الذهب (XAUUSD) عند مفترق طرق: بين ضغط الفيدرالي وقوة الطلب… إلى أين يتجه السعر؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

لا يتحرك الذهب اليوم وفق القواعد الكلاسيكية التي اعتاد عليها المستثمرون، وهذه المفارقة ليست عرضية بل تعكس تحولًا أعمق في بنية السوق. ومن وجهة نظري ، فإن التراجع الملحوظ في أسعار الذهب قرب 4626 دولار رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع مستويات عدم اليقين العالمي يكشف أن العوامل التقليدية مثل “الملاذ الآمن” لم تعد كافية لتفسير حركة الأسعار على المدى القصير. فنحن أمام سوق يعيد تسعير نفسه بناءً على محددات أكثر تعقيدًا، في مقدمتها السياسة النقدية الأمريكية والعوائد الحقيقية، وهو ما يفرض قراءة أكثر عمقاً بعيدًا عن السرديات التقليدية.

وأرى أن العامل الحاسم في المرحلة الحالية ليس الطلب على الذهب بحد ذاته، بل تكلفة الاحتفاظ به. فعندما ترتفع العوائد الحقيقية نتيجة سياسات نقدية متشددة، يصبح الذهب – كأصل لا يدر عائدًا – أقل جاذبية نسبيًا. وهذا ما يفسر التراجع الذي شهدناه رغم تسجيل الطلب العالمي مستويات قياسية. ومن وجهة نظري، السوق لا ينكر قوة الطلب الهيكلي، لكنه يؤجل أثره لصالح متغيرات دورية أكثر تأثيرًا في المدى القريب، وهو ما يعكس هيمنة السياسة النقدية على سلوك المستثمرين في هذه المرحلة.

وأعتقد أن موقف الاحتياطي الفيدرالي يمثل نقطة الارتكاز الأساسية في تحديد الاتجاه. استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مؤشرات مثل الإنفاق الاستهلاكي الشخصي يعني ببساطة أن أي تحول نحو التيسير النقدي لا يزال بعيدًا. بل على العكس، فإن احتمالية رفع أسعار الفائدة مجددًا أصبحت جزءًا من تسعير الأسواق. ومن وجهة نظري، هذه البيئة تمثل بيئة معاكسة للذهب على المدى القصير، لأن كل ارتفاع في الفائدة يعزز قوة الدولار ويرفع العوائد، وبالتالي يزيد الضغط على المعدن الأصفر.

وما يزيد من تعقيد المشهد هو الدور غير المباشر لأسواق الطاقة. فارتفاع أسعار النفط، الذي كان تاريخيًا داعمًا للذهب عبر بوابة المخاطر، أصبح اليوم عاملًا ضاغطًا عليه. تحليلي يشير إلى أن العلاقة لم تعد مباشرة، بل تمر عبر قناة التضخم. ارتفاع النفط يغذي التضخم، والتضخم يدفع الفيدرالي للتشدد، والتشدد يرفع العوائد الحقيقية، وهذه بدورها تضغط على الذهب. ومن وجهة نظري، هذه الحلقة تمثل أحد أهم التحولات في فهم تحركات السوق الحالية، حيث لم تعد الجيوسياسة تدعم الذهب بشكل تلقائي.

ورغم هذه الضغوط، لا يمكن تجاهل الأساسيات القوية التي تدعم الذهب على المدى الطويل. الطلب السيادي، خاصة من البنوك المركزية، يمثل أرضية صلبة للسوق. ومن وجهة نظري، هذا النوع من الطلب لا يتحرك بدوافع المضاربة، بل يعكس إعادة هيكلة في الاحتياطيات العالمية وتقليل الاعتماد على الدولار. لذلك، أرى أن أي تراجعات حادة في الأسعار ستقابل بعمليات شراء استراتيجية، مما يحد من الهبوط ويؤسس لدورات صعود لاحقة.

لكن في المدى القريب، أرجح استمرار الاتجاه الهابط أو على الأقل التحرك ضمن نطاق ضاغط. السبب في ذلك أن المحفزات اللازمة لعكس الاتجاه لم تظهر بعد. ومن وجهة نظري، يحتاج الذهب إلى أحد ثلاثة عوامل رئيسية: إما تراجع واضح في التضخم، أو تحول في لهجة الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير، أو انفراجة جيوسياسية تقلل من ضغوط الطاقة. دون هذه العوامل، ستبقى القوى الدورية الهابطة هي المسيطرة.

أما على مستوى التوقعات السعرية، فأنا أتبنى سيناريو مزدوج المسار. في المدى القصير، أرى أن الذهب قد يواجه مزيدًا من الضغوط، مع احتمالية اختبار مستويات أدنى قبل أن يجد دعمًا قويًا من الطلب المؤسسي. لكن على المدى المتوسط إلى الطويل، أعتقد أن الاتجاه العام لا يزال صاعدًا، مع إمكانية استهداف مستويات قياسية جديدة قد تقترب من نطاق 5500 إلى 6400 دولار، خاصة إذا بدأ الفيدرالي في تخفيف سياسته أو دخل الاقتصاد العالمي في مرحلة تباطؤ تدفع نحو التيسير.

وفي النهاية، أرى أن السوق يعيش حالة صراع حقيقية بين قوى هيكلية داعمة وقوى دورية ضاغطة. هذا الصراع لن يُحسم سريعًا، بل سيستمر في تشكيل تحركات الذهب خلال الفترة القادمة. ومن وجهة نظري، المستثمر الذكي هو من يدرك هذا التوازن، فلا ينجرف وراء السرديات التقليدية، ولا يتجاهل في الوقت ذاته الأساسيات طويلة الأجل. الذهب لم يفقد بريقه، لكنه يمر بمرحلة إعادة تسعير تعكس واقعًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، وهذا ما يجعل تحليله اليوم أكثر تحديًا… وأكثر أهمية.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أومودا وجايكو تعزّز رؤيتها العالمية لمستقبل التنقل عبر جناح المنظومة المتكاملة

استعرضت أومودا وجايكو (OMODA & JAECOO) جناح المنظومة المتكاملة خلال قمة أعمال شيري الدولية 2026 ...

صيف الصمود.. كيف يواجه الشرق الأوسط تحديات السفر العالمية؟

التعليق التالي عن هاني أبوعاقلة كبير محللي الأسواق في XTB MENA مع انطلاق موسم العطلات ...

276 مليون دولار أمريكي أرباح مجموعة البنك العربي للربع الأول من العام 2026

حققت مجموعة البنك العربي نتائج ايجابية خلال الربع الاول من العام 2026، حيث بلغت الارباح ...