كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يمر الذهب اليوم بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ سنوات، ليس بسبب ضعف العوامل الداعمة له، وإنما بسبب تغير طريقة استجابة الأسواق لهذه العوامل. فعلى مدار عقود، كان المعدن النفيس المستفيد الأول من تصاعد المخاطر الجيوسياسية أو اضطرابات الأسواق المالية، إلا أن المشهد الحالي يكشف عن تغير واضح في سلوك المستثمرين. فرغم التراجع الحاد في أسواق الأسهم الآسيوية، والانخفاض الكبير في أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، لم يتمكن الذهب من استعادة دوره التقليدي كملاذ آمن، بل استقر بالقرب من مستوى 4020 دولارًا بعد موجة بيع دفعت الأسعار إلى الاقتراب من 4000 دولار.
وأعتقد أن هذه المفارقة تعكس تحولًا جوهريًا في أولويات المستثمرين، حيث أصبحت السياسة النقدية الأمريكية العامل الأكثر تأثيرًا في تسعير الذهب، متقدمة على المخاطر الجيوسياسية وحتى اضطرابات الأسواق العالمية.
وبرأيي، فإن السبب الرئيسي وراء هذا الأداء الضعيف يعود إلى استمرار قوة الدولار الأمريكي وارتفاع جاذبية الأصول ذات العائد. فالمستثمر الذي كان يتجه تلقائيًا إلى الذهب عند ارتفاع مستويات القلق، أصبح اليوم يجد بدائل أكثر إغراءً، سواء في سندات الخزانة الأمريكية أو في الاحتفاظ بالدولار نفسه.
ومع استقرار مؤشر الدولار بالقرب من أعلى مستوياته الشهرية، أصبحت تكلفة الاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدر أي عائد، أعلى مقارنة بالأصول الأخرى. لذلك، أرى أن الذهب لم يعد ينافس فقط على صفة “الملاذ الآمن”، بل أصبح ينافس أيضًا على العائد، وهي معركة يصعب عليه الفوز بها طالما بقيت أسعار الفائدة الحقيقية عند مستويات مرتفعة.
وما يعزز هذه الرؤية هو أن الأسواق لم تعد تفسر البيانات الاقتصادية الضعيفة بالطريقة نفسها التي اعتادت عليها خلال الأعوام الماضية. ففي السابق، كانت أي إشارات إلى تباطؤ الاقتصاد الأمريكي كفيلة بإشعال موجة صعود قوية للذهب، لأنها كانت تعني اقتراب خفض أسعار الفائدة. أما اليوم، فإن تباطؤ بعض المؤشرات الاقتصادية لم يعد كافيًا لإقناع الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي سيغير موقفه سريعًا، خاصة في ظل استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف. لذلك أعتقد أن المستثمرين باتوا يربطون شراء الذهب بشرط واحد فقط، وهو وجود تحول واضح في مسار السياسة النقدية الأمريكية، وليس بمجرد ضعف بعض البيانات الاقتصادية أو ارتفاع مستوى المخاطر العالمية.
ومن هنا، أرى أن اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الحالي يمثل نقطة التحول الأكثر أهمية بالنسبة للذهب خلال الربع الثالث من العام. صحيح أن الأسواق تكاد تجمع على تثبيت أسعار الفائدة، لكن التركيز الحقيقي لن يكون على القرار نفسه، بل على البيان المرافق والمؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش.
ففي مثل هذه الاجتماعات، لا تتحرك الأسواق بسبب القرار بقدر ما تتحرك بسبب الرسائل المستقبلية. وإذا استمر وارش في التأكيد على أن معركة التضخم لم تنته بعد، وأن البنك المركزي مستعد للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، فإن ذلك سيمنح الدولار دفعة إضافية ويزيد الضغوط على الذهب. أما إذا أبدى مرونة أكبر وأشار إلى أن مخاطر تباطؤ الاقتصاد بدأت تتفوق على مخاطر التضخم، فقد نشهد تغيرًا سريعًا في شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس.
ومن وجهة نظري، فإن ما يلفت الانتباه أيضًا هو الانقسام الواضح في سلوك المستثمرين حول العالم. فبيانات صناديق الاستثمار المتداولة تشير إلى استمرار خروج الأموال من الصناديق الغربية المدعومة بالذهب، في حين تواصل الأسواق الآسيوية عمليات الشراء بوتيرة قوية.
وهذا يعني أن هناك رؤيتين مختلفتين تمامًا للذهب؛ الأولى تنظر إليه كأصل يتأثر بأسعار الفائدة والعوائد الحقيقية، وهي الرؤية السائدة في الأسواق الغربية، والثانية تعتبره مخزنًا طويل الأجل للقيمة ووسيلة للتحوط من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، وهي الرؤية الأكثر انتشارًا في آسيا. لذلك أعتقد أن هذا التوازن بين البيع الغربي والشراء الآسيوي هو السبب الرئيسي في بقاء الأسعار ضمن نطاق عرضي واسع دون انهيار حاد أو انطلاقة صعودية قوية.
كما أنني أرى أن انحسار التوترات الجيوسياسية خلال الأيام الأخيرة سحب من الذهب أحد أهم مصادر الدعم النفسي. فالمعدن غالبًا ما يستفيد من حالة عدم اليقين أكثر من استفادته من الأحداث نفسها. وعندما تبدأ الأسواق في الاعتقاد بأن المخاطر أصبحت تحت السيطرة، يتراجع الطلب على الذهب تدريجيًا حتى وإن بقيت بعض عوامل التوتر قائمة. لذلك، فإن استمرار الهدوء النسبي في الملفات الجيوسياسية يمنح المستثمرين مساحة أكبر للتركيز على السياسة النقدية والبيانات الاقتصادية، وهو ما يزيد من حساسية الذهب لأي مفاجآت تصدر عن الاحتياطي الفيدرالي.
وفي تقديري، فإن المرحلة الحالية لا تتطلب من المستثمرين متابعة قرار الفائدة فقط، بل مراقبة مجمل البيانات الأمريكية خلال الأيام المقبلة، وعلى رأسها مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي والناتج المحلي الإجمالي وسوق العمل. فإذا جاءت هذه البيانات أقوى من المتوقع، فسوف تتعزز توقعات استمرار التشدد النقدي، وهو ما قد يدفع الذهب إلى اختبار مستويات دعم جديدة. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤًا اقتصاديًا واضحًا ومتزامنًا مع تراجع التضخم، فقد تبدأ الأسواق بإعادة تسعير توقعاتها لخفض الفائدة، وهو السيناريو الذي أراه الأكثر إيجابية للذهب خلال الأشهر المقبلة.
وفي النهاية، أعتقد أن الذهب لا يمر بأزمة فقدان للثقة، بل بمرحلة إعادة تسعير تعتمد بالكامل على توقعات السياسة النقدية الأمريكية. وما دام الاحتياطي الفيدرالي ينجح في إقناع الأسواق بأن أسعار الفائدة ستظل مرتفعة لفترة أطول، فمن المرجح أن تبقى أي موجات صعود للذهب محدودة ومؤقتة. لكن في المقابل، فإن أي تغير في لهجة الفيدرالي أو أي تراجع ملموس في التضخم قد يعيد المعدن النفيس سريعًا إلى واجهة المشهد.
ولهذا، فإن توقعي هو استمرار التداولات المتقلبة في المدى القريب، مع بقاء الاتجاه المتوسط مرهونًا بالكامل بالرسائل التي سيبعث بها الفيدرالي للأسواق، لأن العامل الحاسم اليوم لم يعد حجم الخوف في الأسواق، بل توقيت بداية التحول الحقيقي في السياسة النقدية الأمريكية.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية