الجنوب في اليوم التالي: بين الآلية الدولية والسيادة اللبنانية

بقلم: د. خديجة رياض حكيم

خبيرة في الشأن الدولي والبترولي

بينما يحاول لبنان في الأمم المتحدة إعادة فتح الباب أمام تمديد مهمة اليونيفيل، يبدو أن السؤال في بعض دوائر واشنطن قد انتقل إلى ما بعد 31 كانون الأول 2026، فلم يعد السؤال هل تستمر اليونيفيل، بل ماذا سيأتي بعدها؟ فقرار مجلس الأمن بإنهاء ولايتها بعد هذا التاريخ، تمهيداً لانسحابها المنظم، يفتح الباب أمام نموذج أمني جديد لا يقوم بالضرورة على قوة دولية بديلة، بل على نقل مركز الثقل تدريجياً إلى الجيش اللبناني، عبر آلية دولية أصغر تتولى التدريب والتجهيز والمواكبة والتقييم. وهنا يتغير جوهر المسألة، فنحن لسنا أمام نهاية مهمة دولية فحسب، بل أمام إعادة صياغة للطريقة التي يُدار بها أمن الجنوب، وبات السؤال الحاسم يتحمور حول من يقود هذا الانتقال، وبأي شروط، ومن يقرر متى تصبح الدولة اللبنانية قادرة على تولي مسؤوليتها كاملة؟

ووفق التصور الأمريكي الذي بدأ يتبلور، ولا سيما الطرح المنشور في معهد واشنطن في أيلول 2026، لن تكون المرحلة المقبلة نسخة أخرى من اليونيفيل، بل آلية انتقالية أصغر وأكثر تخصصاً، تقودها الولايات المتحدة بمشاركة عربية وأوروبية ودول مانحة، فيما يوضع الجيش اللبناني في قلب المعادلة. وتتركز مهمتها على تدريب الجيش وتجهيزه، وتعزيز قدراته الاستخبارية والهندسية واللوجستية، ورفع قدرته على الحركة والانتشار والقيادة والسيطرة، ومواكبة انتقال المسؤولية الأمنية إليه تدريجياً. وبذلك لا يجري استبدال قوة بأخرى فحسب، بل إعادة بناء منظومة أمن الجنوب حول الجيش اللبناني، وفق انتقال مرحلي تقاس خطواته بمدى تحقق معايير محددة.

ولا يتوقف التصور عند إعادة توزيع الأدوار، بل يطال نموذج التمويل أيضاً، إذ ستُوجَّه الموارد، بدلاً من الحفاظ على وجود دولي واسع، إلى بناء قدرات لبنانية قادرة مع الوقت على الحلول محله. ويقترح التصور ثلاث مراحل تبدأ ببناء قدرات وحدات لبنانية مختارة من الجيش، ثم توسيع مسؤولياتها مع تحقق المعايير المطلوبة، وصولاً إلى تولي الجيش المسؤولية الأمنية وتقليص الدور الدولي تدريجياً. وهنا يصبح الانتقال مشروطاً بالأداء أكثر منه بالزمن:  مناطق محددة تُختبر فيها قدرة الجيش، ونتائج تُقيّم قبل الانتقال إلى نطاق أوسع. فنجاح التجربة يفتح الطريق أمام المرحلة التالية، فيما قد يؤدي التعثر إلى إبطاء الانتقال أو إعادة النظر في بعض خطواته.

لكن خلف هذا النموذج التقني يبرز سؤال أعمق: هل يبقى الدعم الدولي وسيلة لبناء قدرة الدولة، أم يتحول تدريجياً إلى أداة لتحديد مدى جاهزيتها لممارسة سيادتها؟. فلا خلاف على حاجة الجيش إلى التدريب والتجهيز والمساندة، لكن السيادة ليست شهادة كفاءة تمنحها جهة خارجية بعد اجتياز سلسلة من الاختبارات. فإذا كان المقصود هو إعادة المسؤولية إلى الدولة اللبنانية، فإن الدعم الدولي ينبغي أن يبني قدرتها على اتخاذ القرار، لا أن يتحول إلى الجهة التي تحدد متى تصبح مؤهلة لممارسته.

وهذا هو جوهر التحدي. فالجيش اللبناني لن يتحرك في فراغ، بل داخل شبكة من التدريب والتجهيز والاستخبارات والتنسيق والتقييم الدولي، بالتوازي مع ترتيبات تتصل بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ومعالجة البنى العسكرية للجماعات المسلحة، وآليات التحقق من تنفيذ الالتزامات. وقد عكست مشاورات عسكرية عربية وأوروبية في باريس في أيلول 2026 اتجاهاً مماثلاً للبحث في آليات لمرحلة ما بعد اليونيفيل، بعضها خارج إطار الأمم المتحدة، تركز على تدريب الجيش وتجهيزه ومواكبته. وقد تكون هذه الشبكة ضرورية في لحظة الانتقال الأولى، لكن المسألة تصبح أكثر حساسية إذا تحول الانتقال نفسه إلى حالة مفتوحة، إذا أصبحت كل مرحلة رهناً بتقييم جديد، وكل منطقة مختبراً جديداً، وكل خطوة إلى الأمام مشروطة بموافقة خارجية. عندها قد لا نكون أمام نهاية إدارة أمن الجنوب من الخارج، بل أمام إعادة إنتاجها بصورة مختلفة، وبأدوات أكثر دقة، ومن دون أن تحمل الاسم نفسه.

لكن علينا ألا ننسى أن للجنوب أهله، مواطنين لهم بيوت وأراضٍ ومدارس وذاكرة وحياة. فالجنوب ليس خطوطاً على خريطة، ولا نقاطاً على شاشة عمليات، ولا مساحة تُختبر فيها الترتيبات الدولية. إنه قرى وبيوت هدمتها الحرب، وبقيت بعض جدرانها واقفة كأنها تنتظر أهلها، وحقولٌ دُفنت تحت الركام بعدما كانت تمنح الأرض مواسمها؛ وأشجارٌ اقتُلعت من جذورها، ومدرسةٌ أسكتت جرسها وبقيت مقاعدها تنتظر تلاميذًا غابوا عنها قسراً، وطرقاتٌ فقدت أمانها فانقطع معها نبض القرى. فالحرب لم تهدم الحجر وحده، بل انتزعت من المكان شيئاً من حياته وذاكرته. ومن هنا، لا ينبغي أن يُقاس نجاح أي ترتيب جديد بعدد الجنود المنتشرين، أو حجم الآليات والموارد، بل بما يتركه على الأرض من قدرة للناس على استعادة حياتهم، وللمكان على استعادة نبضه.

ولعل مشهد الجنوب يكتسب وجعاً إضافياً حين نراه إلى جانب صور غزة التي تصلنا اليوم. ليس لأن التجربتين متطابقتان، وإنما لأن الركام في الحالتين يطرح السؤال ذاته عن اليوم التالي للحرب: ماذا يبقى للناس حين تصمت الحرب؟ ماذا يعني الأمان إذا لم يعد هناك بيت؟ وماذا تعني السيطرة على الأرض إذا تعذرت العودة إليها؟ فالحرب قد تصمت مدافعها، لكن آثارها تواصل الكلام في بيت مهدّم، وطريق مقطوع، ومدرسة مغلقة، وأرض ينتظر أصحابها الدخول اليها من جديد.

عندها يصبح الأمن والإعمار وعودة السكان حلقات في مصير واحد، فلا استقرار بلا حياة، ولا إعمار بلا أمان، ولا سلام يكتمل إذا بقي أهله خارج بيوتهم. ولذلك فإن السؤال عن ترتيبات ما بعد اليونيفيل لا ينبغي أن ينحصر في حجم القوة أو مصادر تمويلها أو الجهة التي تقودها، بل في الغاية التي أُنشئت من أجلها، والأهم: في اللحظة التي ينبغي أن تنتهي فيها. فإذا كان الهدف من الآلية هو مساعدة الجيش اللبناني على امتلاك القدرة التي تمكّنه من تولي المسؤولية الكاملة عن الجنوب، فإن نجاحها الحقيقي يُقاس، في مفارقة لافتة، بقدرتها على جعل نفسها غير ضرورية. فكلما تعزز تسليح الجيش وتدعيم قدراته، وجب أن يتراجع الدور الخارجي، وكلما اتسعت مسؤولية الدولة، وجب أن تضيق الحاجة إلى الآلية. أما إذا بقي الانتقال مفتوحاً على شروط متجددة ومراحل لا تكتمل، فقد يصبح “اليوم التالي” مجرد امتداد لليوم السابق، وإن تبدلت الأسماء والأدوات. وعندها تتجاوز المسألة حدود الآلية نفسها لتصبح قضية أعمق: من يحدد معنى الاستقرار في لبنان؟ ومن يملك حق تحديد اللحظة التي تصبح فيها الدولة جاهزة لممارسة سلطتها كاملة على أرضها؟ فالدعم الدولي يستطيع أن يبني القدرات، ويجهز المؤسسات، ويفتح أمام الدولة إمكانات تحتاج إليها، لكنه يفقد غايته إذا تحول من وسيلة لتمكين الدولة إلى مرجعية تقرر نيابةً عنها متى أصبحت قادرة على ممارسة سلطتها.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيأتي بعد اليونيفيل؟ بل ماذا نريد أن يأتي بعدها؟ هل تكون الآلية الجديدة جسراً تعبر عليه الدولة اللبنانية نحو سيادتها الكاملة، أم تتحول إلى محطة مفتوحة يبقى لبنان عالقاً عندها بين تقييم وآخر، وبين قرار وقرار؟

في النهاية، لا يحتاج الجنوب إلى أن تتبدّل الأسماء التي تتولى إدارة أمنه، بقدر ما يحتاج إلى أن تنتهي الحاجة إلى أن يُدار أمنه من الخارج. يحتاج إلى دولةٍ تحضر حيث غابت طويلاً، وجيشٍ يمتلك القدرة على حماية مسؤولياته، وأهلٍ يعودون إلى بيوتهم، وقرى تستعيد نبضها، وحقولٍ تعود إلى مواسمها، وأرضٍ يصبح الأمان فيها واقعاً يُعاش، لا وعداً يُنتظر.

فالسيادة لا تُمنح بشهادة من الخارج، ولا تُقاس بمدى رضا الآخرين عن جاهزية الدولة. نعم، يحتاج لبنان إلى الدعم والتدريب والتجهيز، وإلى جيشٍ أكثر قدرةً واستعداداً للاضطلاع بمسؤولياته كاملة. لكن الدعم شيء، وقرار السيادة شيء آخر. من حق المجتمع الدولي أن يساعد لبنان على بناء قدراته، وأن يساند مؤسساته، وأن يضع في متناول جيشه ما يحتاج إليه من تدريب وخبرة وتجهيز. لكن ليس من حقه أن يتحول من شريك في بناء القدرة إلى جهةٍ تقرر متى اكتملت، أو متى أصبح الجيش قادراً، أو متى أصبحت الدولة مستعدة لتولي مسؤولياتها. واللحظة التي ترى فيها الدولة أن مؤسساتها قد بلغت من القدرة ما يمكّنها من حمل مسؤولياتها كاملة، ليست موعداً يحدده الآخرون، ولا شهادةً تنتظرها من أحد، بل إنها لحظةٌ لبنانية خالصة، يقررها لبنان ويتحمل تبعاتها وحده.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كركي: الصحّة النفسيّة جزءٌ أساسيٌّ من منظومة الرّعاية الصحيّة المتكاملة

استقبل المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي د. محمد كركي، في مكتبه يوم أمس الأربعاء، ...

“بودكاست مناظرات الدوحة يعود بموسمه الجديد لمناقشة أفكار ورؤى تسهم في صياغة عالمنا”

ينطلق الموسم في 22 سبتمبر على مدار 20 حلقة، ليواصل عبر حوارات معمّقة نقاشات المناظرات ...

“إكس أس دوت كوم” تحصد لقب “العلامة التجارية الأكثر موثوقية في الأسواق المالية” خلال معرض دبي للفوركس

حصلت مجموعة إكس أس العالمية “إكس أس دوت كوم” (XS.com)، الوسيط العالمي الرائد في مجال ...