كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يشهد مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) موجة صعود واضحة، مقتربًا من المستوى النفسي 100، في إشارة لا يمكن فصلها عن تصاعد الطلب العالمي على الأصول الآمنة. ومن وجهة نظري، فإن هذا الارتفاع لا يعكس فقط قوة العملة الأمريكية في حد ذاتها، بل يكشف عن تحول أعمق في سلوك المستثمرين نحو التحوط في بيئة تتسم بقدر متزايد من الضبابية الجيوسياسية. فعندما يقترب المؤشر من هذه المستويات الحساسة، فإننا لا نتحدث عن حركة فنية قصيرة الأجل، بل عن إعادة تموضع لرؤوس الأموال العالمية، خاصة مع تراجع الثقة في استقرار سلاسل الإمداد والطاقة.
كما أن العامل الجيوسياسي يظل المحرك الرئيسي لهذا التحول، خصوصًا مع رفض إيران لخطة وقف إطلاق النار الأمريكية، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لأحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وتحليلي يشير إلى أن الأسواق لم تسعّر بعد بشكل كامل سيناريو الإغلاق المطول للمضيق، خاصة مع تزايد احتمالات التصعيد. لإن مطالبة طهران بتعويضات وسيادة على المضيق ترفع سقف التفاوض بشكل كبير، ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار. وفي هذه البيئة، يصبح الدولار المستفيد الأول، ليس لقوته الاقتصادية فقط، بل لكونه الملاذ الأكثر سيولة وموثوقية في أوقات الأزمات.
وفي المقابل، فإن تحركات دونالد ترامب بإعطاء مهلة 10 أيام قبل أي تصعيد عسكري تضيف عنصرًا تكتيكيًا مهمًا للأسواق. وبرأيي، هذا القرار يعكس محاولة موازنة بين الضغط السياسي والحفاظ على استقرار الأسواق العالمية، خاصة في قطاع الطاقة. وهذه المهلة تخلق نافذة قصيرة للدبلوماسية، لكنها أيضًا تبقي المستثمرين في حالة ترقب عالية، وهو ما يفسر التذبذب الحاد في الأصول الخطرة. والتهدئة المؤقتة التي شهدناها في نهاية التداول لا تعني تغير الاتجاه، بل هي مجرد استراحة تكتيكية ضمن مسار صاعد للدولار مدفوع بالخوف.
أما على صعيد السياسة النقدية، فإن موقف الاحتياطي الفيدرالي يعزز هذا الاتجاه بشكل واضح. تثبيت الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًا مع الإشارة إلى خفض واحد فقط خلال العام يعكس قناعة صانعي السياسة بأن التضخم، خاصة المرتبط بالطاقة، لا يزال يمثل تهديدًا قائمًا. ومن وجهة نظري، فإن تصريحات جيروم باول حول “صدمة الطاقة” تحمل دلالة مهمة: البنك المركزي يدرك أن الصراع الجيوسياسي قد يطيل أمد التضخم، ما يبرر الإبقاء على سياسة نقدية متشددة. هذا المزيج بين عوائد مرتفعة ومخاطر عالمية هو الوصفة المثالية لدعم الدولار على حساب العملات الأخرى.
والبيانات الاقتصادية، مثل استقرار طلبات إعانة البطالة عند 210 آلاف، تعطي إشارة إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال متماسكًا رغم التحديات. وفي تحليلي، هذا التماسك يمنح الفيدرالي مساحة أكبر للحذر، ويعزز ثقة المستثمرين في أن الولايات المتحدة قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية بشكل أفضل من غيرها. وبالتالي، فإن الفجوة في العوائد بين الدولار والعملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والين ستستمر في دعم تدفقات رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة.
ومن زاوية أسواق الطاقة، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز يمثل نقطة تحول خطيرة. وتوقعاتي تشير إلى أن أي إطالة أمد الأزمة ستدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى بكثير مما هو مسعّر حاليًا، وهو ما سيعيد إشعال موجة تضخمية عالمية. وهذا السيناريو، وإن كان سلبيًا للنمو العالمي، إلا أنه إيجابي للدولار على المدى المتوسط، لأنه يعزز مكانته كملاذ آمن ويزيد من احتمالات بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول. في المقابل، الاقتصادات الآسيوية، التي بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات طارئة، ستكون الأكثر تضررًا، ما قد ينعكس سلبًا على عملاتها.
وفي ظل غياب بيانات اقتصادية مؤثرة في الأجندة اليومية، تصبح الأسواق رهينة الأخبار والتصريحات السياسية. وهذا، من وجهة نظري، يرفع من درجة التذبذب ويجعل التحليل التقليدي القائم على البيانات أقل فعالية في المدى القصير. المستثمر الذكي في هذه المرحلة هو من يراقب تدفق الأخبار الجيوسياسية بنفس دقة متابعته للمؤشرات الاقتصادية، لأن المحرك الحقيقي للأسواق أصبح سياسيًا بامتياز.
وخلاصة رؤيتي أن الاتجاه العام لا يزال يميل لصالح الدولار، مع احتمالات اختبار مستوى 100 وربما تجاوزه في حال استمرار التوترات. ومع ذلك، فإن أي انفراجة دبلوماسية مفاجئة قد تؤدي إلى تصحيح سريع، خاصة في ظل تمركز كبير للمستثمرين في مراكز شراء على الدولار. لذلك، أتوقع مرحلة من التقلبات العالية، لكنها ضمن اتجاه صاعد، حيث يبقى العامل الحاسم هو تطورات الأزمة في الشرق الأوسط، وليس البيانات الاقتصادية التقليدية.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية