قراءة في نتائج اختبار «بيزا» PISA 2025 ومسار لإعادة البناء التربوي في لبنان

د. ميلاد السبعلي

قد ينجح الطالب وينتقل بين الصفوف، ثم يعجز في الخامسة عشرة عن فهم نص أو تفسير تجربة أو حل مسألة حياتية. حين يتكرر ذلك، تصبح المشكلة في قدرة النظام التعليمي على تحويل سنوات الدراسة إلى معرفة قابلة للاستخدام.

كشفت «بيزا» 2025 (وهو اختبار عالمي لكفايات المتعلم بعمر 15 سنة في القراءة والرياضيات والعلوم وحل المشكلات)، أن المستوى الأساسي، أي الحد الأدنى لفهم الطالب للقراءة أو مساءل الرياضيات والعلوم، لم يبلغه سوى 22% من طلاب لبنان في القراءة، و31% في الرياضيات، و34% في العلوم، مقابل 69% و65% و74% في متوسط دول OECD. أما المتوسط الحسابي للإمارات والسعودية والأردن فبلغ نحو 41% و41% و55%، على التوالي؛ وهو متوسط هذه الدول الثلاث، وليس جميع الدول العربية المشاركة في الاختبار. وهذا المستوى يمثل حدًا أدنى للفهم والتطبيق، لا التفوق. فبقاء نحو أربعة طلاب من كل خمسة دونه في القراءة يستدعي مراجعة المسار المدرسي كله، ويضرب أوهام التفوق والإداعاءات الفارغة للمنظومة التربوية في لبنان.

ماذا تغيّر بين نتائح الاختبار في 2018 و2025؟

تراجعت نقاط القراءة للطلاب اللبنانيين من 353 نقطة في 2018 إلى 331 في 2025، بخسارة 22 نقطة، وانخفض بلوغ المستوى الأساسي من نحو 32% إلى 22%، أي عشر نقاط مئوية تقريبًا. وفي الرياضيات، تراجعت العلامة من 393 إلى 377، بفارق 16 نقطة، ونسبة بلوغ المستوى الأساسي من نحو 40% إلى 31%. وفي العلوم، انخفضت العلامة من 384 إلى 372، بفارق 12 نقطة، والنسبة من نحو 38% إلى 34%. تمتد صعوبات القراءة إلى فهم الأسئلة والشروح في جميع المواد، بينما يكشف التعثر في الرياضيات والعلوم ضعف تفسير المواقف واستخدام المعرفة والأدلة.

في 2018، وقع ترتيب لبنان المنشور لدى OECD في المرتبة 73 في القراءة من أصل 77 دولة، والمرتبة 63 في الرياضيات و71 في العلوم من أصل 78 دولة. أما ترتيب المتوسطات المنشورة في 2025 فيضعه تقريبًا في المرتبة 85 من أصل 90 دولة في القراءة، والمرتبة 71 من أصل 90 في الرياضيات، و78 من أصل 91 في العلوم. وهي مراتب في أسفل السلّم سواء مقارنة مع الدول العربية أو دول العالم المشاركة في الاختبار.

وانخفض متوسط الدول المشاركة بين 2018 و2025 من 487 إلى 461 نقطة في القراءة، ومن 489 إلى 463 في الرياضيات، ومن 489 إلى 482 في العلوم. لكن لبنان بدأ من مستوى أدنى، وانتهى بفجوات تبلغ 130 و86 و110 نقاط، على التوالي مع هذا المتوسط. والتراجع الدولي لا يعفي نظامًا يجمع بين ضعف سابق واسع وتراجع إضافي في السنوات الأخيرة.

المقارنة العربية ومعناها التربوي

في القراءة، انتقل الأردن من 419 نقطة في 2018 إلى 363 في 2025، والسعودية من 399 إلى 387، والإمارات من 432 إلى 433. بقي لبنان أدنى من الثلاثة، بفوارق عام 2025 بلغت 32 نقطة عن الأردن، و56 عن السعودية، و102 عن الإمارات.

وفي الرياضيات، سجّل الأردن 400 نقطة في 2018 و388 في 2025، والسعودية 373 ثم 390، والإمارات 435 ثم 453، مقابل 393 ثم 377 للبنان. وفي العلوم، سجّل الأردن 429 ثم 407، والسعودية 386 ثم 413، والإمارات 434 ثم 458، مقابل 384 ثم 372 للبنان. وهكذا أصبح لبنان أدنى منها في المواد كلها، بعدما تقدم في 2018 على السعودية رياضيًا وقاربها في العلوم.

وبلغ المستوى الأساسي في القراءة عام 2025 نحو 26% من الطلاب في الأردن، و40% في السعودية، و58% في الإمارات، و69% في متوسط OECD، مقابل 22% في لبنان. وفي العلوم بلغت النسب لهذه الدول 48% و51% و65% و74%، مقابل 34% للبنان. لا تثبت المقارنة سببًا بعينه، لكنها تؤكد اختلاف المسارات وإمكان توسيع الكفاية. وتحتاج الفروق داخل لبنان، بين الرسمي والخاص والبرامج الدولية والمناطق ولغات التعليم، إلى تحليل بيانات موثق؛ فالنتائج الوطنية لا تكفي للحكم على كل مسار.

أزمة قديمة عمّقتها الصدمات

قبل الأزمات اللاحقة، بقي في 2018 نحو 68% من طلاب لبنان دون المستوى الأساسي في القراءة، و60% في الرياضيات، و62% في العلوم. لكن الانقطاع عمّق الضعف: قدّر البنك الدولي التعليم الحضوري في المدارس الرسمية بنحو 270 يومًا خلال أربع سنوات بين 2019 و2023، بدل نحو 600، ثم أضيفت اضطرابات الحرب والنزوح.

وتستدعي المقارنة مراعاة اتساع الوصول إلى التعليم. فقد ربطت OECD التراجع الظاهر مقارنة بعام 2015، جزئيًا، بزيادة المؤهلين للاختبار ودخول فئات أقل تمثيلًا سابقًا. ولم يشمل اختبار 2025 محافظتين شديدتي التأثر بالنزاع. تضبط هذه التحفظات التفسير، فيما تبقى مسؤولية المدرسة توفير الدعم للطلاب المقبولين فيها. فالعودة بعد الانقطاع تتطلب تشخيص المتطلبات المفقودة، وإلا تراكمت دروس جديدة فوق أساس ضعيف.

تعليم عالمي يتغير ومدرسة تحتاج إلى استعادة قدرتها على التطور

بين 2018 و2025، تطورت أدوات التشخيص والتغذية الراجعة والتعلّم التكيّفي والموارد التفاعلية، واتسع الاهتمام بالتطبيق والبحث والكفايات والمشاريع، ثم دخل الذكاء الاصطناعي حياة الطلاب. لم تضمن هذه التحولات النجاح، لكنها فرضت مراجعة طرق التدريس والتحقق من الفهم والاستقلالية.

فيما بقي المنهج اللبناني مرتبطًا ببنية 1997، مع تعديلات وأهداف وكفايات لاحقة، وأطر نظرية للذكاء الاصطناعي والتطوير التربوي. ويُختبر التجديد ليس بما يصمم من قبل بضعة خبراء، بل بانتقاله إلى النشاط والتدريس والامتحان؛ فتطوير الكفايات التخصصية والأساسية يحتاج إلى ممارسة تتجاوز استرجاع المعلومات.

وأظهرت إحصاءات اختبار «بيزا» انخفاض العجز عن قراءة كلمات بالعربية، لدى طلاب المدارس الصباحية المشاركة، من 41% إلى نحو 9%، والمبتدئين في الرياضيات من 35% إلى 7%. لا يمكن الجزم بأن طريقة التدريس وحدها أدّت إلى هذا التحسّن، لأن اختيار الطلاب لم يكن عشوائيًا، ولأنهم تلقّوا ساعات تعليم إضافية. لكن النتائج تشجّع على تشخيص صعوباتهم، وتقديم الدعم المناسب، ثم قياس تقدّمهم مجددًا.كذلك أفاد 37% من الطلاب بالتغيب يومًا على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، و44% منهم بالضجيج والفوضى في معظم دروس العلوم أو كلها، و33% بالتنمّر بضع مرات شهريًا أو أكثر. لذلك يرتبط التحصيل بالحضور والأمان وتنظيم الصف.

من نتائج «بيزا» إلى تطوير التعليم: المكتبة الرقمية ودورها

توجّه هذه النتائج، الأولويات نحو فهم النصوص والمفاهيم، وتفسير العلاقات والبيانات، وتطبيق المعرفة. ويمكن لمكتبة رقمية تفاعلية لجميع الصفوف والمواد دعم هذا التحول، بدءًا بالقراءة بالعربية ولغات تعليم الرياضيات والعلوم، والأساسيات في الرياضيات والعلوم. ويتيح تنظيمها بحسب المهارات والصفوف العودة إلى متطلبات سابقة غير محققة عند الطلاب، ومعالجة الفجوات دون افتراض أن الانتقال المدرسي من صف الى آخر يعني الإتقان.

بل يجب أن يبدأ الدرس أو الوحدة بفحص المعرفة السابقة، ثم شرح ونشاط وتغذية راجعة توضح الخطأ ونقاط الضعف، وتنتهي بتطبيق مستقل. يقرأ الطالب ويستدل، ويمثل المسألة ويقارن الحلول، ويتوقع نتائج التجارب ويفسر بياناتها. ويستخدم المعلم النتائج لتغيير طريقة الشرح وتشكيل مجموعات الدعم. أما التعلّم التكيّفي فيغيّر صعوبة النشاط والخطوة التالية بحسب استجابة الطالب، بإشراف المعلم. هكذا تساعد المكتبة الرقمية التفاعلية، إن وجدت، على استدراك الفاقد وتطوير التدريس والاستقصاء معًا.

ويتطلب نجاحها مراجعة المحتوى وتدريب المعلمين، وإتاحة الاستخدام، حتى من دون اتصال دائم بالانترنت، والأنشطة المطبوعة والشرح الصوتي والبصري ومراعاة الاحتياجات المختلفة. ويبدأ التنفيذ بتجارب في مدارس متنوعة، ويُقاس الفهم والتطبيق والكفايات قبل التوسع؛ فقيمة المورد تتحدد بما يستطيع الطالب إنجازه بعده.

ولكي تصبح هذه المكتبة جزءًا من الإصلاح، تُدمج أنشطتها في تخطيط الدروس وفي الوقت المخصص للدعم، ويُراجع المعلم تقدم الطلاب ويكمل ما يحتاج إلى حوار أو تجربة عملية. فالشرح الرقمي يمكن تكراره وتخصيصه، بينما يحتاج الطالب أيضًا إلى علاقة تربوية تشجعه على المحاولة، وإلى نقاش مع أقرانه يكشف اختلاف التفسيرات. ويضمن هذا التكامل أن تستثمر المدرسة مواردها في معالجة حاجات واضحة لكل طالب، وأن يبقى الكتاب والورقة والعمل اليدوي والتجريب حاضرًا في التعلّم.

الذكاء الاصطناعي وتنمية استقلالية الطالب

أفاد 48% من الطلاب اللبنانيين في استبيانات «بيزا» للعام 2025، باستخدام روبوتات المحادثة أسبوعيًا على الأقل للتعلّم، و34% منهم لإعداد مسودات كتابية. لا تثبت البيانات أن هذا الاستخدام هو ما سبّب ضعف القراءة، لأن هذا الضعف كان سابقا لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها تفرض تنظيمًا جديداً يحمي الجهد المعرفي والتحقق والاستقلالية.

في مرحلتي الروضة والابتدائي، تتقدم القراءة والكتابة باليد واللعب والحركة والفنون والملاحظة والحوار والتعلّم الجماعي. يستخدم المعلم المحتوى التفاعلي والأدوات الذكية للتحضير والتنويع ومتابعة التعثر، مع مراجعة المخرجات وحماية البيانات وتحليلها، دون استخدام مستقل للطفل للأدوات التوليدية.

وفي المرحلة المتوسطة يبدأ الاستخدام المحدود والموجّه: يقرأ الطالب ويحاول قبل مقارنة اقتراح الأداة الذكية، ويتحقق ويصرّح باستخدامها. ثم يعمل على مشاريع متعددة الاختصاصات، كتحليل استهلاك المياه باستخدام كفاياته في الرياضيات والعلوم، وعرض النتائج.

وفي المرحلة الثانوية، يصوغ أسئلة ويجمع بيانات ويجري تجارب أو مقابلات، وينتج معرفة ورأيًا أصيلين يستطيع الدفاع عنهما. وتساعده الأدوات والتطبيقات الذكية في البحث والتنظيم، مع تحمّل مسؤولية المنهج والاستنتاج والمصادر والمنتج. ويتابع التقويم المحاولات والمصادر والمسودات والتعديلات والمناقشة، ثم التطبيق المستقل في مواقف جديدة، حتى يكشف القدرة المكتسبة وينمّي التفكير والبحث والتعاون وتنظيم التعلّم.

مسؤولية وطنية وممارسة مدرسية مستمرة

تحتاج الدولة إلى ربط نتائج الـ «بيزا» بمراجعة المناهج والكتب والامتحانات وتأهيل المعلمين ودعم المدارس الأكثر حاجة، وتحليل الفروق لتوزيع الموارد بعدالة، وضمان جودة المحتوى والخصوصية والإتاحة. وتترجم المدرسة ذلك إلى قراءة منتظمة وتفسير وتجريب وتشخيص ودعم، وتتابع التقدم دون انتظار دورة «بيزا» التالية. ويصبح الإصلاح مسارًا مستدامًا يستفيد من التطور العالمي ويختبر ملاءمته محليًا.

وتحتاج متابعة النتائج إلى مهمات متنوعة تكشف الفهم خارج الأمثلة المحفوظة. يستطيع المعلم أن يطلب تفسير حلول في الرياضيات، أو مقارنة نصّين، أو مناقشة استنتاج علمي، ثم يحدد الكفاية التي تستدعي دعمًا. وتساعد هذه المتابعة على مراجعة التدريس خلال السنة، وعلى جعل تدريب المعلمين مرتبطًا بالصعوبات التي يواجهونها فعلًا. وتبقى نتائج «بيزا» مؤشرًا واسعًا يوجه الأسئلة والأولويات، فيما يوفر التقويم المدرسي المعرفة القريبة التي تسمح بمساعدة الطالب في الوقت المناسب.

يصبح فهم اللغة مسؤولية مشتركة بين معلمي المواد. فالطالب يحتاج إلى فهم السؤال والمصطلح والحجة قبل استخدام معرفته في الرياضيات والعلوم لحل مشاكل عملية وحياتية. ويقتضي ذلك تعاونًا في اختيار النصوص وشرح المفردات وتدريب الطلاب على التعبير عن تفكيرهم. بهذا تتكامل معالجة القراءة مع تطوير سائر المواد، وتصبح المدرسة أقدر على اكتشاف التعثر مبكرًا. كما على المدرسة أن تحرص على تطوير الكفايات الأساسية، وخاصة ما يتعلّق منها بمحاور التكفير والشخصية والتعلّم والبحث والتواصل الاجتماعي والعاطفي، لبناء شخصية الطالب وعلومه وكفايات بشكل متوازن وصحي وعصري.

استعادة قدرة المدرسة على بناء المستقبل

خلف الأرقام طلاب كان ينبغي أن تمنحهم المدرسة فرصًا أوسع للفهم والتفكير والمشاركة. وتأخير معالجة التعثر يضيّق مستقبلهم. تُستعاد الثقة حين يظهر تقدمهم، ويحصل المعلم على الموارد والتدريب وشروط العمل، وتخدم التقنية نمو كل طالب، ويساعده الذكاء الاصطناعي على البحث والتفكير النقدي والابداعي عضو استبدال ذلك. فالقراءة تفتح المعرفة، والتحقق يبني الحكم المستقل، والبحث والإنتاج يمنحان الطالب دورًا في مجتمعه.

أما تطوير المناهج بمعزل عن عملية التعلّم، فيختزل الإصلاح في وثائق بعيدة عن الصفوف. فتجديد المحتوى والأنشطة يتطلب تطوير قدرات المعلم التربوية والتكنولوجية، وإتاحة الأدوات المعاصرة وتحسين البيئة المدرسية، حتى يقترب المنهج المطبّق ومخرجاته مما تم تصميمه من نظريات وأوراق بحثية. ويجب تطوير التقويم المدرسي والامتحانات الرسمية لقياس الفهم والتطبيق والكفايات الأساسية في التفكير والبحث والتواصل والتعاون والتعلّم المستقل. دون هذا الترابط، يصبح التطوير اجتزاءً وتسويقًا لأوهام خُلَّبية، بينما تبقى أسباب التعثر. مسؤولية الإصلاح تحويل الوعود إلى قدرات يستخدمها الطالب في حياته، وعندها يمكن أن يتحسن أداؤه في الاختبارات الدولية. وعندها فقط نخرج من الأوهام والادعاءات بالتميّز والركون الى أمجاد الماضي، فيما البيانات التي تنتجها الاختبارات الدولية تظهر عكس ذلك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أومودا وجايكو تستعد للكشف العالمي عن ‎OMODA X‎ وتقنيات هجينة وذكية جديدة في الصين

تستعد أومودا وجايكو للكشف عن أحدث طرازاتها OMODA X، إلى جانب مجموعة من التطورات في ...

الريجي” تضبط مصنوعات تبغية مهرّبة ومزوّرة في البقاع والشوف

أعلنت إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية “الريجي” أن جهازها لمكافحة التهريب ضبط كميات من السجائر ...

“إنماء طرابلس والميناء”: لحلّ فوري وسريع لأزمة النفايات في المدينة

أمام تفاقم أزمة النفايات في مدينة طرابلس وما تسبّبه من أضرار صحية وبيئية وتشويه لصورة ...