كلمة رئيسية للعميد الدكتور موسى كرنيب في المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب

شارك العميد الدكتور موسى كرنيب في المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب المنعقد في فندق فينيسيا – بيروت على مدى يومين برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام ممثلا بوزير الاقتصاد والتجارة د. عامر البساط،.

وألقى كرنيب كلمة رئيسية في افتتاح المؤتمر، وجاء في حرفيتها الآتي:

بدايةً أشكر الدكتور وسام فتوح وإتحاد المصارف العربية لدعوتي للمشاركة في المؤتمر العربي الاقليمي لمواجهة غسل الاموال ومكافحة تمويل الارهاب والذي ينعقد في ظروف غير عادية في توقيت حساس ومرحلة تحول في تاريخ المنطقة.

ان انعقاد هذا المؤتمر يهدف الى حماية الامن المالي والقومي للعالم العربي الذي يفرض علينا مقاربة شاملة ترتكز على تحديد وتقييم المخاطر وتحديثها وفقاً للتطور المالي الرقمي في العصر الحالي.

لم تعد التكنولوجيا الرقمية مجرد خيار بل أصبحت هي المحرك الاساسي لإقتصاديات العالم لاسيما فيما يتعلق بوسائل الدفع الحديثة وإجراء المعاملات المالية فالنمو التكنولوجي السريع أوجد تحولا موازياً في أنماط الجريمة المالية لاسيما جريمة تبييض الاموال والتي أصبحت أكثر تعقيداً وتخفياً وعابرة للحدود الوطنية، وتعتمد بشكل اساسي على التقنية  لإختراق الأنظمة المالية وتمرير التدفقات المالية الجرمية المتعددة في الكثير من الاحيان وكذلك على استخدام العملات الرقمية والاصول الافتراضية.

مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب ليست مجرد بنود قانونية او تقنية او اجراءات امتثال لتوصيات روتينية بل هي نقطة ارتكاز في حفظ الامن القومي للبنان ولاي بلد عربي , وتشكل علامة حماية للمجتمع وللاقتصاد من آفات الجماعات الاجرامية المنظمة التي لا تعيقها حدود ولا تمنعها مجرد صدور تشريعات وتعاميم.

لم تعد الجريمة المنظمة التي نواجهها اليوم هي الجريمة التي كنا نكافحها منذ عشرين عام او حتى عشر سنوات حيث تطور عمل عصابات الاجرام المنظم من عصابات محلية الى عصابات متعددة الجنسيات تعمل بالتستر بالخفاء وتتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف مع الانظمة الرقابية وتستخدم التقنيات الحديثة في عمليات الاحتيال وفي جرائم الفساد وتبييض الاموال واستغلال تقنيات النظام المالي الرقمي لتمويل الجرائم عن بعد، ومن هنا ركزت مجموعة العمل المالي (فاتف) اثناء اجراء عمليات التقييم المتبادل للدول ليس  على الالتزام بالتشريعات وسنّ القوانين بل على فعالية التطبيق والنتائج والاحصاءات المحققة على ارض الواقع.

المال هو الهدف الاساسي للجريمة المنظمة والتصدي لهذه الجريمة والنجاح في عمليات المصادرة واستعادة الاموال وحجزها يؤدي الى انهيار العصابات الاجرامية  التي ترتكب جرائم متعددة كالاتجار بالبشر والاتجار بالمخدرات وتمويل الارهاب ….

 المال هو العصب الاساسي لجميع اشكال الجريمة المنظمة لذلك علينا تتبع المال وصولا الى مصادرته بهدف منع المجرمين من النمو والتطور.

ادى التطور التكنولوجي الرقمي الى احداث تحول في البنية الاقتصادية واستخدام انظمة رقمية تتضمن تحويلات الكترونية وبطاقات مصرفية ومحافظ رقمية وعملات افتراضية، هذا التحول سهل عملية انتقال الاموال وساهم في تسريع الدورة الاقتصادية من خلال المميزات التالية:

  • توفير الوقت
  • توفير الاتصال المرن
  • خفض التكاليف وتقديم خدمات مميزة وتحديث لبيانات العملاء بدقة وشفافية وسرية

ولكن هذا الواقع المشار اليه ابرز عدة تحديات تواجهها المؤسسات المالية والمصرفية والاجهزة الامنية :

  • استغلال التكنولوجيا وتقنية الذكاء الاصطناعي من قبل الجماعات الاجرامية لتمرير عمليات مالية مشبوهة وتبييض الاموال وتمويل الارهاب وعمليات الاحتيال المالي وتمويل الجريمة عبر الانترنت دون حضور شخصي تقليدي ودون ابراز وثائق ورقية
  • استخدم وسطاء ماليين ومنصات متعددة من قبل العصابات الجرمية لتشتيت مسار الاموال والاستفادة من تفاوت الانظمة الرقابية والتشريعات بين الدول

إننا نواجه نمطاً إجرامياً جديداً يرتكبه جيلاً من المجرمين المحترفين تقنياً والمقتدرين مالياً عبر إستخدام تقنيات متطورة وآليات تشفير معقدة ومنصات الكترونية لامركزية  ومشتتة بهدف تنفيذ جرائم عن بعد،  ولتحقيق عوائد مادية خيالية او تبييض اموال خلال ثوانٍ عبر منصات رقمية والإستفادة من إختلاف الأنظمة الرقابية والمالية بين الدول، وعليه تبرز الحاجة الى:

1-  استخدام اساليب تقنية وادوات تحقيق خاصة منها:

  • فك التشفير وإستعادة الملفات المحذوفة أو التالفة .
  • فحص قواعد البيانات وإكتشاف الأنماط الجرمية المخفية.
  • فحص الأقراص الصلبة
  • فحص الأدلة الإلكترونية وتصنيفها بدقة
  • جمع الأدلة الرقمية من مصدرها ونسخها بهدف الحفاظ عليها
  •  تحليل واصدار النتائج من خلال تحليل البيانات الرقمية والمالية.
  • توثيق الأدلة الرقمية بعناية فائقة من لحظة جمعها وحتى معالجتها بهدف تقديم تقرير نهائي لإستخدامة أمام القضاء المختص وأهمية هذا التقرير أنه يُعتبر الحجر الاساس في الملاحقات والاحكام القضائية .

2- الحفاظ على مسرح الجريمة الافتراضية

إن إستثمار مسرح الجريمة يشكل الحجر الاساس في إثبات الجرم وفي اصدار الأحكام القضائية بحق المجرمين . لم يعد مسرح الجريمة مكانا فيزيائيا بل أصبح مسرحا رقمياً يتطلب إجراءات فورية للحفاظ على الأدلة قبل تلاشيها, فمسرح الجريمة هو البيئة الإفتراضية التي ترتكب فيها جرائم مالية رقمية عابرة للحدود مما يوجب التعامل مع هذا الواقع بخبرة جنائية رقمية عالية يُعتمد عليها في الإثبات الجنائي، ومن هنا تبرز الحاجة الى تفعيل عملية التعاون الامني والقضائي الدولي والاقليمي وتسهيل عمليات المساعدة القضائية والامنية المتبادلة بهدف تتبع الادلة الرقمية الموزعة في عدة دول وتوحيد الجهود بهدف الحفاظ على مسرح الجريمة الافتراضي وحمايته.

3- المعرفة التامة بالإجراءات القانونية في جمع الأدلة

  تعتمد مقبولية الأدلة في المحكمة على جودة البيانات وإجراءات جمعها وتحليلها، فالبيانات المخزنة الكترونياً تقدم أدلة دامغة في إثبات جريمة المالية، وهنا يبرز دور التعاون والتكامل بين مختلف القطاعات المعنية لا سيما بين الاجهزة الامنية ووحدات التحريات المالية والمؤسسات المصرفية على اختلافها.(كلهم شركاء في حفظ الادلة )

 يجب أن لا ننسى أن المجرم يعود تقليدياً إلى مسرح الجريمة العادية بهدف إخفاء أدلة أو للاحساس بالسيطرة والتفوق ,وفي مسرح الجريمة الإفتراضي الأمر أكثر تعقيداً وخطورة المجرم لا يعود لأسباب نفسية بل لسد أي ثغرة موجودة أو بهدف تحقيق جرائم مالية إضافية والاستفادة من الإختراق الأولي.

ج- التعاون الدولي في مواجهة الجرائم المالية

عمل لبنان على تفعيل عملية التعاون الدولي التعاون والتنسيق الدولي ومع منظمة “الانتربول”: من خلال الإنابات القضائية الدولية، والتعاون بين السلطات القضائية والأمنية المختصة، والمنظمات الدولية والإقليمية، أو على المستوى غير الرسمي من خلال قنوات التواصل المباشر وتبادل المعلومات الاستخبارية والفنية بين الجهات المختصة، مما ساهم في تسريع وتيرة الملاحقة والتحقيق في الجرائم العابرة للحدود.

وينفّذ التعاون الدولي في لبنان، عبر المكتب المركزي الوطني للإنتربول، باستقبال وإرسال طلبات التعاون الدولي والمذكرات والإنابات القضائية من خلال منصة الكترونية آمنة ومعتمدة، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات وحمايتها وسريتها وفقا للأصول القانونية المعتمدة، حيث برز دور الانتربول في التصدي للعمليات المالية العابرة للحدود الوطنية من خلال مركز الإنتربول لمكافحة الجرائم المالية والفساد وفرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية  في مجموعة العمل المالي (FATF  )، والهيئات الإقليمية الشبيهة لها ومجموعة إيغمونت لوحدات الاستخبارات المالية وأجهزة إنفاذ القانون وأجهزة الشرطة والقطاع المالي، وهذا المركز يوفر الآتي:

مؤازرة التحقيقات : يساعد عبر التحقق من البيانات بمقارنتها مع قواعد بيانات المنظمة وتقديم النصائح بشأن القضايا المطروحة ودعمها في مجالي التوعية والتنسيق عالميا. وينسق المركز التحقيقات التي تغطي مناطق متعددة عبر المكاتب المركزية الوطنية في البلدان الأعضاء.

– الدعم الميداني : تنسيق العمليات الإقليمية والدولية ويمكن إيفاد فرق دعم ميداني على الفور إلى البلدان الأعضاء لمؤازرة التحقيقات.

– الدعم التحليلي : يتم تركيز الجهود على التهديدات الإجرامية الناشئة والجماعات الإجرامية المنظمة عبر الوطنية من خلال ملف تحليل الجرائم المالية .

– بناء القدرات : يتم تنظيم دورات تدريبية بحسب الطلب لتزويد أفراد إنفاذ القانون ووحدات الاستخبارات المالية بالمعارف والمهارات وأفضل الممارسات المواجهة التهديدات التي تطرحها الجرائم المالية .

– المعلومات والتنبيهات : ينشر الانتربول تقارير وخطوطا توجيهية لعرض أحدث اتجاهات الجريمة وأفضل ممارسات التحقيق الحالية. ويتم استخدام النشرات الملونة لتعميم تفاصيل الاتجاهات الإجرامية الجديدة والحالية المتعلقة بالجرائم المالية وغسل الأموال والفساد المنتشر في أوساط السلطات العليا.

خصوصية الوضع اللبناني:

في لبنان هناك تحديات استثنائية:

أولا: نتيجة الازمة الاقتصادية برز الاقتصاد النقدي او العمليات التي تتم من خلال الدفع الكاش الامر الذي يبرز شكوك كبيرة في شبهات عمليات التهرب الضريبي وعمليات تبييض الاموال , وعليه يجب:

  1. اعادة الثقة الى القطاع المصرفي واعادة هيكلة هذا القطاع
  2. وضع سقف للعمليات النقدية والتي تتم بالكاش
  3. تفعيل عملية الامتثال وفقاً لتوصيات مجموعة العمل المالي (فاتف) والابلاغ عن العمليات المشبوهة لا سيما في قطاعات (كتاب العدل – المحامين – المحاسبين المحلفين – وتجار المعادن الثمينة وتجار العقارات…)

ثانياً: واقع العملات الرقمية في لبنان

في لبنان هناك غياب لاي اطار قانوني متكامل ومنظم بشكل مباشر لهذا القطاع , واتجهت شريحة متزايدة من توظيف هذه الوسيلة لتحويل الاموال عبر الحدود واستلامها مستفيدين من طبيعتها اللامركزية وسهولة تداولها خارج النظام المصرفي التقليدي .

عملت الاجهزة الامنية بالتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية في تتبع هذه المعاملات وجمع المعلومات الاستخبارية واجراء التحقيقات المالية المتخصصة بعد انشاء مجموعات فنية أمنية في هذا المجال.

المجرمون يطورون ادواتهم يوميا وما تزال بعض تشريعاتنا عاجزة عن تعريف الاصول الافتراضية.

التوصيات:

 أمام هذا الواقع لم يعد التحقيق التقليدي كافياً فالمعركة اليوم ليست بين محقق ومجرم بل هي سباق بين عقل يُطوع التكنولوجيا للعدالة وعقل يسخرها للإجرام والفساد وتبييض الاموال، من هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر لتسليط الضوء على ضرورة التنسيق والتعاون والتكامل بين الاجهزة الامنية والقضائية والمالية والمصرفية المحلية والاقليمية وبناء قدراتهم لمكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب من خلال النقاط التالية:  

  • توفير التدريب المتخصص للاجهزة الامنية وتزويدها بأنظمة قادرة على تحليل الأنماط السلوكية المشبوهة في الوقت المتاح قبل وقوع الجرم ،بهدف اجراء ضربات استباقية لتجفيف منابع تمويل الشبكات الاجرامية قبل تنفيذ عملياتها.
  • تسهيل وتسريع عملية الحجز والتجميد ومصادرة الاصول المشبوهة واستردادها
  • تعزيز قدرات الاجهزة الامنية والقضائية بهدف تمكينهم من تتبع الأصول الرقمية والعملات المشفرة والتي تعتبر تحدي أمني أساسي في مكافحة غسل الأموال الناتجة عن الجرائم المنظمة في منطقة الشرق الاوسط.
  • بناء القدرات وتطويرها بإستمرار في المؤسسات المالية والبنوك المركزية وأجهزة إنفاذ القانون “الأمنية والقضائية” بهدف تشكيل درعاً حامياً لتأمين الخدمات المالية الحديثة.
  • تبادل أفضل الممارسات بين القطاع العام والقطاع الخاص وإيجاد حلول مرنة ومبتكرة للمشاكل والتحديات المستجدة التي يواجهونها. فالاجهزة الامنية لديها الخبرة الامنية وتستعين بالخبراء الماليين وبخبرات التقنيين في أنظمة المعلوماتية والاتصال ، ولكن المجرم يجمع هذه المهارات في شخصه ولا بد من التفوق عليه ، وذلك لا يكون الا في التكامل والتنسيق المطلق.
  • التركيز على التوعية والإجراءات الوقائية لمواجهة الاساليب الجرمية المبتكرة دورياً وبإستمرار وكلما دعت الحاجة أو ظهرت تحديات أو تقنيات لم تكن معروفة من قبل.
  • إستخدام تقنية الذكاء الإصطناعي في عمليات كشف الانماط الجرمية المالية والتحقيق فيها، حيث تستطيع أنظمة الذكاء الإصطناعي مراقبة كميات هائلة من المعلومات والمعاملات تفوق قدرة البشر من خلال التحليل أو التمييز بين الانشطة المشبوهة والمعاملات المشروعة وانشاء وحدة متخصصة بتقنية الذكاء الاصطناعي في البنوك المركزية .
x

‎قد يُعجبك أيضاً

انعقاد المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب في بيروت تأكيد على استعادة الثقة بالقطاع المالي والمصرفي

عقد صباح اليوم، المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، برعاية رئيس مجلس ...

هاني بحث مع وفد المعهد الوطني للكرمة والنبيذ في ازمة تصريف انتاج النبيذ واستيراد النبيذ الاجنبي

شاوي : وعدنا الوزير بمعالجة الموضوع وسنقابل وزير الاقتصاد الخميس اجتمع وزير الزارعة نزار هاني ...

تينابل تطلق أول منصة مفتوحة المصدر لتبادل وكلاء الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني

منصةCyberAgents Exchange تتيح للمتخصصين اكتشاف مكونات ذكاء اصطناعي موثوقة ومشاركتها أطلقت اليوم شركة Tenable® Holdings, ...