التعليم في لبنان: من رافعة للتنمية إلى خط تماس مع الانهيار

بقلم د. خالد عيتاني- رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية

لم يكن التعليم في تاريخ الدول خيارًا ثانويًا أو قطاعًا خدميًا قابلًا للتأجيل، بل شكّل على الدوام البنية التحتية الأعمق للاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. وقد أدرك مؤسس علم الاقتصاد آدم سميث هذه الحقيقة مبكرًا حين اعتبر أن ما يكتسبه الإنسان من معرفة ومهارات خلال تعليمه «هو رأس مال ثابت متجسّد في شخصه، وجزء لا يتجزأ من ثروة المجتمع». ومنذ ستينيات القرن الماضي، ومع إعلان ثيودور شولتز ولادة «اقتصاديات التعليم»، بات التعليم يُقاس بوصفه استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا بندًا إنفاقيًا عابرًا.

في لبنان، اصطدمت هذه القاعدة الاقتصادية الصلبة بواحدة من أعنف الأزمات في تاريخه الحديث. فمنذ عام 2019، دخل البلد في انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، صنّفه البنك الدولي ضمن أسوأ ثلاث أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر. ومع فقدان الليرة اللبنانية ما يفوق 95 في المئة من قيمتها، تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات انهيارية، وانكفأت الدولة عن القيام بوظائفها الأساسية، فكان التعليم من أولى الضحايا وأكثرها هشاشة.

التسرّب المدرسي: كلفة الانهيار على الأجيال

أفرزت الأزمة واقعًا تربويًا مأساويًا، تجلّى في اتساع ظاهرة التسرّب المدرسي. فوفق أحدث تقارير يونيسف، بات نحو طفل واحد من كل ثلاثة أطفال في لبنان خارج التعليم أو خارج التعلّم الفعلي، سواء بسبب الانقطاع الكامل أو الحضور الشكلي غير المنتج. وتشير التقديرات إلى وجود قرابة نصف مليون طفل خارج المدرسة، في بلد لطالما تفاخر بنسبة التحاق مرتفعة وتنوّع تعليمي لافت.

لم يعد التعليم عبئًا مرحليًا، بل كلفة يومية تعجز عنها الأسر: نقل، قرطاسية، كهرباء، إنترنت، في ظل غياب أي شبكة أمان اجتماعي. وتظهر الدراسات أن 4 من كل 10 شباب اضطروا إلى خفض إنفاقهم التعليمي لصالح الغذاء والدواء، فيما 3 من كل 10 انقطعوا عن التعليم كليًا. وهنا، لا نتحدث عن فجوة تعليمية عابرة، بل عن تعطّل في المسار الحياتي والمهني لجيل كامل.

هجرة الأدمغة وشلل الكادر التعليمي

في موازاة نزف الطلاب، تعرّض النظام التربوي لنزف أخطر تمثّل في هجرة المعلمين والأساتذة. فقد تآكلت رواتبهم بنسبة قاربت 98 في المئة بفعل الانهيار النقدي، ما دفع آلاف الكفاءات إلى ترك المهنة أو الهجرة خارج البلاد. وداخل لبنان، دخل التعليم الرسمي في دوامة إضرابات طويلة، ضاعت خلالها عشرات الأيام الدراسية، وتعمّقت الفجوة بين التعليم المعلن والتعليم الفعلي.

هذا الواقع لم يضرب جودة التعليم فحسب، بل ضرب الثقة به، ودفع أعدادًا كبيرة من التلامذة إلى الانتقال القسري من التعليم الخاص إلى الرسمي، ما فاقم الضغط على مدارس تعاني أصلًا من نقص التمويل والموارد.

التعليم والأمن القومي: علاقة مصيرية

تاريخيًا، قام الكيان اللبناني على ثلاث ركائز: الأمن، المال، والتعليم. وإذا كان الأمن يحمي الحدود، والمال يدير الدورة الاقتصادية، فإن التعليم يصنع الإنسان القادر على حماية الدولة وإنتاج ثروتها. من هنا، فإن انهيار التعليم لا يُختزل بأزمة تربوية، بل يُترجم خللًا مباشرًا في الأمن القومي.

وقد حذّرت اليونسكو من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى فجوة جيلية عميقة، حيث يفقد الأطفال والشباب مهارات القراءة والتفكير والإنتاجية. كما يؤكد البنك الدولي أن الانقطاع الطويل عن التعليم لا يعني توقف التعلّم فحسب، بل فقدان ما تم تعلّمه سابقًا، ما ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي وسوق العمل.

اقتصاد بلا تعليم… تنمية بلا مستقبل

اقتصاديًا، لا يمكن فصل أزمة التعليم عن مسار الانهيار العام. فالدراسات الدولية تُظهر أن كل سنة تعليم إضافية ترفع دخل الفرد المستقبلي بنحو 8 إلى 10 في المئة، فيما يؤدي التسرب المدرسي الواسع إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط والبعيد. وفي لبنان، يعني استمرار هذا النزيف تكريس اقتصاد هش، قائم على العمالة غير الماهرة والهجرة، بدل اقتصاد المعرفة والإنتاج.

الخاتمة: التعليم كخيار إنقاذ لا كترف إصلاحي

إن خطورة أزمة التعليم في لبنان لا تكمن في حدّتها الآنية فحسب، بل في طابعها البنيوي طويل الأمد. فجيل يُحرَم اليوم من التعليم الجيد، هو جيل سيواجه غدًا صعوبة في العمل والإنتاج والمواطنة الفاعلة. من هنا، لا يجوز التعامل مع التعليم بمنطق الحلول الظرفية، بل بوصفه خيارًا وجوديًا للدولة.

إعادة الاعتبار للتعليم تبدأ من استقرار الكادر التعليمي ماديًا ومعنويًا، باعتباره حجر الزاوية في أي إصلاح. كما تتطلب إعادة تصميم التمويل التربوي عبر شراكة شفافة بين الدولة والجهات الدولية والقطاع الخاص، وربط التعليم بسوق العمل والاقتصاد المنتج. ويوازي ذلك الاستثمار الجاد في التعليم الرقمي والتعليم المدمج، لا كبديل اضطراري، بل كخيار استراتيجي يقلّص الكلفة ويحدّ من التفاوت.

 إلى صنّاع القرار

إلى صنّاع القرار في لبنان، إن التعليم ليس بندًا مؤجّلًا في الموازنة، ولا ملفًا تفاوضيًا ثانويًا، بل هو الميزان الحقيقي لقيمة الدولة ومستقبلها. إن أي خطة إنقاذ اقتصادي تتجاهل التعليم محكوم عليها بالفشل، لأن الاقتصادات لا تُبنى من دون إنسان متعلّم، ولا تُستعاد الثقة من دون مدرسة وجامعة فاعلتين. فإما أن يُوضع التعليم في صدارة الأولويات الوطنية اليوم، أو يُترك الغد رهينة جهل منظّم وفقر مستدام.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غلوب مد لبنان تفوز بإدارة الخدمات الاستشفائية والطبية لصندوق تعاضد أطبّاء الأسنان في لبنان

فازت غلوب مد لبنان، شركة إدارة المطالبات الصحية الرائدة في لبنان، بإدارة الخدمات الطبية والاستشفائية ...

الهيئة المنظمة للاتصالات: على مزودي خدمات الإنترنت نقل جميع المشتركين إلى شبكات قانونية ومرخصة

أشارت الهيئة المنظمة للاتصالات في بيان، الى أنها أصدرت “قرارا رقم 4/2026 موجها إلى جميع ...

طيران الرياض وماستركارد تعلنان عن شراكة عالمية استراتيجية لإحداث نقلة نوعية في تجارب السفر عبر حلول رقمية متعددة

• طيران الرياض تطلق لأول مرة، بطاقات ماستركارد الائتمانية ومسبقة الدفع التي تحمل علامة “طيران ...