حين يصبح الأنهيار نظام حكم
بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
في لبنان، لا يبدأ الانهيار من القمة، بل من الهامش. لا يُعلن نفسه بخطاب رسمي، بل بسقوط جدار، بتصدّع سقف، بانهيار مبنى يُفترض أن يكون مأهولًا بالحياة لا بالموت. انهيار المباني ليس حادثًا عمرانيًا عابرًا، بل هو أول الإشارات الصامتة لانهيار أعمق، حين تتآكل الدولة من الداخل وتفقد قدرتها على أبسط وظائفها: الرقابة، الحماية، والمسؤولية.
ذلك المشهد، حين يسقط الحجر، ليس سوى مقدّمة رمزية لانهيارٍ شاملٍ أصاب لبنان طبقةً بعد أخرى، من البنية التحتية إلى بنية النظام، ومن الاقتصاد إلى فكرة الدولة نفسها.
تبدأ القصة حين تتفكك البنية التحتية وتتحول الخدمات العامة إلى عبء على المواطن بدل أن تكون حقًا مكفولًا. العتمة التي تغرق فيها البلاد ليست نتاج نقص تقني، بل نتيجة قرار سياسي مزمن حوّل الكهرباء من مرفق سيادي إلى سوق مفتوح للفوضى. الدولة التي تعجز عن إنارة بيوت مواطنيها تعلن، من حيث لا تدري
أو تدري، انسحابها من المجال العام، وتفسح المجال لاقتصاد بديل يقوم على اللامساواة والاحتكار.
ومع انسحاب الدولة، تُترك القطاعات الإنتاجية لمصيرها. الزراعة، التي كان يمكن أن تشكل ركيزة للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، تُهمل بلا سياسات دعم أو حماية، فيتحول المزارع إلى ضحية سوق غير منظم، فيما تُفتح الحدود للاستيراد العشوائي. هنا لا ينهار قطاع فحسب، بل يُضرب مفهوم الاكتفاء، ويُستبدل الإنتاج بالتبعية.
أما الصناعة، فقد دُفنت تحت كلفة الطاقة، وغياب الحوافز، وانعدام الرؤية. المصانع تقفل أو تهاجر، ورأس المال المنتج يُدفع قسرًا إلى الخارج. ومع كل مصنع يُقفل، يُقفل باب عمل، ويُفتح باب هجرة، ويتآكل ما تبقى من اقتصاد حقيقي.
في هذا الفراغ، يتحول الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد هشّ، قائم على الاستهلاك والتحويلات، بلا إنتاج ولا حماية. تنهار القدرة الشرائية، تختفي الطبقة الوسطى، ويتحول الفقر من حالة اجتماعية إلى بنية عامة. هنا يصبح الانهيار الاقتصادي أسلوب حياة، لا أزمة طارئة.
ثم تأتي الضربة المالية الكبرى، حين تُصادر الودائع، وتنهار العملة، وتتحول المصارف من مؤسسات يفترض
أن تحمي الثقة إلى أدوات لسلبها. ما جرى لم يكن مجرد خطأ في السياسات، بل انهيارًا للعقد المالي بين الدولة والمجتمع، وانكشافًا لنظام راكم الأرباح وعمّم الخسائر. ومع هذا السقوط، تهاوى أحد أعمدة الاستقرار: الثقة بالمنظومة المالية.
وحين تسقط الثقة، ينسحب الاستثمار الخارجي تلقائيًا. رأس المال لا يهاجر بسبب الخسارة وحدها، بل بسبب غياب القانون. المغترب اللبناني، الذي لطالما شكّل شريانًا اقتصاديًا للبلاد، بات مترددًا في العودة والاستثمار، لا لأنه فقد الانتماء، بل لأنه فقد الضمان. وهنا يخسر لبنان أخطر ما يمكن أن يخسره: ثقة أبنائه قبل ثقة الأسواق.
وسط هذا المشهد، يتداعى القطاعان الصحي والتربوي، في مؤشر خطير على انهيار المستقبل لا الحاضر فقط. المستشفى يصبح رفاهية، والتعليم عبئًا، وهجرة الأطباء والأساتذة تتحول إلى نزيف صامت. الدولة التي تعجز عن حماية صحة شعبها وتعليم أجيالها، لا تفشل إداريًا فحسب، بل تفقد مبرر وجودها.
أما الإدارة العامة، فتتحول إلى جسد منهك، بلا أدوات ولا قرار. القضاء محاصر، الرقابة معطلة، والمؤسسات قائمة بالاسم لا بالفعل. الدولة حاضرة شكليًا وغائبة
جوهريًا، فيما تُدار البلاد بشبكات مصالح لا بمؤسسات.
في ذروة هذا المسار، يتجلى الانهيار السياسي. حكومة عاجزة، مجلس نواب مشلول، وقرار وطني مرتهن. السياسة لم تعد أداة إدارة، بل وسيلة تعطيل. ومع غياب القرار السيادي، تصبح الدولة ساحة مفتوحة، لا كيانًا مستقلًا، وتتحول الأزمات من نتائج إلى أدوات حكم.
لكن الانهيار الأخطر، والأعمق، هو انهيار الثقة. حين لا يثق المواطن بدولته، ولا المستثمر بقضائها، ولا المغترب بوطنه، يصبح الانهيار وجوديًا. فالدول قد تتعافى من أزمات مالية، لكنها لا تنهض بسهولة من انهيار الثقة وفقدان المعنى.
من هنا، فإن الخروج من الانهيار لا يكون بترميم مبانٍ أو بضخ أموال مؤقتة، بل بإعادة بناء الدولة على أسس واضحة: سيادة فعلية لا خطابية، إصلاح حقيقي لا انتقائي، واقتصاد منتج لا ريعي. دولة تحمي القطاعات الإنتاجية، وتعيد الاعتبار للقانون، وتستعيد ثقة مواطنيها ومغتربيها.
فلبنان لا ينهار لأنه فقير، بل لأنه بلا دولة.
ولا يُنقذ بالمسكنات، بل بمشروع وطني يعيد تعريف السيادة، ويحوّل الإصلاح من شعار إلى ممارسة، والاقتصاد من استهلاك إلى إنتاج. وإلا، سيبقى سقوط المباني مجرد تفصيل… في بلدٍ سقطت فيه الدولة قبل الحج
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية