سلكت أسعار النفط والذهب والفضة مسارات متباينة بوضوح خلال الأشهر الستة الماضية، في ظل إعادة التوترات الجيوسياسية وتغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية والطلب الصناعي تشكيل أسواق السلع العالمية.
وبحسب نغم حسن، محللة الأسواق لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى eToro، فقد هيمنت قوتان على السوق: الصراع في الشرق الأوسط، الذي أدى إلى اضطراب مسارات إمدادات الطاقة الفعلية، واتجاه أسعار الفائدة الأمريكية، الذي يؤثر في جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً.
وفي حين استجاب النفط إلى حد كبير للتطورات الجيوسياسية، كان الذهب مدفوعاً في المقام الأول بالسياسة النقدية. أما الفضة، فتأثرت بأسعار الفائدة والطلب من قطاعات تشمل الطاقة الشمسية والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي.
النفط لا يزال مرتبطاً بالتطورات في الشرق الأوسط
انعكست آثار التوترات الإقليمية بصورة مباشرة على النفط. فقد كان خام برنت يتداول قرب 73 دولاراً للبرميل قبل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط في أواخر فبراير. وأدى تعطل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز لاحقاً إلى ارتفاع الأسعار إلى نحو 120 دولاراً للبرميل في أوائل مارس.
ومنذ ذلك الحين، شهد النفط تحركات حادة استجابةً للتطورات المتعلقة باحتمال التوصل إلى تسوية. ومع عدم وجود تسوية في الأفق، واستمرار تدفقات الناقلات عبر مضيق هرمز دون مستوياتها المعتادة، وتراجع الاحتياطيات العالمية، واصلت الأسعار احتساب علاوة جيوسياسية كبيرة. كما أضاف التعطل الأخير في خط أنابيب بترولاين السعودي مزيداً من الضغوط.
وظل خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل منذ 9 سبتمبر، متداولاً ضمن نطاق تراوح بين نحو 103 و109 دولارات بحلول منتصف الشهر.
وقالت حسن: «ستعتمد توقعات النفط خلال الأشهر الستة المقبلة إلى حد كبير على مسار الصراع. وقد يؤدي أي تصعيد إضافي حول مضيق هرمز أو باب المندب، إلى جانب استمرار الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية، إلى زيادة خطر حدوث نقص فعلي في الإمدادات والإبقاء على الأسعار أعلى بكثير من 100 دولار للبرميل، لا سيما في ظل انخفاض الاحتياطيات. ويبقى خفض التصعيد بصورة مستدامة السيناريو الأوضح الذي قد يؤدي إلى تراجع الأسعار».
ارتفاع أسعار الفائدة يضغط على الذهب
في المقابل، تأثر الذهب بصورة رئيسية بأسعار الفائدة. وبما أن المعدن لا يدر عائداً، فإنه ينافس السندات ومنتجات الادخار التي تصبح أكثر جاذبية مع ارتفاع أسعار الفائدة.
وتجاوز العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مستوى 5% هذا الأسبوع، ولامس 5.04%، وهو مستوى لم يُسجل منذ يوليو 2007، باستثناء ارتفاع وجيز في عام 2023.
غير أن الضغوط على الذهب بدأت قبل ذلك بعدة أشهر. فقد عززت الإشارات المتشددة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وارتفاع الدولار الأمريكي، واستمرار قراءات التضخم، التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. وشجعت هذه العوامل مجتمعة المستثمرين على تحويل رؤوس الأموال من الذهب إلى الأصول المدرة للفائدة.
وأدى ذلك إلى تصحيح كبير. فبعد أن سجل الذهب مستوى قياسياً بلغ نحو 5,595 دولاراً للأونصة في يناير، تراجع بنحو 25% إلى 30% من الذروة إلى القاع. وانخفض إلى ما دون 4,000 دولار في أواخر يونيو، ليتداول عند نحو 3,960 إلى 3,980 دولاراً للأونصة.
ومنذ ذلك الحين، تعافى الذهب من أدنى مستوياته الصيفية، وكان يتداول بصورة مستقرة عند نحو 4,310 إلى 4,350 دولاراً للأونصة بحلول منتصف سبتمبر. إلا أن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات فرض ضغوطاً متجددة.
وأضافت حسن: «سيتوقف اتجاه الذهب من الآن فصاعداً على بيانات التضخم، وما إذا كانت الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة تمثل بداية دورة تشديد أطول أم ستعقبها عودة إلى خفض الفائدة. وسيظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار عاملين ضاغطين على المعدن، في حين قد تؤدي مؤشرات تراجع التضخم وتبني مجلس الاحتياطي الفيدرالي سياسة أكثر تيسيراً إلى استعادة طلب المستثمرين».
الطلب الصناعي يواصل دعم الفضة
استفادت الفضة في البداية من العديد من تدفقات الاستثمار نفسها التي دعمت الذهب، لا سيما مع بحث المستثمرين عن الحماية من استمرار التضخم وتوجههم إلى المعادن الثمينة باعتبارها مخزناً للقيمة.
إلا أن ارتفاعها كان أقوى بكثير، إذ تلقت دعماً أيضاً من الطلب الصناعي في قطاعات الطاقة الشمسية والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي. ودفع هذا المزيج الفضة إلى مستوى قياسي خلال التداولات بلغ 121.67 دولاراً للأونصة في أواخر يناير، فيما بلغت مكاسبها السنوية 173% في مايو.
ومنذ ذلك الحين، صححت الفضة بنحو 47% مقارنةً بمستواها القياسي، مع ضغط ارتفاع أسعار الفائدة على المعادن الثمينة. ومع ذلك، ساعد الاستهلاك الصناعي في الحد من حدة التراجع.
وأوضحت حسن: «على خلاف الطلب الاستثماري، لا يتراجع الطلب الصناعي بالضرورة لمجرد ارتفاع عوائد السندات. فلا يزال المصنعون بحاجة إلى الفضة لإنتاج الألواح الشمسية والإلكترونيات وغيرها من التقنيات المتقدمة. ويساعد هذا الطلب الأساسي في تفسير بقاء الفضة أعلى بنحو 55% مقارنةً بمستواها قبل عام، رغم التراجع الأخير».
توقعات الأشهر الستة المقبلة
ستواصل عوامل مختلفة رسم آفاق السلع الثلاث. فمن المتوقع أن يبقى النفط وثيق الارتباط بالصراع في الشرق الأوسط وأمن مسارات الإمداد الرئيسية. أما الذهب، فسيتحدد اتجاهه وفقاً للتضخم والدولار الأمريكي والخطوات المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وستتأثر الفضة بالقوى النقدية ذاتها، إلى جانب قوة الطلبات الصناعية.
واختتمت حسن قائلةً: «خلال الأشهر الستة المقبلة، سيتبع النفط مسار الصراع، وسيتبع الذهب توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فيما ستتبع الفضة توجهات المجلس إلى جانب وتيرة الطلب الصناعي».
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية