غرينلاند، ترامب، وعودة الإمبريالية في زمن الليبرالية المتداعية
بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
لم تعد غرينلاند جزيرة نائية تتناوب عليها خرائط الجغرافيا المدرسية، ولا ملفًا هامشيًا في دفاتر السياسة الدولية. ما يتكشّف اليوم عند القطب الشمالي هو تحوّل زلزالي في بنية النظام العالمي، حيث يتقاطع ذوبان الجليد مع ذوبان القواعد، وتتقدّم الجغرافيا مجددًا لتفرض منطقها على القانون، والقوة على السيادة، والملكية على الشراكة.
حين قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “من يدافع عن أرض يملكها غير من يدافع عن أرض يستأجرها”، لم يكن يطلق عبارة عابرة، بل كان يعلن ـ بوضوح غير مسبوق ـ عودة منطق الإمبراطورية إلى صدارة القرار الدولي، منطقٍ يُعيد تعريف العالم باعتباره فضاءً قابلًا للاقتناء، لا منظومةً تحكمها القواعد.
ذوبان الجليد في القطب الشمالي لم يعد حدثًا مناخيًا فحسب، بل تحوّل إلى محرك جيوسياسي شامل. فمع كل موسم ذوبان جديد، تتبدّل معادلات المسافة والزمن، وتُفتح ممرات بحرية لم تكن ممكنة قبل عقود، وتُختصر الرحلات بين شرق آسيا وأوروبا من أسابيع طويلة إلى أيام أقل. هنا، لم تعد الجغرافيا صامتة، بل أصبحت فاعلًا سياسيًا مباشرًا يعيد ترتيب مراكز القوة.
في هذا السياق، تخرج غرينلاند من هامش الخرائط إلى قلبها. فهي لم تعد مجرد مساحة متجمدة، بل تتحول تدريجيًا إلى العقدة اللوجستية الأخطر في النظام الدولي القادم. من موقعها، تتقاطع أقصر طرق الشحن بين الشرق والغرب، وتُعاد هندسة سلاسل الإمداد العالمية خارج الممرات التقليدية التي حكمت الاقتصاد العالمي منذ القرن التاسع عشر، من قناة السويس إلى مضيق ملقا. لكن ما يميّز غرينلاند أن دورها لا يقتصر على التجارة، بل يمتد إلى الفضاء، والبيانات، والطاقة، والإنذار المبكر، أي إلى قلب الاقتصاد الرقمي والأمني معًا.
هنا، لا يعود الشرق شرقًا والغرب غربًا كما عرفهما العالم بعد الحرب الباردة. فالمحور الجديد لم يعد أفقيًا، بل قطبيًا. غرينلاند تصبح خط الفصل الجديد في العالم: من يسيطر على فضائها الجوي، موانئها، شبكات الرصد والاتصال فيها، يملك القدرة على التحكم بتدفّق التجارة العالمية، والبيانات العابرة للقارات، وحتى البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد الرقمي. ولهذا، لا يُنظر إليها اليوم كقاعدة عسكرية فقط، بل كبوابة كونية، نقطة عبور للسفن، للأقمار الصناعية، ولمستقبل العولمة ذاته.
إنها لحظة تاريخية تشبه، في عمقها، لحظة السيطرة على المضائق البحرية الكبرى في التاريخ، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين: لوجستيات ذكية، ذكاء اصطناعي، تحكم بالزمن والمسافة، واحتكار لسلاسل القيمة. ومن هنا، يصبح الصراع على غرينلاند صراعًا على شكل العولمة المقبلة نفسها: هل ستكون عولمة متعددة الأقطاب تُدار بالتوازن والقانون، أم عولمة قطبية جديدة تُدار من نقطة واحدة… من الجليد الذائب؟
النفط، على أهميته، ليس جوهر هذا الصراع. فغرينلاند نفسها اتخذت قرارًا سياديًا بحظر التنقيب النفطي لأسباب بيئية. لكن ما تختزنه أرضها من معادن استراتيجية نادرة يجعلها هدفًا مركزيًا في عصر الثورة التكنولوجية الرابعة. العناصر الأرضية النادرة، الغرافيت، الليثيوم، وكل ما يدخل في صناعة البطاريات، الشرائح الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، تحوّلت إلى عملة النفوذ الجديدة. في هذا العالم، لم تعد السيطرة على الأرض هدفًا بحد ذاته، بل السيطرة على سلاسل القيمة التي تصنع المستقبل الاقتصادي والسياسي.
تحت ذريعة “الخطر الروسي–الصيني”، تُقدّم الإدارة الأمريكية خطابها. غير أن الوقائع الميدانية، كما تؤكدها تقارير أوروبية رسمية، لا تشير إلى تهديد مباشر أو وشيك لغرينلاند. روسيا ترى في القطب امتدادًا جغرافيًا تاريخيًا، والصين تصفه بـ«القطب القريب»، لكن تحويل هذا الواقع إلى مبرّر لتغيير السيادة يكشف عن استخدام سياسي للأمن أكثر مما يعكس ضرورة دفاعية حقيقية.
هنا تتجلّى الإمبريالية الجديدة في أوضح صورها. فتصريحات ترامب عن غرينلاند لا تنفصل عن حديثه عن كندا بوصفها “الولاية الحادية والخمسين”، ولا عن سياساته تجاه فنزويلا وأمريكا اللاتينية. نحن أمام رؤية ترى أن القوة الاقتصادية والعسكرية تمنح حق إعادة رسم الخرائط، وأن السيادة تُقاس بالقدرة على الدفاع، لا بشرعية القانون.
أوروبا، في المقابل، بدت مأخوذة بين الصدمة والتردد. فرنسا تعاملت مع التصريحات بجدّية، وشاركت في تدريبات عسكرية في غرينلاند بطلب دنماركي. ألمانيا حذّرت صراحة من أن أي تحرك أحادي قد يقوّض حلف شمال الأطلسي، فيما اكتفت بريطانيا بحضور رمزي. المشهد الأوروبي يعكس أزمة أعمق من أزمة غرينلاند نفسها: أزمة قرار في نظام لم يعد واثقًا من قدرته على ردع حليفه الأكبر.
الناتو، الذي لم يُصمَّم أصلًا لمعالجة نزاع سيادي بين أعضائه، يجد نفسه أمام اختبار وجودي. فكيف يدافع تحالف عن سيادة دولة إذا كان التهديد يأتي من داخله؟ هنا، لا يمكن الحديث عن نهاية الحلف، لكن من الواضح أنه دخل أخطر مرحلة إعادة تعريف منذ نهاية الحرب الباردة.
المقارنة مع القرم محرجة، لكنها مطروحة في العمق. في القرم، انتصر منطق القوة على القانون. وفي غرينلاند، يُعاد طرح منطق مشابه، لكن هذه المرة بغطاء ليبرالي، وبخطاب “الأمن القومي”. الفارق الوحيد أن من يطرح هذا المنطق اليوم هو من كتب قواعد النظام الدولي نفسه.
أما شعب غرينلاند، فقد قال كلمته بوضوح. الغالبية الساحقة ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة، وتطالب بشراكة أمنية لا تمسّ بالسيادة. وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية الكبرى: الدفاع باسم الشعوب ضد إرادة الشعوب.
خاتمة
غرينلاند ليست صفحة تُطوى، بل بوابة يُعاد من خلالها تعريف العالم. عند جليدها الذائب لا يتواجه شرقٌ وغربٌ فقط، بل يتواجه زمنان: زمن القواعد التي صاغت القرن العشرين، وزمن القوة التي تعيد كتابة القرن الحادي والعشرين. هناك، تُقاس السيادة بامتلاك سلاسل الإمداد، وتُعاد صياغة الأمن بلغة المعادن والبيانات والذكاء الاصطناعي، لا بلغة المعاهدات وحدها.
ما سيُحسم في القطب الشمالي لن يبقى جغرافيًا، بل سيتحوّل إلى نموذج يُستنسخ عالميًا: إمّا نظام دولي يُعيد توازنه عبر القانون والتعددية، أو عالم تُدار خرائطه من النقاط الأكثر برودة… وبأشدّ القرارات حرارة.
وغرينلاند، في هذا المشهد، ليست الهامش ولا النهاية، بل العتبة الأولى لعالم يتشكّل الآن.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية