فاتورة التعليم في لبنان: إنفاق متشعّب… ونتائج تبحث عن حساب

د. خالد عيتاني – رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

يستطيع لبنان أن يقول، بالأرقام، كم خصّص لوزارة التربية في موازنة 2026. لكنه لا يستطيع أن يقول بالدقة نفسها: كم كلّف تعليم التلميذ اللبناني فعليًا، وأين ذهبت الأموال، وماذا أنتجت؟

وهذه ليست مفارقة محاسبية بسيطة.

فنحن نعرف موازنة الوزارة، ونعرف بعض التحويلات إلى المدارس الرسمية، ونعرف أن الدولة تدفع منحًا تعليمية لموظفيها، وتساهم في المدارس الخاصة المجانية، وتدعم صندوق تعويضات معلمي المدارس الخاصة، فيما تدخل أموال دولية عبر الصندوق الائتماني للتربية وبرامج أخرى لمساندة التعليم الرسمي.

لكننا لا نملك رقمًا واحدًا يجمع هذه المسارات تحت عنوان واضح:

كم تبلغ فاتورة التعليم في لبنان؟

السؤال اقتصادي بامتياز، لأنه يتعلق بكفاءة استخدام المال العام، وبنوعية التعليم، وبقدرة الدولة على تحويل الإنفاق التربوي إلى استثمار حقيقي في رأس المال البشري.

فالقاعدة بسيطة: قبل أن تطالب بمزيد من الموارد، عليك أن تعرف كيف تستخدم الموارد الموجودة، ومن يستفيد منها، وما العائد الذي تحققه.

الرقم الذي يجب أن نتوقف عنده

وفق أحدث نشرة إحصائية شاملة منشورة عن المركز التربوي للبحوث والإنماء، والتي تتناول العام الدراسي 2024–2025، بلغ عدد تلامذة التعليم العام في لبنان 1,034,295 تلميذًا.

من بينهم 294,726 تلميذًا في التعليم الرسمي، أي 28.49%، مقابل 596,764 في التعليم الخاص غير المجاني، و107,012 في التعليم الخاص المجاني، إضافة إلى 35,793 تلميذًا في مدارس الأونروا.

لكن الرقم الأكثر دلالة ليس عدد التلامذة وحده.

فالقطاع الرسمي يضم 1,221 مؤسسة من أصل 2,843 مؤسسة تعليم عام، أي نحو 43% من المؤسسات، لكنه يستوعب 28.5% فقط من التلامذة.

هذه إحدى أهم نقاط النقاش في اقتصاد التعليم اللبناني:

43% من المؤسسات مقابل 28.5% من التلامذة.

لكن القفز مباشرة من هذا الرقم إلى كلمة «هدر» سيكون خطأ.

فالمدرسة الرسمية في قرية جبلية أو منطقة حدودية ليست مشروعًا تجاريًا يُقفل لأن عدد المستفيدين منه منخفض. وجودها قد يكون شرطًا لاستمرار التعليم نفسه في المنطقة.

وفي المقابل، يصعب اقتصاديًا تبرير مؤسسة تضم عددًا محدودًا جدًا من التلامذة إذا كانت هناك مدرسة رسمية قريبة قادرة على استيعابهم بنوعية أفضل وكلفة أقل.

لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس:

كم تلميذًا في المدرسة؟

بل:

كم تكلف المدرسة، وما القيمة التربوية والاجتماعية التي تقدمها مقابل هذه الكلفة؟

من هنا، لا تعود الخريطة المدرسية مجرد توزيع جغرافي للمؤسسات، بل تصبح خريطة اقتصادية للتعليم تربط عدد التلامذة والمعلمين بالكلفة والمسافة والنقل والطاقة الاستيعابية والنتائج التعليمية.

وثمة رقم آخر يستحق الانتباه.

فبين العامين الدراسيين 2023–2024 و2024–2025، ارتفع عدد تلامذة التعليم الرسمي من 277,216 إلى 294,726 تلميذًا، أي بزيادة نحو 6.3%، في وقت تراجع فيه إجمالي عدد التلامذة في لبنان بنحو 4.6%.

هذه الزيادة لا تسمح وحدها بتحديد السبب. فقد يكون ارتفاع أقساط التعليم الخاص عاملًا، وقد تكون هناك اعتبارات اقتصادية وديموغرافية أخرى.

لكنها تثبت شيئًا مهمًا:

الطلب على المدرسة الرسمية لم يختفِ.

بل إن الرسمي استطاع استعادة تلامذة في أصعب الظروف.

وهنا يصبح السؤال أبعد من عدد المسجلين: هل تنظر الدولة إلى التعليم الرسمي باعتباره أصلًا وطنيًا واستثمارًا في رأس المال البشري، أم باعتباره خدمة اجتماعية مخصصة أساسًا لمن لا يستطيع تحمل كلفة البديل؟

في النظرة الأولى، تستثمر الدولة في الجودة والمعلم والبنية التحتية والتكنولوجيا والمناهج والنتائج.

وفي الثانية، يصبح الهدف إبقاء المدرسة مفتوحة بأقل كلفة ممكنة.

والفرق بين النظرتين هو، في النهاية، الفرق بين إدارة التعليم وبناء التعليم.

موازنة واحدة… واقتصاد تعليمي موزّع

في موازنة 2026 بلغت اعتمادات وزارة التربية والتعليم العالي، وفق التصنيف الإداري، نحو 54,859 مليار ليرة، أي نحو 10.2% من الموازنة العامة.

أما وفق التصنيف الوظيفي، فتبلغ النفقات المصنفة تحت وظيفة «التعليم» نحو 50,675 مليار ليرة.

التمييز بين الرقمين ضروري.

فالأول يجيب عن سؤال: أي جهة حكومية تنفق؟

والثاني يجيب عن سؤال: على أي وظيفة عامة يُنفق المال؟

لكن أيًا منهما لا يمثل مباشرة كلفة التعليم العام الرسمي.

لذلك لا يجوز تقسيم موازنة وزارة التربية على عدد تلامذة الرسمي واستخراج ما يسمى «كلفة التلميذ». فالوزارة تشمل قطاعات أخرى، فيما توجد في المقابل نفقات تعليمية تقع خارج موازنتها المباشرة.

وهنا يظهر الخلل الأساسي:

موازنة التربية موجودة، لكن فاتورة التعليم غير موجودة.

في كانون الأول 2025 أعلنت وزارة التربية أن مجموع ما صُرف لتغذية صناديق المدارس والثانويات الرسمية منذ تولي الوزيرة ريما كرامي مسؤولياتها بلغ نحو 26 مليون دولار.

هذا الرقم ليس كلفة التعليم الرسمي، لكنه يعكس حاجة المدارس إلى تمويل تشغيلي مباشر لا يمكن قراءته من رقم الموازنة وحده.

ثم تأتي منح التعليم لموظفي الدولة.

من الناحية القانونية، هي تقديم اجتماعي للموظف وليست دعمًا مباشرًا لمدرسة خاصة. لكن من الناحية الاقتصادية، عندما تُستخدم المنحة لتغطية قسط مدرسة خاصة، فإن جزءًا من المال العام يدخل فعليًا في تمويل قرار الأسرة التعليمي.

وفي تموز 2026 أعلن المدير العام لتعاونية موظفي الدولة نزيه حمود أن قرارات صرف المنح التعليمية وُقعت لنحو 90% من المعاملات الواردة من المناطق، مع تأمين الاعتمادات اللازمة.

لكن الرقم الذي يحتاجه صانع القرار لا يزال غائبًا في صورة موحدة:

كم دفعت الدولة فعليًا كمنح تعليمية عبر التعاونية والصناديق العسكرية والأمنية وسائر المؤسسات العامة؟

وكم ارتبط منها بالتعليم الرسمي، وكم استُخدم في التعليم الخاص؟

من دون هذا الرقم، يبقى جزء أساسي من فاتورة التعليم خارج الحساب.

المال العام بين الرسمي والخاص

يضم التعليم الخاص المجاني، وفق أحدث رقم رسمي منشور، 107,012 تلميذًا موزعين على 329 مدرسة.

أي أن أكثر من واحد من كل عشرة تلامذة في التعليم العام اللبناني موجود في قطاع خاص يستفيد تاريخيًا من مساهمة الدولة.

وفي 2026 بقي هذا الملف حاضرًا، إذ طالبت المؤسسات المعنية أكثر من مرة بصرف المساهمات المستحقة، فيما ربط نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض تمويل هذه المدارس بضرورة تشديد الرقابة عليها.

والنقاش هنا لا يجب أن يتحول إلى مواجهة بين الرسمي والخاص.

فالعديد من هذه المدارس يؤدي وظيفة اجتماعية وتعليمية حقيقية، وخصوصًا لدى شرائح ومناطق يصعب عليها تحمل كلفة التعليم الخاص غير المجاني.

لكن المال العام يفرض معيارًا واحدًا على الجميع:

كم دفعت الدولة؟ كم تلميذًا استفاد؟ وما النتيجة التعليمية؟

وفي جلسة مجلس النواب المنعقدة يومي 15 و16 أيلول 2026، أُقر اعتماد إضافي بقيمة 200 مليار ليرة لصندوق التعويضات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة.

هذا المبلغ ليس دعمًا لأقساط التلامذة، ولا تمويلًا تشغيليًا لمدرسة خاصة، بل مساهمة مرتبطة بحقوق أفراد الهيئة التعليمية.

وهذه الفروق مهمة.

فمساهمة الدولة في مدرسة خاصة مجانية، ومنحة التعليم لموظف عام، ومساهمة الخزينة في صندوق تعويضات المعلمين، ليست النوع نفسه من الإنفاق.

لكنها جميعًا يجب أن تظهر في الحساب الوطني للتعليم، لأن المال العام يجب أن يكون قابلًا للتتبع مهما اختلفت قناته.

المطلوب ألا نخلط هذه التدفقات، وألا نخفيها أيضًا.

نفصلها أولًا، ثم نجمعها في الصورة الكاملة.

المال الدولي… ثم فاتورة الحرب

إلى جانب الإنفاق المحلي، يدخل التمويل الدولي في معادلة المدرسة الرسمية.

ففي 16 أيلول 2026 عقد المجلس الاستراتيجي الأعلى للصندوق الائتماني للتربية TREF اجتماعه الثالث لمناقشة دعم النظام التعليمي والتوجهات للعام الدراسي 2026–2027 وما بعده.

الصندوق يساهم في مجالات ترتبط بالتعليم الرسمي والإدارة والحوكمة والبيانات والتمويل. لكن القضية الأهم ليست حجم المال وحده، بل استدامته.

فالمانح يستطيع المساعدة في مرحلة انتقالية، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا دائمًا عن الدولة.

وقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن التعليم يمثل ركيزة أساسية لتعافي لبنان، فيما شددت وزيرة التربية ريما كرامي على ضرورة أن يترجم الاستثمار إلى نتائج تعليمية أفضل وأكثر إنصافًا.

وهذا هو المعيار الحقيقي:

الإنفاق ليس نتيجة.

يمكن أن تزيد الموازنة من دون أن تتحسن المدرسة، ويمكن أن تأتي المساعدات من دون أن تصبح المنظومة أكثر استدامة.

ما يهم هو ما يحدث داخل الصف.

وفوق ذلك كله، دخل عنصر جديد إلى معادلة 2026: إعادة الإعمار التربوي.

فبحسب بيانات نشرتها اليونيسف في أيلول 2026 استنادًا إلى مسح لوزارة التربية بدعم منها، جرى تقييم 1,089 مرفقًا تعليميًا، وتبين وجود 436 مرفقًا متضررًا و37 مرفقًا مدمرًا نتيجة التصعيد منذ آذار.

أي أن فاتورة التعليم لم تعد تقتصر على الرواتب والتشغيل والتكنولوجيا والمناهج والصيانة.

هناك اليوم كلفة إضافية لإعادة تأهيل بنية تربوية تضررت بفعل الحرب.

والمفارقة أن لبنان يحتاج في هذه اللحظة إلى مزيد من المال، فيما لا يزال عاجزًا عن تقديم صورة واحدة متكاملة عن المال الذي ينفقه أصلًا.

من موازنة التربية إلى «الحساب الوطني للتعليم»

لهذا، فإن الإصلاح المالي للتعليم لا يبدأ، برأيي، بإضافة رقم جديد إلى الموازنة.

يبدأ بإنشاء حساب وطني للإنفاق التعليمي.

حساب يجمع في قاعدة واحدة موازنة وزارة التربية، والرواتب والتعويضات، والتحويلات إلى صناديق المدارس، ومنح الموظفين والمؤسسات العسكرية والأمنية، ومساهمات المدارس الخاصة المجانية، والمساهمات في صناديق التعويضات، والتمويل الدولي والهبات.

ثم يربط هذه التدفقات بعدد التلامذة والمدارس والنتائج التعليمية.

عندها فقط يستطيع لبنان أن يعرف:

كم تكلف المدرسة الرسمية فعلًا؟

كم تبلغ كلفة التلميذ؟

كم يصل من المال العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى التعليم الخاص؟

كم تكلف المدرسة الصغيرة مقارنة بالكبيرة؟

كم من المال يصل إلى الصف نفسه؟

والأهم:

ماذا يحصل التلميذ مقابل كل ليرة ينفقها المجتمع على تعليمه؟

هذا هو السؤال الذي ينقل التربية من إدارة الموازنات إلى اقتصاد التعليم.

ولا تثبت الأرقام المتاحة وجود خطة سياسية موحدة ومتعمدة لإضعاف التعليم الرسمي؛ مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة تتجاوز المؤشرات المالية.

لكنها تكشف مشكلة لا تقل خطورة:

تمويل التعليم في لبنان مجزأ إلى درجة أن الدولة لا ترى صورته الكاملة.

ولذلك، فالمطلوب ليس أن ينتصر الرسمي على الخاص، أو الخاص على الرسمي.

لبنان يحتاج إلى الاثنين.

لكن حين يتعلق الأمر بالمال العام، يجب أن تكون القاعدة واحدة:

الحاجة، والكلفة، والجودة، والنتيجة.

ويعود الرقم الأساسي ليختصر التحدي:

43% من مؤسسات التعليم العام رسمية، لكنها تستوعب 28.5% من التلامذة.

هذا الرقم لا يدين المدرسة الرسمية، لكنه يفرض مراجعة توزيع المؤسسات والموارد وفق حاجات لبنان الحالية.

وفي المقابل، فإن ارتفاع عدد تلامذة الرسمي 6.3% في آخر سنة إحصائية مكتملة يقول شيئًا آخر لا يقل أهمية:

هناك فرصة لإعادة بناء المدرسة الرسمية، لا لإدارة تراجعها فقط.

الخلاصة

ليست القضية أن ينفق لبنان أكثر أو أقل على التعليم.

القضية أن يعرف أولًا:

أين يذهب المال، ومن يستفيد منه، وماذا ينتج؟

فزيادة الإنفاق داخل منظومة لا تقيس كفاءتها قد تزيد الكلفة من دون أن تزيد القيمة.

أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ عندما ننتقل من تمويل مؤسسات وصناديق متفرقة إلى تمويل نتيجة تعليمية قابلة للقياس، وعندما تصبح المدرسة جزءًا من سياسة اقتصادية لبناء الإنسان، لا مجرد بند اجتماعي في الموازنة.

فالمال الذي لا نعرف مساره لا نستطيع قياس أثره، والتعليم الذي لا نقيس أثره لا يتحول إلى استثمار.

وفي بلد يبحث عن طريق للنهوض، تبقى الحقيقة الأبسط:

رأس المال البشري هو أغلى ما يملكه لبنان، والمدرسة هي المصنع الأول لهذا الرأس المال.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الذكاء الاصطناعي يغير قطاع الفعاليات والتكنولوجيا اللبنانية تنطلق عالميا مع Blend

تأسست Blend في لبنان على يد ليو تشينوزيان وراياد مغامس وجو زاخور، وهي توسع تكنولوجيا ...

ارتفاع النفط مع إعادة الجمود الأمريكي الإيراني إحياء مخاطر الإمدادات

تحليل السوق التالي عن محمود مشعل، كبير محللي الأسواق، VT Markets دبي ارتفعت أسعار النفط ...

IFS تستعرض إمكانات التحول الصناعي المدعوم بالذكاء الاصطناعي خلال فعاليات عالم الذكاء الاصطناعي أبوظبي 2026

تستعرض آي إف إس IFS، المزود الرائد لبرمجيات الذكاء الاصطناعي الصناعي، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي ...