ناسداك (US100) بين مطرقة التضخم وسندان الجيوسياسة: هل تصمد أسهم التكنولوجيا أمام ضبابية الفيدرالي؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

أعتقد أن الأسواق الأمريكية تقف حالياً عند واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ بداية موجة الصعود التي قادتها أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين. فرغم أن مؤشر ناسداك 100 لا يزال يتحرك بالقرب من مستويات تاريخية مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن المشهد الكلي أصبح أكثر تعقيداً مع تداخل ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في عودة المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتصاعد الشكوك بشأن المسار المستقبلي للتضخم والسياسة النقدية الأمريكية. ومن وجهة نظري، فإن هذه العوامل مجتمعة ستحدد الاتجاه القادم للأسهم الأمريكية خلال النصف الثاني من عام 2026 أكثر من أي عامل آخر.

كما شهدت الأسواق خلال الأيام الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في أسهم التكنولوجيا الكبرى، وهو ما انعكس بوضوح على أداء مؤشر ناسداك 100 مقارنة ببقية المؤشرات الأمريكية. وبرأيي فإن هذا التراجع لا يعكس ضعفاً جوهرياً في الشركات التكنولوجية نفسها، بل يمثل عملية إعادة تسعير للمخاطر بعد فترة طويلة من التفاؤل المفرط المرتبط بالذكاء الاصطناعي. فالمستثمرون باتوا أكثر حساسية تجاه أي ارتفاع في العوائد أو أي تغير في توقعات الفائدة، نظراً لأن تقييمات العديد من شركات التكنولوجيا أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية بعيدة المدى. وكلما ارتفعت العوائد الحقيقية على السندات، ازدادت الضغوط على هذه التقييمات المرتفعة.

وفي تقديري، فإن العامل الأكثر أهمية حالياً لا يتمثل في أرباح الشركات أو نتائجها التشغيلية، بل في التوقعات المتعلقة بالتضخم الأمريكي. فبعد أشهر من الاعتقاد بأن التضخم يسير بثبات نحو التراجع، عادت أسعار الطاقة لتشكل مصدر قلق جديد للأسواق. ورغم التراجع المؤقت الذي شهدته أسعار النفط عقب التقدم الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، فإن عودة التوترات الجيوسياسية والتصريحات المتشددة أعادت بناء جزء كبير من علاوة المخاطر في سوق الطاقة. وهذا التطور قد يحول دون استمرار الانخفاض المتوقع في التضخم خلال الأشهر المقبلة.

ومن وجهة نظري، فإن أهمية بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي هذا الأسبوع تتجاوز مجرد كونها قراءة اقتصادية دورية. فهذه البيانات تمثل أول اختبار حقيقي للأسواق بعد التحول الأكثر تشدداً في لهجة الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه الأخير. وإذا أظهرت البيانات استمرار الضغوط التضخمية أو تسارعها، فإن الأسواق ستجد نفسها مضطرة لإعادة تسعير توقعات الفائدة مرة أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في عوائد السندات وبالتالي زيادة الضغوط على أسهم النمو والتكنولوجيا.

كما أرى أن ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو مستويات 4.50% يحمل رسالة مهمة لا ينبغي تجاهلها. فالسوق لم يعد يتعامل مع التضخم باعتباره مشكلة مؤقتة، بل بدأ يعيد تقييم احتمالات استمرار التشدد النقدي لفترة أطول. وعندما ترتفع العوائد بهذا الشكل، فإن المستثمرين يحصلون على بديل استثماري أكثر جاذبية مقارنة بالأصول مرتفعة المخاطر، الأمر الذي يؤدي غالباً إلى خروج جزء من السيولة من أسواق الأسهم، وخاصة من الشركات ذات التقييمات المرتفعة.

ورغم هذه التحديات، لا أعتقد أن الاتجاه الصاعد طويل الأجل لمؤشر ناسداك 100 قد انتهى. فما زالت ثورة الذكاء الاصطناعي تمثل محركاً هيكلياً قوياً للنمو، وما زالت الشركات الكبرى تتمتع بميزانيات قوية وتدفقات نقدية ضخمة وقدرة استثنائية على الاستثمار والتوسع. إلا أنني أرى أن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عن الموجة الصاعدة السابقة، حيث ستصبح الأسواق أكثر انتقائية، ولن تستفيد جميع شركات التكنولوجيا بنفس القدر من التدفقات الاستثمارية كما حدث خلال الفترة الماضية.

وفي تقديري، فإن المستثمرين المؤسسيين بدأوا بالفعل بالتحول من مرحلة الشراء العشوائي المرتبط بقصة الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التركيز على الشركات القادرة فعلياً على تحويل هذا الزخم التكنولوجي إلى أرباح ونمو مستدام. ولذلك فإن التذبذب الحالي قد يمثل عملية صحية لإعادة تقييم الأسعار وليس بالضرورة بداية سوق هابطة طويلة الأجل.

أما فيما يتعلق بالأسبوع الحالي، فأعتقد أن الأسواق ستظل رهينة عاملين رئيسيين؛ الأول هو مسار المحادثات المتعلقة بإيران وما إذا كانت ستؤدي إلى تهدئة مستدامة تسمح باستقرار أسعار الطاقة، والثاني هو بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة. وإذا جاءت بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي أعلى من المتوقع بالتزامن مع استمرار ارتفاع النفط، فإن ناسداك 100 قد يواجه موجة تصحيح إضافية على المدى القصير. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً واضحاً في التضخم الأساسي، فقد نشهد عودة قوية للطلب على أسهم التكنولوجيا واستئناف الاتجاه الصاعد.

بناءً على المعطيات الحالية، أميل إلى الاعتقاد بأن مؤشر ناسداك 100 يمر بمرحلة تصحيح وتقييم أكثر من كونه بصدد تغيير جذري في الاتجاه. لكنني أتوقع استمرار ارتفاع مستويات التذبذب خلال الفترة المقبلة مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب لمسار التضخم والفائدة. لذلك أرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تحركات عرضية متقلبة على المدى القصير، يعقبها استئناف تدريجي للاتجاه الصاعد إذا بدأت البيانات الاقتصادية بإظهار انحسار الضغوط التضخمية واستقرار أسعار الطاقة. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق الأمريكية، وناسداك 100 على وجه الخصوص، في اختبار حقيقي بين قوة الابتكار التكنولوجي من جهة وضغوط التضخم والسياسة النقدية من جهة أخرى.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حجم التداول اليومي على أسهم BingX TradFi يقفز 700% خلال خمسة أيام مع ارتفاع الطلب على تداول الأصول المتعددة

أعلنت BingX، إحدى منصات تداول العملات الرقمية الرائدة وشركة Web3-AI، اليوم أن حجم التداول اليومي ...

البتكوين يجد دعماً في ظل تحسن المعنويات الجيوسياسية، والرياح الهيكلية المعاكسة مستمرة

تحليل السوق التالي عن رامي زيتوني محلل أسواق عالمية – في شركة رامي زيتوني ارتفع ...

سفارة الهند في بيروت تنظم النسخة الثانية عشرة من اليوم العالمي لليوغا تحت شعار “اليوغا من أجل شيخوخة صحية”

نظّمت سفارة الهند في بيروت النسخة الثانية عشرة من اليوم العالمي لليوغا في فندق السان ...