بقلم د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى واشنطن مجرد محطة دبلوماسية تُضاف إلى سجل الزيارات الرسمية، ولا صورة بروتوكولية عابرة لرئيس لبناني يصافح رئيس الولايات المتحدة في المكتب البيضاوي. كانت، في معناها الأعمق، محاولة ناجحة لإعادة لبنان إلى المكان الذي خسره تدريجيًا خلال سنوات الانهيار والفراغ والانقسام: مكان الدولة التي تتحدث باسم نفسها، لا الساحة التي يتحدث الآخرون باسمها.
ومن هنا، لا يُقاس نجاح الزيارة بعدد الصور أو بحرارة المصافحات، بل بالتحول السياسي الذي مثّلته. فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ظهر لبنان أمام واحدة من أهم عواصم القرار في العالم من خلال رئيس يحمل خطاب الدولة، ويعرض مشروعًا للسيادة، ويربط الأمن بالاقتصاد، والاستقرار بالإعمار، والجيش بالشرعية، والعلاقات الدولية بالمصلحة الوطنية.
ذهب الرئيس عون إلى واشنطن في لحظة لبنانية شديدة التعقيد: دولة منهكة ماليًا، وجنوب مثقل بالدمار، وحدود تحت الضغط، ومؤسسات تحاول استعادة دورها بعد سنوات من التراجع. ومع ذلك، لم يدخل البيت الأبيض بخطاب الضعف أو الاستجداء، بل بفكرة مركزية واضحة:
لبنان لا يطلب من العالم أن يحل محل دولته، بل أن يساعد الدولة على استعادة قدرتها ودورها.
وهذه ليست مجرد صياغة دبلوماسية، بل نقلة في تعريف علاقة لبنان بالعالم. فلبنان الذي حمله عون إلى واشنطن لم يكن لبنان الأزمة وحدها، بل لبنان الفرصة أيضًا؛ دولة تعرض شراكة سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على إنتاج الاستقرار، بدل أن تكتفي بطلب المساعدة لإدارة الانهيار.
وقد التقطت بعض الصحافة الخليجية هذا التحول من دون أن تصنعه؛ فوصفت «اندبندنت عربية» الزيارة بأنها نقلت لبنان «من الهامش إلى أولوية رئاسية»، فيما رأت «العربية» أنها أعادت تثبيته «شريكًا في الحوار الدولي، لا مجرد ساحة». أهمية هاتين العبارتين ليست في مديحهما للرئيس، بل في تشخيصهما لما حققه: إعادة لبنان من موقع الملف الذي تديره التوازنات الإقليمية إلى موقع الدولة التي تحاول التأثير فيها وحماية مصالحها.
عودة الرئاسة اللبنانية إلى قلب القرار الدولي
حين يُستقبل رئيس الجمهورية اللبنانية في البيت الأبيض، ويلتقي الرئيس الأميركي مباشرة، ويجلس معه في المكتب البيضاوي ضمن اجتماع ثنائي رسمي، فإن الرسالة لا تتعلق بالشخص وحده، بل بالمؤسسة التي يمثلها. وقد وثق البيت الأبيض استقبال الرئيس دونالد ترامب لنظيره اللبناني واجتماعهما في 21 تموز 2026، في عودة للتواصل الرئاسي المباشر بين البلدين بعد انقطاع طويل.
أعادت الزيارة رئاسة الجمهورية إلى موقعها الطبيعي بوصفها رأس الدولة، ومرجعية العلاقات الخارجية، وصاحبة الدور المحوري في إدارة الخيارات السيادية الكبرى. وهذه مسألة بالغة الأهمية في بلد انتقلت فيه ملفات أساسية، خلال مراحل طويلة، إلى قنوات موازية ووسطاء ومحاور تتحدث عن لبنان أكثر مما يتحدث لبنان عن نفسه.
نجح الرئيس عون في كسر هذا النمط. دخل واشنطن بصفته رئيس الدولة اللبنانية، لا ممثل فريق داخلي أو حامل رسالة فئوية. وتحدث من موقع المؤسسة، وعرض تصورًا يتناول الانسحاب الإسرائيلي، ودعم الجيش، وحصر القرار الأمني بيد الدولة، وإعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الثقة بالاقتصاد.
ولهذا لم تكتفِ «عرب نيوز» بوصف اللقاء بالتاريخي، بل أبرزت أن الرئيس اللبناني ضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل، وتعزيز سيادة الدولة، ودعم الجيش وإعادة الإعمار. وقدمت عون بوصفه مفاوضًا يحمل مطالب سيادية واضحة، لا مسؤولًا يزور واشنطن لتلقي التعليمات.
إن القيمة الحقيقية للاعتراف الدولي لا تكمن في منح رئيس صورة مع زعيم عالمي، بل في تثبيت المرجعية الشرعية للدولة. وهذا ما حققه عون: جعل رئاسة الجمهورية عنوانًا لا يمكن تجاوزه في أي نقاش يتعلق بالحدود والسيادة والجيش والسلام وإعادة بناء لبنان.
بروتوكول تحوّل إلى رسالة سياسية
في الدبلوماسية، لا ينفصل الشكل عن المضمون. فطريقة الاستقبال، ومستوى الاجتماع، وهوية المسؤولين الحاضرين، كلها أدوات تعكس درجة الاهتمام والرهان السياسي.
وقد أحسن الرئيس عون استخدام حضوره في المكتب البيضاوي. فلم يحصر المحادثات في ملف أمني واحد، ولم يسمح باختزال لبنان بقضية السلاح، بل وضع أمام الإدارة الأميركية رؤية تشمل السيادة، والجيش، والانسحاب الإسرائيلي، والاقتصاد، والاستثمار، والنقل، وإعادة الإعمار.
أما المناخ الذي ساد اللقاء، فقد وفر للرئيس رصيدًا سياسيًا إضافيًا. فقد تحدث ترامب عن تحقيق «تقدم كبير» مع لبنان، وأكد أن البلاد عوملت بصورة سيئة وأنها تستحق الاحترام والدعم. مثل هذا الكلام لا يشكل اتفاقًا بذاته، لكنه يمنح العهد اللبناني مساحة أوسع للتحرك داخل الإدارة الأميركية والكونغرس والمؤسسات الدولية.
وقد أظهر عون في اللقاء قدرة على مخاطبة ترامب بلغته السياسية والشخصية، من دون أن يتخلى عن المطالب اللبنانية. عرف كيف يبني مناخًا إيجابيًا، ثم يوظفه في الملفات السيادية؛ وهي مهارة لا تقل أهمية عن مضمون الموقف نفسه، ولا سيما مع رئيس يمنح العلاقات المباشرة مع القادة وزنًا استثنائيًا.
لقد تعامل عون مع الزيارة بمنطق رجل الدولة الذي يعرف أن الدبلوماسية ليست استعراضًا للقوة، بل حسن استخدام للقوة المتاحة؛ وأن الوصول إلى القرار لا يحتاج دائمًا إلى رفع الصوت، بل إلى وضوح الرؤية ودقة اللغة والقدرة على بناء الثقة.
من خطاب الشكوى إلى خطاب الشراكة
أبرز ما ميز أداء الرئيس عون أنه لم يقدم لبنان بوصفه ضحية تنتظر المساعدة، بل دولة تستطيع أن تكون شريكًا في الاستقرار إذا أُعيد تمكين مؤسساتها.
وحمل إلى واشنطن معادلة مترابطة:
انسحاب إسرائيلي، وانتشار للجيش اللبناني، وحصر للقرار الأمني بيد الدولة، وإطلاق لإعادة الإعمار، وفتح لمسارات الاستثمار والتعافي الاقتصادي.
تكمن قوة هذه المعادلة في أنها لا تفصل بين الملفات. فالاحتلال يضعف الدولة، وضعف الدولة يفسح المجال أمام السلاح الموازي، وتعدد القرار يرفع المخاطر، وارتفاع المخاطر يطرد الاستثمار، وغياب الاستثمار يعمق الفقر والهجرة ويعيد إنتاج بيئات الانقسام.
لقد فهم عون أن استعادة السيادة ليست عملية عسكرية فقط، بل عملية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة. ومن هنا نقل النقاش من معالجة أعراض الأزمة إلى معالجة بنيتها: الدولة لا تستطيع أن تصبح صاحبة القرار ما لم تكن قادرة على حماية أرضها وتمويل جيشها وإعادة بناء المناطق المتضررة وتوفير بديل اقتصادي واجتماعي حقيقي.
هذه المقاربة هي التي أعادت تعريف لبنان أمام واشنطن؛ من بلد تُدار أزماته عبر القوى غير الرسمية إلى دولة يُفترض أن تُدار شؤونها من خلال رئاستها وحكومتها وجيشها.
اعتراف أميركي بقيادة مشروع الدولة
لم يقتصر الدعم الأميركي على الكلمات الودية التي صدرت أمام وسائل الإعلام. فقد أثنى وزير الخارجية ماركو روبيو رسميًا على شجاعة الحكومة اللبنانية في ظل قيادة الرئيس عون، وعلى جهودها لاستعادة السيادة، وأكد التزام الولايات المتحدة بدعم السلام والتعافي الاقتصادي ومستقبل أفضل للشعب اللبناني.
إن الربط بين مسار استعادة الدولة وقيادة عون ليس تفصيلًا لغويًا. فالإدارة الأميركية لم تشد بخطوة منفصلة، بل وضعت الرئيس في مركز المشروع الذي تراهن عليه: دولة تستعيد قرارها، وجيش يتقدم، ومؤسسات تعود إلى ممارسة وظائفها.
ولا يعني ذلك أن واشنطن تخلت عن مصالحها أو شروطها، ولا أن دعمها أصبح تفويضًا مفتوحًا. غير أن السياسة لا تقاس بنقاء نيات الدول، بل بقدرة القيادة الوطنية على تحويل المصالح المتقاطعة إلى مكاسب للدولة.
وهذا ما فعله عون: استخدم حاجة واشنطن إلى الاستقرار الإقليمي لتقوية موقع الجيش، والدفع نحو الانسحاب، وفتح أبواب الاقتصاد، وإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الشرعية.
الجيش في صلب المشروع الرئاسي
لا يمكن فهم زيارة واشنطن بمعزل عن موقع الجيش في رؤية الرئيس عون.
فالرئيس الآتي من المؤسسة العسكرية يدرك أن الدولة لا تستطيع فرض السيادة بمجرد إعلانها، وأن الجيش لا يستطيع تنفيذ المهمات الوطنية الكبرى من دون إمكانات وتجهيز وتدريب وغطاء سياسي داخلي وخارجي.
ولهذا وضع دعم الجيش في قلب محادثاته، لا باعتباره مطلبًا تقنيًا أو ماليًا، بل باعتباره حجر الأساس في مشروع استعادة الدولة. فالجيش هو المؤسسة القادرة على الانتشار في الجنوب، وحماية الحدود، وتنفيذ التفاهمات، ومنع الفراغ، وتجسيد وحدة القرار الوطني.
وقد نجح الرئيس في تقديم الجيش إلى الإدارة الأميركية بوصفه شريكًا في بناء الاستقرار، لا مجرد مؤسسة تتلقى المساعدات. وعندما يقول لبنان إن الجيش سيكون المؤسسة المخولة حماية الأرض وتنفيذ القرارات السيادية، فإنه يقدم للعالم عنوانًا شرعيًا يمكن دعمه والتعامل معه ومساءلته.
لهذا جاءت مطالبة عون بدعم الجيش مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، لا منفصلة عنهما. فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تبسط سلطة الدولة في فراغ اقتصادي واجتماعي، ولا يمكن مطالبتها بحماية أرض لا تعيد الدولة بناء قراها وحياة سكانها.
لا سيادة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا قدرة، ولا قدرة من دون قرار سياسي ودعم مستدام.
مقاربة مسؤولة لملف السلاح
تظهر أهمية موقف الرئيس عون بصورة أكبر في طريقة تعامله مع ملف السلاح خارج الدولة.
فهو لم يهرب من الملف، ولم يعالجه بمنطق المزايدات أو الدعوات الانفعالية إلى الصدام. بل وضعه ضمن مسار وطني متكامل يبدأ بإنهاء الاحتلال، ووقف الاعتداءات، وتقوية الجيش، وإعادة الإعمار، وصولًا إلى تثبيت حصرية السلاح والقرار الأمني بيد الدولة.
هذه المقاربة لا تعبّر عن تردد، بل عن مسؤولية.
فالرئيس يدرك أن بناء الدولة لا يتم بإشعال مواجهة داخلية، وأن السيادة لا تُستعاد إذا تحولت البلاد إلى ساحة صراع بين اللبنانيين. لذلك يجمع موقفه بين وضوح الهدف وواقعية الطريق.
الهدف واضح:
الدولة وحدها صاحبة القرار، والجيش وحده المؤسسة العسكرية الشرعية.
أما الطريق، فيقوم على الحوار والضمانات وتقوية الدولة وإزالة الذرائع، وربط الحل الداخلي بانسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها.
لم يذهب الرئيس إلى واشنطن للحصول على تفويض ضد جزء من اللبنانيين، بل لطلب الدعم لمشروع يعيد جميع اللبنانيين إلى كنف الدولة. وهذا هو الفارق بين رجل الدولة ورجل المحور: الأول يجمع القوى داخل الشرعية، والثاني يبني نفوذه على الانقسام والخروج عنها.
معادلة متوازنة بين السيادة والسلام
في واشنطن، حاول الرئيس عون تصحيح معادلة كانت تُطرح غالبًا بصورة ناقصة. فبعض القوى الدولية ركزت على التزامات لبنان الداخلية، من دون إعطاء الوزن نفسه لضرورة انسحاب إسرائيل ووقف اعتداءاتها.
أما عون، فوضع المسارين في إطار واحد: على لبنان أن يعزز سلطة دولته، وعلى إسرائيل أن تنسحب من الأراضي اللبنانية وتتوقف عن الاعتداءات، وعلى المجتمع الدولي أن يضمن تزامن الخطوات وعدالتها.
تكمن أهمية هذا الموقف في أنه يحمي لبنان من أن يتحول إلى الطرف الوحيد المطلوب منه تقديم الالتزامات. فالرئيس لم يرفض التعاون مع الولايات المتحدة، ولم يواجهها بخطاب عدائي، لكنه طالب من موقع الشريك بألا يُطلب من لبنان إعادة ترتيب أوضاعه الداخلية فيما تبقى أراضيه محتلة وقراه مدمرة وأجواؤه منتهكة.
وقد وضع عون الانسحاب الكامل في صدارة مطالبه، معتبرًا إياه شرطًا لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة من بسط سلطتها بقواها الشرعية.
لقد نقل بذلك النقاش من معادلة الضغط على لبنان إلى معادلة بناء الاستقرار المتبادل. فقوة التفاوض لا تعني رفع الصوت، بل صياغة المصالح الوطنية بلغة يفهمها الطرف الآخر ويجد صعوبة في رفض منطقها.
الاقتصاد لم يكن ملحقًا بالسياسة
من أهم جوانب الزيارة أن الرئيس لم يتعامل مع الاقتصاد باعتباره ملفًا ثانويًا يأتي بعد الأمن، بل بوصفه جزءًا من الأمن نفسه.
فالاقتصاد المنهار يضعف الدولة، ويفرغ المؤسسات من كفاءاتها، ويزيد الهجرة، ويخفض قدرة الجيش والإدارة على أداء مهماتهما، ويجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام شبكات النفوذ الخارجة عن المؤسسات.
لهذا ناقش عون الطاقة والاتصالات والنقل والاستثمار وإعادة الإعمار، محاولًا نقل العلاقة اللبنانية–الأميركية من نموذج المساعدة الطارئة إلى نموذج الشراكة الاقتصادية.
فلبنان لا يحتاج إلى أموال تبقيه واقفًا على حافة الانهيار، بل إلى استثمارات تعيد تشغيل اقتصاده، وتخلق الوظائف، وتستعيد الثقة، وتمنح الشباب سببًا للبقاء.
وعندما يطرح الرئيس إعادة الإعمار بالتوازي مع تثبيت الأمن، فإنه يدرك أن الدولة لن تستعيد ثقة المواطنين في الجنوب من خلال الانتشار العسكري وحده، بل من خلال إعادة المنازل والمدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل.
السيادة التي لا تحسن حياة الناس تبقى شعارًا ناقصًا؛ أما السيادة التي تحمي الأرض وتعيد بناء الاقتصاد، فهي التي تتحول إلى عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.
الرحلات المباشرة: مكسب يتجاوز قطاع الطيران
شكّل إعلان العمل على استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة أحد أبرز المخرجات العملية للزيارة، بعدما كانت متوقفة منذ عام 1985. وقد تعاملت «أسوشيتد برس» مع الإعلان بوصفه نتيجة ملموسة للقاء، إلى جانب تعهد ترامب بمساعدة لبنان.
فالربط الجوي المباشر لا يختصر المسافة بين بلدين فحسب، بل يقوي صلة لبنان بواحدة من أهم جالياته، ويسهل حركة السياحة والأعمال والاستثمار وانتقال الخبرات.
أما المعنى الأعمق، فيتمثل في كسر جزء من العزلة التي عاشها لبنان لعقود. فإعادة فتح مسار مباشر مع الولايات المتحدة رسالة بأن لبنان يمكن أن يعود إلى شبكة الحركة الاقتصادية الدولية عندما تتقدم الدولة وتتحسن الثقة بمؤسساتها.
وهنا تظهر قيمة الدبلوماسية الرئاسية. فالزيارة لا تجلب الاستثمار وحدها، لكنها تفتح الأبواب المغلقة وتخفف الحواجز السياسية وتعيد وضع لبنان أمام دوائر الأعمال وصناع القرار.
وقد فتح عون بابًا ظل مغلقًا أكثر من أربعة عقود، فيما تقع على الحكومة والمؤسسات مسؤولية تحويله إلى حركة اقتصادية فعلية عبر استكمال المتطلبات الأمنية والتنظيمية والإصلاحية.
لماذا شكّلت الزيارة انتصارًا لمشروع الدولة؟
شكّلت الزيارة انتصارًا لمشروع الدولة لأنها قدمت لبنان من خلال تكامل أركانه الدستورية، لا من خلال رئاسة منفردة أو مشروع فئوي. وقد ظهر ذلك عندما تناول الرئيس عون أمام ترامب موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، فحرص على تقديمه بوصفه رجل دولة وشريكًا في المسار، لا خصمًا أو عقبة ينبغي تجاوزها.
وتكمن أهمية بري في أنه لا يرأس السلطة التشريعية فحسب، بل يشكل مرجعية سياسية شيعية أساسية، ويتمتع بحضور مؤثر في الجنوب وفي أي تسوية تتصل بالحرب والسلاح والانسحاب وإعادة الإعمار.
لذلك حمل موقف عون رسالة إلى واشنطن بأن استعادة الدولة لا تتم بعزل الطائفة الشيعية أو تجاوز ممثليها، ورسالة إلى الداخل بأن مشروعه ليس مشروع غلبة، بل شراكة وطنية تحت سقف المؤسسات.
وأكد عون أن بري رجل دولة ويدعم إنهاء حالة العداء، فيما أعرب ترامب عن ثقته بأن رئيس المجلس سينضم إلى المسار عندما يرى تقدمًا فعليًا. وبذلك لم يُطرح بري كخصم ينبغي إخراجه من المعادلة، بل كشريك يمكن أن تسهم النتائج والضمانات في توسيع مشاركته فيها.
إن جمع عون وبري في هذه المعادلة لا يقلل من إنجاز الرئيس، بل يؤكده؛ لأن القيادة الحقيقية لا تقوم على إقصاء الشركاء، بل على جمعهم داخل الدولة.
وهكذا تتبلور معادلة لبنان المؤسسي: رئاسة جمهورية تقود المبادرة الخارجية، ورئاسة مجلس نواب تمنحها العمق الدستوري والتمثيلي، وحكومة تنفذ، وجيش يحول التوافق إلى سيادة فعلية.
الرابح الأول من هذه المعادلة هو لبنان الدولة، والرابح الثاني هو المواطن الذي يحتاج إلى رئاسة تجمع ولا تقسم، ومجلس نيابي يشارك في صناعة الحل، وجيش يبسط الشرعية، واقتصاد يعيد بناء ما دمرته الحرب.
دعم عون هو دعم لمسار استعادة الدولة
يستحق الرئيس عون الدعم لأنه أعاد الرئاسة إلى موقع المبادرة، وواجه الملفات الصعبة بدل تأجيلها، ولم يضع السيادة في مواجهة السلم الأهلي، ولم يفصل الأمن عن الاقتصاد أو الجيش عن إعادة الإعمار.
لكن الأهم أنه أثبت أن القيادة لا تعني احتكار القرار، بل القدرة على جمع أركان الدولة حول مشروع وطني.
دعم الرئيس في هذه المرحلة لا يعني إلغاء المساءلة أو تحويل المقال إلى بيان تأييد شخصي؛ بل يعني توفير الغطاء لمشروع يعيد القرار إلى المؤسسات، ويمنع تحويل لبنان مجددًا إلى ساحة تتقاسمها القوى الداخلية والخارجية.
فنجاح عون يحتاج إلى تعاون الرئيس نبيه بري، وحكومة تنفذ، ومجلس نيابي يشرع، وقضاء يستعيد استقلاله، وإدارة تتحرر من الفساد، وقوى سياسية تدرك أن انهيار الدولة لن يترك منتصرًا واحدًا.
من واشنطن إلى بيروت: مسؤولية استثمار النجاح
لقد قام الرئيس بدوره في فتح الأبواب الدولية، وعرض مشروع الدولة، وإعادة تقديم لبنان بصورة مختلفة. أما المسؤولية التالية فتقع على المؤسسات اللبنانية مجتمعة.
ينبغي تحويل الزخم إلى خطة تنفيذية تشمل تعزيز قدرات الجيش، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة إعمار المناطق المتضررة، واستكمال الإصلاحات المالية والمصرفية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل.
كما ينبغي إنشاء آلية رسمية لمتابعة الملفات التي طُرحت في واشنطن، وتحديد الجهات المعنية والمراحل الزمنية التي تسمح بتحويل التفاهمات السياسية إلى قرارات ومشاريع قابلة للقياس.
وقد ظهر أن أثر اللقاء لم ينتهِ بانتهاء مراسمه؛ إذ تحدث مسؤول أميركي لاحقًا عن «زخم كبير» في المسار المتصل بلبنان، رابطًا ذلك بالاجتماع المنتج بين عون وترامب وبالتطورات التي أعقبته.
لكن لبنان أضاع في الماضي فرصًا دولية كثيرة، لا بسبب غياب الدعم، بل بسبب عجز مؤسساته عن تحويله إلى مشروع وطني. أما اليوم، فإن وجود رئيس يحمل رؤية واضحة ويحرص على جمع أركان الدولة يمنح البلاد فرصة مختلفة، ومسؤولية أكبر في الوقت نفسه.
الخاتمة: لحظة إنقاذ لا تحتمل الانقسام
لم تكن زيارة واشنطن نهاية حدث دبلوماسي، بل بداية لحظة وطنية فاصلة: إما أن يستعيد لبنان دولته، وإما أن تستكمل الأزمات ما تبقّى منها.
فالجنوب ينزف، والاقتصاد ينهار، والمؤسسات تُستنزف، والثقة تتآكل، والهجرة تفرغ الوطن من طاقاته. وفي ساعة كهذه، يصبح الانقسام ترفًا قاتلًا، وتصبح المزايدات شراكةً في إضاعة لبنان.
لقد فتح الرئيس جوزاف عون بابًا في الخارج، لكن الخلاص يبدأ من الداخل: من تكامل رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحكومة والجيش، ومن شراكة وطنية لا تعزل طائفة، ولا تتجاوز مؤسسة، ولا تجعل الدعم الدولي أداة غلبة بين اللبنانيين.
ومن هنا تكتسب العلاقة بين الرئيس عون والرئيس نبيه بري معناها التاريخي: جمع الشرعية الرئاسية بالعمق البرلماني والتمثيلي، وإدخال الطائفة الشيعية بكل هواجسها وتضحياتها في صلب مشروع الدولة، لا في مواجهتها.
فالمعركة الحقيقية لم تعد بين فريق وآخر، بل بين الدولة والفوضى؛ بين وطن تحكمه مؤسساته، وساحة تحكمها صراعات الخارج؛ بين جيش يجمع اللبنانيين، وقرار موزّع يبدّد سيادتهم؛ وبين اقتصاد يعيد بناء الحياة، وانهيار يطرد أبناءها.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى دولة تنتصر بجميع أبنائها؛ ولا يحتاج إلى زعماء يوسّعون حصصهم في وطن يتآكل، بل إلى رجال دولة يجمعون الكلمة قبل أن تضيع الدولة والوطن معًا.
لقد أعاد جوزاف عون لبنان إلى طاولة القرار الدولي، لكن الامتحان الأكبر أن يعيد اللبنانيون دولتهم إلى قلب القرار الوطني.
فإما أن تكون هذه اللحظة بداية استعادة لبنان: دولةً واحدة، وجيشًا واحدًا، وقرارًا واحدًا، ومستقبلًا واحدًا؛ وإما أن يكتب التاريخ أن الفرصة حضرت، وأن الأبواب فُتحت، لكن اللبنانيين أضاعوا وطنهم لأنهم لم يملكوا شجاعة الوحدة حين كانت الوحدة آخر أبواب النجاة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية