لبنان والإمارات: من إرث زايد إلى شراكة المستقبل

مذكرة آب 2026… نصف قرن من الثقة يعيد رسم العلاقة الاقتصادية بين البلدين

بقلم د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

كان للبنان مكان مختلف في نظرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمة الله عليه، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة. وحين زار بيروت عام 1969، قبل قيام الاتحاد، كانت المدينة تختصر صورة لبنان التي أثارت إعجابه: اقتصاد مفتوح، ومصارف وجامعات ومستشفيات وصحافة، وكفاءات عربية تتجاوز مساحة البلد وحدوده. لم يكن لبنان، في تلك المرحلة، بلدًا يطلب المساعدة، بل نموذجًا عربيًا يمتلك المعرفة والخبرة والانفتاح. ومن هنا يمكن فهم تقدير الشيخ زايد له؛ فقد رأى فيه قيمة عربية ينبغي الحفاظ عليها، وعندما عصفت به الحروب ظل موقفه قائمًا على ضرورة الوقوف إلى جانبه وإعادته إلى موقعه الاقتصادي والثقافي. لم تكن المسألة عاطفة سياسية فقط، بل إدراكًا مبكرًا بأن خسارة لبنان تعني خسارة جزء من رأس المال العربي البشري والثقافي والاقتصادي.

ولهذا لم تبقَ العلاقة في دائرة الإعجاب. موّل الشيخ زايد، رحمة الله عليه، عام 1974 مشروع الليطاني بـ150 مليون دولار، ثم دخل صندوق أبوظبي للتنمية منذ 1977 في تمويل مشاريع للمياه والمرافئ والإسكان والطرق والصرف الصحي، وصولًا إلى ثمانية مشاريع بقيمة تقارب 1.4 مليار درهم. وفي الجنوب موّلت الإمارات إزالة الألغام، وفي «باريس 2» اكتتبت بنحو 300 مليون دولار من سندات الخزينة اللبنانية، وبعد حرب 2006 شاركت في إعادة إعمار المدارس والمستشفيات ومرافئ الصيادين وإزالة القنابل العنقودية.

لكن اختصار نصف قرن من العلاقات بهذه المساعدات يظلم العلاقة نفسها.

فما بدأ في زمن الشيخ زايد باعتباره استثمارًا في استقرار لبنان، تحول لاحقًا إلى استثمار مباشر في اقتصاده. وبين 2003 و2016 أصبحت الإمارات المصدر الأول للاستثمارات العربية المباشرة إلى لبنان، بقيمة قاربت 7.8 مليارات دولار. ومن مجموعة الحبتور إلى مجموعة ماجد الفطيم وإعمار العقارية وداماك وديار وبنك دبي الإسلامي وروتانا، لم يدخل رأس المال الإماراتي قطاعًا واحدًا، بل راهن على العقار والسياحة والضيافة والتجزئة والتمويل والخدمات.

وهذه الأسماء لا تستعاد اليوم للحنين إلى مرحلة مضت، بل لإثبات حقيقة اقتصادية أكثر أهمية: لبنان كان يومًا قادرًا على إقناع رأس المال الإماراتي بأنه فرصة تستحق المخاطرة.

وهذا تحديدًا ما يجعل مذكرة 27 آب 2026 أهم من مجرد وثيقة جديدة بين حكومتين.

المذكرة… من استعادة الثقة إلى إعادة بناء المصلحة

حين وقّع معالي الدكتور عامر البساط، وزير الاقتصاد والتجارة في الجمهورية اللبنانية، ومعالي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، مذكرة التفاهم لتعزيز التجارة والاستثمار وتطوير الشراكة الاقتصادية، لم يكن الحدث في نص المذكرة وحده، بل في السياق الذي أحاط بها.

فإلى بيروت جاء وفد إماراتي من نحو 80 مسؤولًا ورجل أعمال، وانطلق مجلس الأعمال الإماراتي–اللبناني المشترك، وتوسّع التعاون بين غرف التجارة، وظهرت تفاهمات في الأمن الغذائي والزراعة، إلى جانب اهتمام بالبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية وإعادة الإعمار.

وهذا يعني أن ما يجري ليس مجرد إضافة مذكرة جديدة إلى أرشيف العلاقات الثنائية، بل محاولة لبناء منظومة مختلفة:

الحكومة تفتح المسار، ومجلس الأعمال ينظم المصالح، والقطاع الخاص يختار الفرص، والاستثمار هو الاختبار النهائي.

وهنا تقع القيمة السياسية للمذكرة أيضًا. فالمستثمر الإماراتي لم يبتعد عن لبنان لأن العلاقة التاريخية تراجعت، بل لأن المخاطر اللبنانية تحولت من مخاطر يمكن تسعيرها إلى حالة من اللايقين يصعب احتسابها.

يمكن للمستثمر أن يحسب الضريبة، وتكلفة الطاقة، وحجم الطلب، وحتى هامشًا من المخاطر السياسية. لكنه لا يستطيع بناء استثمار طويل الأجل إذا كانت أسئلة العقود والقضاء والتحويلات المالية واستقرار المؤسسات والقرار الأمني مفتوحة على المجهول.

من هنا فإن المذكرة هي، قبل كل شيء، اختبار ثقة.

والقاعدة الذهبية في الاستثمار لا تتغير: رأس المال لا يذهب إلى الاقتصاد الأكثر حاجة إليه، بل إلى الاقتصاد القادر على الجمع بين الفرصة وحماية العائد.

لذلك فإن السؤال الذي يفترض أن يشغل بيروت ليس: كيف نقنع المستثمر الإماراتي بأن لبنان جميل ومهم؟ بل: ما الذي تغير في بيئة الاستثمار حتى يصبح لبنان مجددًا خيارًا عقلانيًا لرأس المال؟

من حجم التجارة إلى نوع العلاقة

الأرقام تعطي المذكرة قاعدة فعلية. فالتجارة الثنائية غير النفطية بلغت 4.2 مليارات دولار في 2025، بنمو 35.6% عن 2024. لكن الرقم، مهما بدا كبيرًا، لا يكفي لقياس جودة العلاقة.

السؤال الأعلى هو: ماذا يوجد داخل هذه التجارة، وما مقدار القيمة التي يصنعها البلدان معًا؟

لبنان لا يحتاج فقط إلى زيادة صادراته إلى الإمارات. الفرصة الأكبر هي أن تتحول الإمارات إلى منصة توسع للمنتج والخدمة اللبنانية؛ بوابة إلى الخليج وآسيا وأفريقيا، لا سوقًا نهائية فقط.

وفي المقابل، لا تحتاج الإمارات إلى لبنان كسوق استهلاكية صغيرة. ما يمكن أن يجعل لبنان مهمًا لها هو قدرته على إضافة قيمة إلى شبكاتها الاقتصادية.

الإمارات تمتلك رأس المال، وصناديق الاستثمار، والطيران والموانئ، والخبرة اللوجستية، والقدرة على الوصول إلى أسواق عالمية، إلى جانب تقدمها في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي وإدارة الأصول.

أما لبنان، فعلى الرغم من أزماته، فلا يزال يمتلك رأسمالًا بشريًا عالي المهارة، وقطاعًا خاصًا مرنًا، وخبرات في الغذاء والدواء والصحة والتعليم والخدمات والتكنولوجيا والصناعات الإبداعية، وشبكة اغتراب واسعة، وموقعًا على شرق المتوسط.

وهنا تظهر الزاوية الجيو-اقتصادية التي ينبغي ألا يغفلها لبنان.

فشرق المتوسط ليس مجرد مساحة جغرافية. إنه نقطة التقاء لأسواق أوروبا والمشرق والعالم العربي. وإذا استطاع لبنان إعادة تأهيل مرافئه وبناه اللوجستية واستعادة الحد الأدنى من الثقة المؤسسية، فإنه يستطيع أن يتحول من سوق صغيرة إلى حلقة ضمن شبكة إماراتية أوسع للتجارة والخدمات والاستثمار بين الخليج وشرق المتوسط.

هذه هي المصلحة الإماراتية المحتملة في لبنان: ليست العاطفة التاريخية وحدها، بل موقع، وكفاءات، وأصول، وقطاعات يمكن ربطها بمنظومة اقتصادية إماراتية ذات امتداد عالمي.

وفي المقابل، مصلحة لبنان واضحة: الوصول إلى رأس المال والأسواق والتكنولوجيا والإدارة والشبكات اللوجستية.

عندها تصبح المعادلة:

ما يمتلكه لبنان + ما تمتلكه الإمارات = قيمة ثالثة لا يستطيع أي منهما إنتاجها منفردًا.

وهذا هو معنى الشراكة الحقيقي.

وقد ظهرت أولى ملامح هذا النموذج في الأمن الغذائي والزراعة، من خلال التفاهمات مع Elite Agro Holding والجامعة الأميركية في بيروت وشركة Georges Daccache & Sons. فالفكرة ليست تصدير محصول لبناني فقط، بل الجمع بين التكنولوجيا والتمويل والسوق الإماراتية وبين الأرض والخبرة والإنتاج اللبناني.

ويمكن تكرار المعادلة نفسها في الطاقة المتجددة، والمرافئ واللوجستيات، والسياحة، والصحة والتعليم، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ماذا بعد 27 آب؟

المذكرة ليست اتفاقية تجارة حرة، وليست حتى الآن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة. وهذه نقطة يجب التعامل معها بدقة. قيمتها ليست في ما تمنحه اليوم من امتيازات قانونية، بل في ما تستطيع أن تقود إليه غدًا.

فالنجاح لن يقاس بعدد اللجان والاجتماعات، وإنما بما إذا كانت الدولة اللبنانية ستضع أمام المستثمر الإماراتي مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ.

المستثمر لا يحتاج إلى لائحة أزمات لبنان. يعرفها.

يحتاج إلى مشروع كهرباء بكلفة وعائد ونموذج تمويل. وإلى مرفأ يعرف من يديره وكيف يعمل. وإلى منطقة لوجستية تحدد أسواقها. وإلى مشروع زراعي يعرف ما سينتج ولمن سيبيع. وإلى شركة تكنولوجيا تمتلك خطة توسع. وإلى قانون يجيب بوضوح عن سؤال المستثمر: كيف أدخل، وكيف أعمل، وكيف أحمي حقي، وكيف أخرج بأرباحي؟

بمعنى أدق، ينبغي أن يجد أمامه مشروعًا لا مشكلة.

وهذه مسؤولية لبنانية قبل أن تكون إماراتية.

فالإمارات لا تبحث عن مكان تضع فيه فوائضها المالية؛ أمامها عشرات الأسواق التي تتنافس على رأس مالها. وما يمنح لبنان فرصة ليس حاجته إلى المال، بل عمق العلاقة، والجالية اللبنانية الفاعلة في الإمارات، والتقارب الثقافي، وسجل الاستثمار السابق، وموقع يمكن أن يستعيد قيمته إذا استعاد البلد وظيفة الدولة.

كان عهد الشيخ زايد، رحمة الله عليه، عنوانه أن يقف لبنان وألا يسقط.

أما في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن السؤال أصبح أكثر تقدمًا: كيف يمكن للبنان أن يتحول من بلد يحتاج إلى الدعم إلى شريك قادر على صناعة العائد؟

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمذكرة آب 2026.

فالانتقال المطلوب ليس فقط من المساعدة إلى الاستثمار، بل من عاطفة تاريخية إلى مصلحة استراتيجية، ومن التجارة إلى سلاسل القيمة، ومن تصدير السلع إلى بناء شراكات، ومن لبنان الذي ينتظر رأس المال إلى لبنان الذي يصنع له سببًا للمجيء.

لقد أعادت الإمارات فتح الباب الاقتصادي.

أما الامتحان، هذه المرة، ففي بيروت:

هل يستطيع لبنان أن يحوّل إرث الشيخ زايد إلى شراكة تليق باقتصاد المستقبل؟

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وسيم ضاهر: لبنان أمام مرحلة اقتصادية جديدة وواعدة مع عودة الزخم الإماراتي

رئيس مجلس الأعمال اللبناني الإماراتي: ملتقى بيروت وضع أسساً عملية لتحويل التفاهمات إلى مشاريع وشراكات ...

اللواء شقير بحث والسفير السعودي الأوضاع العامة وسبل التنسيق

صدر عن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام البيان التالي: إستقبل المدير العام ...

سينتيا مرهج تكشف مستقبل المحاسبة والتدقيق في عصر الذكاء الاصطناعي!

في ظلّ التحوّل المتسارع الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات، تبرز سينتيا مرهج، المتخصصة ...