عملية سيندور: عهد جديد من الحزم الاستراتيجي الهندي

بقلم سعادة سفير الهند في لبنان

محمد نور رحمن شيخ

تحولت مدينة “باهالغام”، وهي منطقة جبلية خلابة تُلقب غالباً بـ “سويسرا المصغرة” في كشمير، إلى مسرح لكابوس معاصر في الثاني والعشرين من أبريل (نيسان) ٢٠٢٥. لم يكن الهجوم الذي شنه مسلحو “جبهة   المقاومة” (TRF) المدعومة من تنظيم “لشكر طيبة” مجرد هجوم إرهابي آخر في التاريخ الطويل للتمرد الكشميري، بل كان ممارسة مدروسة في القتل المستهدف. وقد أسفر هذا الهجوم الإرهابي في باهالغام عن وقوع أكبر عدد من الضحايا المدنيين في الهند منذ هجمات مومباي عام ٢٠٠٨، والتي نفذها أيضاً تنظيم لشكر طيبة.”

اتسمت مذبحة “باهالغام” ٢٠٢٥ ” بوحشية تقشعر لها الأبدان بكل تفاصيلها تمثلت في تحديد الضحايا على أساس ديني. ومن بين ٢٦ قتيلاً، ٢٥ منهم من السياح, معظمهم من الحجاج الهندوس والعرسان الجدد — بالإضافة إلى عامل محلي مسلم (سائق بغال) لقي حتفه وهو يحاول إنقاذهم. لقد كان الإرهابيون يأملون أن يؤدي هذا الاستهداف القائم على الهوية الدينية إلى إشعال فتيل أعمال شغب طائفية في جميع أنحاء البلاد، ليقوم الشعب بتنفيذ مخططاتهم نيابة عنهم. ومع ذلك، ظلت الهند متحدة وواجهت هذا التحدي بصوت واحد.

في الماضي، كانت “المرونة” تُقاس غالباً بمدى سرعة المدينة في تنظيف شوارعها وإعادة فتح متاجرها. ولكن بعد مايو (أيار) 2025، أعادت الهند تعريف المرونة لتصبح “ردعاً نشطاً وتصعيدياً”. لقد تغير “معيار المرونة” من التحمل السلبي إلى الرفض القاطع للقبول بالوضع الراهن .

أظهر رد الفعل الهندي المدروس أن “عتبة الصبر” قد انخفضت بشكل دائم. وفور وقوع المذبحة، اتخذت لجنة الأمن التابعة لمجلس الوزراء (CCS) القرارات التالية:

– تعليق معاهدة مياه السند: خطوة تاريخية أشارت إلى أن الهند مستعدة لاستخدام كل أوراق الضغط والقوة — وليس العسكرية منها فحسب — لمحاربة الإرهاب المدعوم من الدول.

– إطلاق عملية “سيندور”: في السابع من مايو (أيار) ٢٠٢٥، شنت الهند ضربات صاروخية وجوية واسعة النطاق ضد البنية التحتية للإرهاب عبر خط السيطرة (LoC). لم تكن هذه “ضربة جراحية” نُفذت تحت جنح الظلام، بل كانت حملة عسكرية عالية الظهور أدت إلى تدمير ١١ قاعدة جوية وتحييد أكثر من ١٠٠ مسلح.

تم اختيار اسم “عملية سيندور” (والتي تعني المَسحوق الأحمر) لِما يحمله من رمزية عميقة، وذلك تكريماً للنساء اللواتي فقدن أزواجهن في المذبحة. ففي هجوم ٢٢ أبريل (نيسان)، كان العديد من الضحايا من الشباب والعرسان الجدد الذين كانوا يزورون الوادي. وفي التقاليد الهندوسية، يُعد “السيندور” رمزاً للزواج وطول العمر للزوج. ومن خلال تسمية الضربات الانتقامية بـ “عملية سيندور”، صاغت الدولة الهندية المهمّة كفعل رمزي للقصاص من “مسح السيندور” — أي الترمل القسري الذي فُرض على زوجات الضحايا.فرسالة الهند كانت واضحة؛ فمن خلال ‘عملية سيندور’، كانت أهدافنا هي المراكز الإرهابية في باكستان وكشمير المحتلة من قبل باكستان.”

الواقع الجديد

أثبتت أحداث مايو (أيار) ٢٠٢٥ أن الهند قد تجاوزت عصر “ضبط النفس الاستراتيجي”. فالمرونة اليوم لم تعد تعني مجرد “المضي قدماً”؛ بل أصبحت نظاماً مؤسسياً قائماً على المراقبة عالية التقنية، والقصاص العسكري الفوري، والعزل الدبلوماسي.

لقد فشل هجوم “باهالغام” في تحقيق هدفه الأساسي؛ إذ لم يشعل حرباً أهلية في الهند، بل بدأ فصلاً جديداً من الوحدة الوطنية. فمن خلال استهداف الضحايا بناءً على عقيدتهم، لم ينجح الإرهابيون في تقسيم الأمة، بل قدموا  بدلاً من ذلك الوضوح الأخلاقي والاستراتيجي لرد فعل غيّر للأبد ثمن الإرهاب العابر للحدود. لقد أدى هذا التحول إلى تطوير “معيار المرونة” بشكل جوهري؛ حيث أثبتت الهند أنها لن تسمح بعد الآن للتهديد بنشوب صراع نووي (سحابة الفطر) بأن يحول دون الرد على المذابح الطائفية، مرسخةً حقيقة أن تكلفة الإرهاب العابر للحدود ستكون من الآن فصاعداً شاملة وساحقة.

تحت القيادة الكاريزمية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تجلت مبادئ ‘الهند المعتمدة على الذات’ (أيAtmanirbhar Bharat) بشكل بارز خلال عملية سيندور حيث سخرت الهند أنظمة دفاعية ولوجستية وموارد استراتيجية مطورة محلياً لتحقيق أهداف المهمة بكفاءة عالية. وبدوره أشاد وزير الدفاع الهندي، السيد راجناث سينغ، ببأس وشجاعة القوات المسلحة التي جعلت من عملية سيندور’ فصلاً ذهبيّاً في تاريخ البلاد العسكري، مؤكداً أن العملية تجسد عزم حكومة مودي الراسخ على القضاء على الإرهاب بضربات حاسمة.

واليوم، وبعد مرور عام، ما زلنا ثابتين كما كنا دائماً في عزمنا على دحر الإرهاب وتدمير النظام البيئي الذي يدعمه.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فندق جيه أيه مانافارو يقدّم تجارب إقامة طويلة ومساكن خاصة في قلب المالديف

مع تزايد إقبال المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي على تفضيل الإقامات الطويلة والمميزة، يطرح فندق ...

نادي بوند يرفع استثماراته مع بومباردييه إلى 5 مليارات دولار لتعزيز أسطوله بطائرات غلوبال 8000

كيه كيه آر ترفع حجم التسهيلات الائتمانية إلى 290 مليون دولار لدعم تسريع جدول التسليم والتزامات الأعضاء ...

«TACTICA AI» تطلق أول منصة ذكاء اصطناعي على مستوى المنطقة لدعم القرارات التشغيلية الحساسة

أعلنت TACTICA AI، الشركة الناشئة في أبوظبي، اليوم عن منصتها متعددة المجالات لدعم اتخاذ القرارات ...