يمكن استخدامه لتغيير العالم.»

وكما حذّر ألبرت آينشتاين:

«الخطر ليس في تقدّم التكنولوجيا، بل في تخلّف الحكمة.»

توصيات شاملة

  • دمج القيادة الذاتية في المناهج التعليمية لا كمادة، بل كثقافة.
  • ربط التعليم بسوق العمل الحقيقي عبر التدريب والمشاريع التطبيقية.
  • الاستثمار في المهارات القابلة للنقل بدل التخصصات المغلقة.
  • تعزيز الوعي الذاتي لدى الشباب عبر الإرشاد والتوجيه المهني المبكر.
  • ترسيخ أخلاقيات العمل كجزء من مفهوم التنمية المستدامة.
  • إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم بوصفه أداة تفكير وإنتاج، لا أداة اختصار أو غش.
  • بناء برامج للقيادة الرقمية وأخلاقيات التكنولوجيا تستهدف الطلاب مبكرًا.
  • التركيز على المهارات الإنسانية غير القابلة للأتمتة مثل الإبداع والحكم الأخلاقي.
  • ربط التحول الرقمي برؤية تنموية وطنية واضحة.

ترسيخ مفهوم “الذكاء المسؤول” كقاعدة لأي تنمية مستدامة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شحادة يبحث ملفات المهجرين ورخص البناء ويستقبل وفد المنظمة الدولية للهجرة

استقبل وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة، في مكتبه، رؤساء ...

الهند احتلفت اليوم بالذكرى السابعة والسبعين ليوم الجمهورية في سفارة الهند ببيروت وفي مقر الكتيبة الهندية السادسة والعشرين في إبل السقي

احتفلت الهند اليوم بالذكرى السابعة والسبعين ليوم الجمهورية في سفارة الهند ببيروت وفي مقر الكتيبة ...

المملكة تستضيف الاجتماع الدولي للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون والنمو في جدة أبريل المقبل

أعلنت المملكة العربية السعودية رسميًا اليوم، عن استضافتها الاجتماع الدولي للمنتدى الاقتصادي العالمي حول التعاون ...