بقلم د. خالد عيتاني رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
لم يعد قطاع الـ Outsourcing في لبنان مجرد نشاط اقتصادي ثانوي أو وظيفة مساندة لاقتصادٍ يعاني أزمات بنيوية، بل أصبح تدريجيًا أحد أكثر المسارات الواقعية القادرة على إعادة تعريف الدور الاقتصادي للبنان في المنطقة. فبينما تراجعت الصناعة التقليدية، وتآكلت الوظيفة المحلية، وازدادت الهجرة، ظهر قطاع الخدمات الرقمية والتعهيد الخارجي بوصفه أحد آخر القطاعات القادرة على تحويل الأزمة من عبء داخلي إلى فرصة تصديرية عابرة للحدود. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة اللبنانية: فالدولة التي خسرت جزءًا كبيرًا من قدرتها الإنتاجية التقليدية، ما زالت تمتلك ثروة يصعب انهيارها بسرعة، وهي العقول ذات المهارات العالية، والنخب الفكرية، والقوة البشرية متعددة اللغات وعالية التعليم. وتشير بيانات البنك الدولي ومنظمات التعليم الدولية إلى أن لبنان يمتلك واحدًا من أعلى معدلات التعليم الجامعي في المنطقة، فيما صنّف تقرير التنافسية العالمي 2017–2018 لبنان في المرتبة 18 عالميًا في جودة النظام التعليمي والرابعة عالميًا في جودة تعليم الرياضيات والعلوم، وهي أرقام تفسر لماذا استطاعت الشركات العالمية الاعتماد على الكفاءات اللبنانية في قطاعات دقيقة تتجاوز خدمة العملاء التقليدية.
البداية الرسمية لفهم هذا القطاع تعود إلى الدراسات والتقارير التي نشرتها Investment Development Authority of Lebanon في مرحلة ما قبل الانهيار الاقتصادي، حين صنّفت قطاع الـ BPO اللبناني ضمن ثلاثة مسارات رئيسية: مراكز الاتصال، وعمليات الدعم الخلفي في المالية والمحاسبة والموارد البشرية، وخدمات التعهيد التكنولوجي أو ما يعرف بـ ITO. ووفق تلك البيانات، كان في لبنان نحو 200 شركة تعمل ضمن هذه الأنشطة، توظف ما يقارب 5050 موظفًا، منهم أكثر من 4143 موظفًا في شركات التكنولوجيا والتعهيد التقني، فيما كانت مراكز الاتصال الثمانية وحدها توظف نحو 900 عامل. والأهم أن أكثر من 90% من العاملين في القطاع كانوا يعملون في خدمات ذات قيمة مضافة، تمتد من خدمة العملاء وصولًا إلى تصميم البرمجيات والأنظمة التقنية المعقدة. كما أشارت التقارير إلى أن شركات عالمية مثل Samsung وOrange Telecom وNestlé وHP وCisco Learning Academy استفادت من البيئة اللبنانية متعددة اللغات ومن انخفاض الكلفة التشغيلية مقارنة بالخليج والأسواق المتقدمة،
حيث كانت كلفة اليد العاملة اللبنانية أقل بحوالي 27% من دول الخليج وأقل بحوالي 55% من عدد من الاقتصادات المتقدمة. كما قدّرت الصناعة العالمية للـ outsourcing عام 2017 بنحو 88.9 مليار دولار.
لكن الأرقام الأهم ليست فقط عدد الشركات أو الموظفين، بل القيمة الاقتصادية التراكمية لهذا القطاع. فوفق التقديرات المجمعة المبنية على أحجام الشركات اللبنانية، والبيانات المنشورة لبعض المؤسسات الكبرى، والتوسع الذي شهده قطاع البرمجيات والخدمات الرقمية بعد 2020، يُقدّر أن قطاع الـ outsourcing والخدمات الرقمية العابرة للحدود في لبنان بات يشغّل بشكل مباشر وغير مباشر ما بين 15 ألفًا إلى 25 ألف عامل ومتعاون وفريلانسر بين موظفين دائمين، ومتعاقدين عن بُعد، وفرق تشغيل موزعة. كما تشير تقديرات السوق غير الرسمية إلى أن الحجم السنوي المجمع للإيرادات التي يولدها القطاع اللبناني—بما يشمل البرمجيات، وخدمات الـ BPO، والـ managed services، والـ shared services، وعمليات البيانات والذكاء الاصطناعي، وخدمات الرعاية الصحية الرقمية—قد يتراوح بين 400 مليون ومليار دولار سنويًا إذا أُخذت بعين الاعتبار الشركات اللبنانية، والعقود الخارجية، والعمليات الرقمية المرتبطة بلبنان بشكل مباشر وغير مباشر. ورغم غياب قاعدة بيانات رسمية حديثة بعد 2018، فإن هذا الرقم يعكس تحول القطاع من نشاط محدود إلى اقتصاد تصديري رقمي حقيقي قادر على إدخال العملات الأجنبية إلى لبنان، وخلق وظائف قائمة على المعرفة والمهارات العالية بدل الاقتصاد الريعي التقليدي.
لكن هذه الصورة التي تعود بمعظمها إلى 2017–2018 لم تعد كافية لفهم واقع القطاع في 2026. فالـ outsourcing اللبناني لم يعد مجرد “مراكز اتصال” أو “خدمة هاتفية”، بل تطور إلى منظومة أوسع تشمل هندسة البرمجيات، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، والهندسة المالية الرقمية، وعمليات الذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية الرقمية، ومراكز الخدمات المشتركة، والعمليات التشغيلية الإقليمية العابرة للحدود. وتشير تقارير سوق التكنولوجيا العالمية إلى أن الإنفاق العالمي على خدمات الـ IT outsourcing والخدمات الرقمية تجاوز مئات مليارات الدولارات سنويًا، فيما أصبحت قطاعات مثل AI Operations وCloud Infrastructure وCybersecurity من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما أن التحول نحو العمل عن بُعد بعد جائحة كورونا والانهيار النقدي اللبناني جعل لبنان أكثر تنافسية من حيث الكلفة، ما دفع شركات أجنبية إلى توظيف كفاءات لبنانية مباشرة دون الحاجة إلى إنشاء فروع تشغيلية كبيرة داخل البلاد.
ومن هنا، لم يعد من الدقيق النظر إلى شركات الـ outsourcing في لبنان بوصفها مجموعة شركات متفرقة تعمل في المجال نفسه، بل بات القطاع نفسه ينقسم إلى نماذج اقتصادية وتشغيلية مختلفة تعكس تطور الاقتصاد الرقمي العالمي.
فالنموذج الأول هو نموذج الـ Call Centers وCustomer Experience Operations، وتمثله شركات مثل SmartSource وTSI TeleSupport International وTeleperformance، حيث يرتكز العمل على إدارة العلاقة مع العملاء، والدعم التقني، والمبيعات، والـ omnichannel operations متعددة اللغات. هذا النموذج شكّل البوابة الأولى لدخول لبنان إلى اقتصاد الـ outsourcing، مستفيدًا من الميزة اللغوية اللبنانية وقدرة السوق المحلي على خدمة الخليج وأوروبا الفرنكوفونية في آن واحد.
أما النموذج الثاني فهو نموذج الـ Managed Services والـ IT Outsourcing، وتمثله شركات مثل Capital Outsourcing وTecomsa وSoft Flow، حيث انتقل لبنان من بيع “خدمة تشغيلية بسيطة” إلى تصدير خدمات البنية
التحتية الرقمية، والاستضافة السحابية، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة التقنية. وهنا بدأت القيمة المعرفية للخدمة اللبنانية ترتفع تدريجيًا، مع توسع الطلب العالمي على cloud infrastructure وmanaged operations.
ثم ظهر النموذج الثالث الأكثر تعقيدًا، وهو نموذج الـ Fintech Engineering والخدمات الرقمية عالية القيمة، وتمثله بوضوح شركة Murex، التي تطور أنظمة مالية عالمية للتداول وإدارة المخاطر والخزينة. وهذا النموذج شديد الأهمية لأنه ينقل لبنان من اقتصاد الدعم التشغيلي إلى اقتصاد إنتاج المعرفة الرقمية والهندسة البرمجية المعقدة المرتبطة بالأسواق المالية العالمية.
أما النموذج الرابع فهو نموذج الـ Shared Services والـ Digital Hubs، الذي تمثله CMA CGM، حيث لم يعد لبنان مجرد موقع تشغيل محلي، بل تحول إلى مركز إقليمي للعمليات الرقمية، وتحليل البيانات، وإدارة سلاسل الإمداد، والخدمات المشتركة العابرة للحدود. وهذا النموذج يعكس التحول العالمي نحو تجميع العمليات الإقليمية داخل مراكز تشغيل رقمية مرنة ومنخفضة الكلفة وعالية المهارة.
وفي موازاة ذلك، ظهر نموذج خامس أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الرقمي الجديد، وهو نموذج الـ AI/Data Operations والـ
Impact Outsourcing، وتمثله B.O.T ومنصات العمل الرقمي الموزع، حيث أصبح تشغيل البيانات، وتصنيف بيانات الذكاء الاصطناعي، والعمل الحر الرقمي، جزءًا من الاقتصاد العالمي الجديد القائم على distributed digital labor وremote operations.
وبين هذه النماذج الخمسة، تتوزع أيضًا عشرات الشركات اللبنانية الأخرى مثل BSO وIncoding وCodendot وMediConnectSource وFusion Second وAbiroot وOutsource2Lebanon وBusiness Lobby وغيرها، ما يعكس أن قطاع الـ outsourcing اللبناني لم يعد قطاعًا واحدًا متجانسًا، بل أصبح منظومة اقتصادية رقمية متعددة المستويات، تمتد من خدمة العملاء إلى هندسة البرمجيات المالية والعمليات الرقمية عالية التعقيد.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: إن الـ outsourcing في لبنان لم يعد قائمًا على وظيفة منخفضة المهارة، بل أصبح يحتاج إلى طيف واسع من الاختصاصات، يبدأ من خدمة العملاء واللغات، ولا ينتهي عند هندسة البرمجيات، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وهندسة الشبكات، والإدارة الصحية، والتمريض، والتسويق الرقمي، وتحليل الأعمال، والـ ERP، والهندسة المالية. وهذا يقود إلى معادلة اقتصادية–تربوية شديدة الحساسية: فالسوق لم يعد ينتظر الجامعة، بل أصبح يفرض عليها إعادة تشكيل برامجها الأكاديمية وفق الطلب العالمي الحقيقي. فكلما توسعت شركات الـ cloud والـ cybersecurity والـ AI operations، ارتفع الطلب على تخصصات علوم البيانات، وهندسة البرمجيات، وتحليل الأعمال، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، في حين تتراجع تدريجيًا قيمة الاختصاصات المنفصلة عن التحول الرقمي العالمي. وتشير تقارير سوق العمل العالمية إلى أن وظائف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني من أسرع الوظائف نموًا عالميًا حتى 2030، فيما أصبحت الشركات تعتمد أكثر على الكفاءات القادرة على العمل ضمن distributed teams وremote operations.
وهنا يظهر التحول الأخطر في العلاقة بين التعليم وسوق العمل. ففي النموذج التقليدي، كانت الجامعات تخرّج اختصاصات ثم يبحث السوق عن كيفية استيعابها. أما اليوم، فإن سوق العمل العالمي، خصوصًا في اقتصاد الـ outsourcing، بدأ يحدد مسبقًا ما هي المهارات المطلوبة، وما هي الشهادات التي ستملك قيمة فعلية خلال السنوات القادمة. أي أن الجامعات اللبنانية لم تعد قادرة على الاستمرار بمنطق المناهج الجامدة أو البرامج المنفصلة عن الاقتصاد الرقمي، لأن
الشركات العالمية التي توظف من لبنان لم تعد تبحث فقط عن “شهادة”، بل عن مهارات تشغيلية مباشرة: مطور برمجيات قادر على العمل ضمن distributed teams، متخصص بيانات يفهم AI workflows، محلل أعمال قادر على إدارة ERP وcloud systems، أو موظف customer experience قادر على إدارة منصات omnichannel متعددة اللغات. وهذا يعني أن التعليم الجامعي نفسه سيتحوّل تدريجيًا من “تعليم معرفي عام” إلى “تعليم مهاري تشغيلي مرتبط بالسوق العالمي”.
أما الأسواق التي يخدمها لبنان فتتوزع طبيعيًا بحسب ميزة اللغة والموقع الجغرافي. فهو يخدم الخليج بالعربية والإنكليزية، وأوروبا الفرنكوفونية بالفرنسية والإنكليزية، وأميركا الشمالية في البرمجيات والرعاية الصحية والبيانات وخدمة العملاء. وهنا تكمن الميزة اللبنانية الحقيقية: ليست الكلفة وحدها، بل اجتماع اللغة، والتعليم، والمرونة، والعقول ذات المهارات العالية، والنخب الفكرية، والقدرة على فهم ثقافات متعددة والتكيف مع بيئات تشغيل عالمية مختلفة. كما أن موقع لبنان الزمني يمنحه ميزة إضافية في إدارة عمليات مشتركة بين أوروبا والخليج، وهو عنصر مهم في اقتصاد الخدمات العابرة للحدود.
لكن رغم كل ذلك، يبقى الخطر الأكبر أن يظل القطاع عفويًا ومفتتًا. فوجود أكثر من 200 شركة لا يكفي إذا لم يتحول القطاع إلى منظومة وطنية واضحة. المطلوب ليس فقط شركات تعمل منفردة، بل استراتيجية لبنانية شاملة للـ outsourcing تربط الجامعات بسوق العمل العالمي، وتبني منصات وطنية للمهارات، وتؤسس مراكز تدريب رقمية في مختلف المناطق اللبنانية، وتفتح شراكات مع الخليج وأوروبا، وتحوّل البلديات وغرف التجارة إلى منصات تصدير خدمات رقمية لا مجرد مؤسسات إدارية تقليدية. كما يحتاج لبنان إلى تحديث بنيته الرقمية، وتحسين الإنترنت والطاقة، وتقديم حوافز ضريبية لجذب الشركات العالمية، لأن المنافسة الإقليمية أصبحت تشمل دولًا مثل مصر والأردن والمغرب والهند والفلبين التي تملك استراتيجيات وطنية واضحة للقطاع.
والأخطر أن العالم نفسه يتغير بسرعة. فالـ outsourcing في 2026 لم يعد مجرد “خفض كلفة”، بل أصبح قائمًا على:
• AI-enabled operations
• cloud infrastructure
• shared services
• fintech engineering
• cybersecurity operations
• distributed digital labor
• outcome-based outsourcing
أي أن الشركات العالمية لم تعد تبحث فقط عن موظف أرخص، بل عن:
• فرق تقنية مرنة
• قدرات AI
• multilingual talent
• سرعة التنفيذ
• بيئات تشغيل موزعة عالميًا
أما على مستوى التوصيات، فإن قطاع الـ outsourcing في لبنان لم يعد يحتاج إلى حلول تقليدية، لأن طبيعة السوق العالمي نفسها تغيّرت. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن موظفي خدمة عملاء، بل عن مهندسي برمجيات، ومتخصصي بيانات، وخبراء AI وCybersecurity وCloud وERP قادرين على العمل ضمن بيئات تشغيل موزعة عالميًا. وهذا يعني أن الأزمة لم تعد في عدد الخريجين، بل في طبيعة المهارات التي يمتلكونها.
ومن هنا، تصبح الأولوية الأولى إعادة تعريف العلاقة بين الجامعة وسوق العمل. فالسؤال لم يعد: “كم عدد الطلاب الذين تتخرجهم الجامعة؟”، بل: “هل تخرّج الجامعة أصلًا مهارات يحتاجها الاقتصاد الرقمي العالمي؟”. وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة
الأكثر حساسية: كيف يجب أن تتغير كليات إدارة الأعمال في عصر الذكاء الاصطناعي والعمليات الرقمية؟ وما هي الاختصاصات التي ستتراجع قيمتها تدريجيًا إذا بقيت منفصلة عن التكنولوجيا والبيانات والتحول الرقمي؟ وهل ستبقى الشهادة الجامعية التقليدية كافية في سوق بات يمنح قيمة متزايدة للشهادات المهنية العالمية مثل AWS وGoogle Cloud وCISSP وMicrosoft وOracle وSAP؟
ففي الاقتصاد الرقمي الجديد، لم تعد الشركات العالمية تبحث فقط عن “خريج جامعي”، بل عن شخص قادر على إدارة AI workflows، والعمل ضمن cloud systems، وتحليل البيانات، وتشغيل أنظمة ERP، والتعامل مع cybersecurity operations، وإدارة فرق رقمية موزعة عبر عدة دول. وهذا يعني أن الجامعة المستقبلية لن تكون مجرد مؤسسة تمنح شهادات أكاديمية، بل منصة مهارية مرنة مرتبطة مباشرة بسوق العمل العالمي، حيث يصبح التدريب العملي، والشهادات التقنية، والمختبرات الرقمية، والتعلم المستمر، جزءًا من البنية الأساسية للتعليم نفسه.
وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: هل الجامعات اللبنانية الحالية قادرة فعلًا على مواكبة اقتصاد AI وCloud وCybersecurity؟ فالكثير من البرامج الجامعية ما زالت
تتحرك بإيقاع أبطأ بكثير من سرعة تحولات السوق العالمي، في وقت تتغير فيه طبيعة الوظائف خلال سنوات قليلة فقط. لذلك، فإن أي تأخير في تحديث المناهج وربطها بالاقتصاد الرقمي قد يعني ببساطة تخريج أعداد كبيرة من الطلاب لا يملكون المهارات التي يحتاجها السوق الفعلي.
أما الدولة اللبنانية، فلم يعد مطلوبًا منها الاكتفاء بدور تنظيمي محدود، بل الانتقال إلى دور المخطط الاقتصادي الرقمي. فلبنان يحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة للـ outsourcing والاقتصاد الرقمي تشمل تحديث البنية الرقمية، وتحسين الإنترنت والطاقة، وتقديم حوافز ضريبية للشركات الرقمية، وإنشاء digital hubs وshared services centers، وربط الجامعات ومراكز التدريب والشركات ضمن شبكة تشغيل وطنية موحدة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في بناء قطاع اقتصادي جديد، بل في تحديد موقع لبنان داخل الاقتصاد العالمي القادم. فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد قائم على:
• الذكاء الاصطناعي
• الخدمات السحابية
• العمل الرقمي الموزع
• الأتمتة
• العمليات العابرة للحدود
• الـ AI/Data Operations
• الـ Shared Services
وفي هذا العالم، لن تكون المنافسة بين الدول على الموارد الطبيعية فقط، بل على القدرة على إنتاج المهارات الرقمية وتصدير الخدمات المعرفية عالية القيمة.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في هجرة الشباب اللبناني، بل في خروج لبنان نفسه من الخريطة الاقتصادية الجديدة إذا بقي التعليم منفصلًا عن السوق، وبقي الاقتصاد الرقمي بلا رؤية وطنية واضحة. فالدول التي ستفشل في دخول الاقتصاد الرقمي لن تصبح دولًا فقيرة فقط، بل قد تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات استهلاكية تعيش على هامش الاقتصاد العالمي، فيما تنتقل القيمة الحقيقية إلى الدول القادرة على إنتاج التكنولوجيا والخدمات الرقمية والمعرفة.
ولهذا، قد لا يكون الـ outsourcing مجرد قطاع اقتصادي إضافي بالنسبة إلى لبنان، بل ربما إحدى آخر الفرص الواقعية قبل خسارة جزء كبير من رأس المال البشري اللبناني نهائيًا. فالرهان الحقيقي لم يعد على تصدير اليد العاملة الرخيصة، بل على بناء قدرة وطنية لتصدير الخدمات الرقمية، والبرمجيات، والبيانات، والمهارات التشغيلية عالية القيمة.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى الـ outsourcing في لبنان بوصفه مجرد نشاط خدماتي أو قطاع تقني محدود، بل بوصفه تحولًا اقتصاديًا–معرفيًا قد يحدد موقع لبنان في الاقتصاد العالمي القادم.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية