بقلم سامر حسن، محلل أسواق أول في XS.com
ترتفع العقود الآجلة لكل من خامي غرب تكساس الوسيط وبرنت بأكثر من 1% في التعاملات المبكرة صباح اليوم.
تقود العوامل المتعاكسة سوق النفط في مساره الجانبي، حيث نرى من جانب اتجاه الإدارة الأمريكية للامتناع مؤقتاً عن التصعيد وتحقيق قدر من الهدوء قبيل الانتخابات النصفية، ومن جانب آخر لا أرى سوى آفاق للتصعيد الواسع في الشرق الأوسط على نحو متعدد الجبهات، مما يُبقي مخاطر تجدد استهداف البنية التحتية للطاقة مرتفعة.
قد تبقى السوق متخوفة من تجدد انقطاع الإمدادات واضطرابها سواء في مضيق هرمز أو البحر الأحمر طالما بقيت مخاطر التصعيد مرتفعة، وهي المخاطر التي قد تؤدي إلى جعل ملايين البراميل المتدفقة من الإقليم جزءاً من الماضي في حال تجدد استهداف البنى التحتية، وهو ما قد يبرر عودة الارتفاع في الأسعار للجلسة الثالثة على التوالي.
من جانب آخر، شهدنا إعلان الرئيس دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا فيما يخص منشآت الطاقة، إضافة إلى عزم روسيا إمداد السوق العالمية بالديزل. لكنني لا أرى أي شيء يدعو للتفاؤل من ادعاء ترامب هذا، إذ قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه لم يكن على دراية بالإعلان. علاوة على ذلك، فإن ما ستقدمه روسيا من الديزل طوال هذا الاتفاق المزمع خلال الأشهر القادمة لا يساوي سوى أقل من نصف الاستهلاك العالمي اليومي من المادة. على سبيل المثال، إذا صدرت روسيا 500,000 طن من الديزل (ما يعادل 3.73 مليون برميل) خلال نوفمبر، فإن هذا المقدار بالكاد يكفي لتغطية استهلاك الولايات المتحدة في اليوم الواحد والبالغ قرابة 3.6 مليون برميل يومياً تقريباً. حتى هذا المقدار الضئيل من الصادرات مرهون بامتثال روسيا وأوكرانيا بالامتناع عن استهداف منشآت الطاقة، وهو ما أشك فيه.
لكن في كل الأحوال، فإن الجزء الممتلئ من الكأس هنا يوحي لنا على الأقل بأن الإدارة الأمريكية تسعى لفرض انخفاض في أسعار الخام ومشتقاته خلال الأيام القليلة المقبلة، وقد تمتنع عن القيام بما قد يؤدي إلى عكس ذلك، وهو ما قد يساهم في الحيلولة دون استمرار ارتفاع أسعار الخام عالياً. لكن حتى هذا يبقى فرضية غير مضمونة.
علاوة على ذلك، وفي الشرق الأوسط، فإن البيئة الرمادية السائدة عموماً قد لا تكون مستدامة إلا لبضعة أيام وأسابيع قليلة. بعد انقضاء الانتخابات وحتى قبل ذلك، قد نشهد تلاقياً للرغبات نحو التصعيد متعدد الأطراف والجبهات. على جبهة إيران، شهدنا المزيد من علامات التشاؤم عندما قال رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن رد الولايات المتحدة بشأن التوصل إلى اتفاق يؤدي إلى فتح مضيق هرمز كان «غير كافٍ». هذا يوحي بأن البلاد غير مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية بشأن أي من الملفات الرئيسية، في وقت تقترب فيه مخزوناتها النفطية العائمة في آسيا من النفاد، وكانت قد حذرت بدورها بضرب صادرات الإقليم ما لم تُصدّر هي أيضاً.
كما أن الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وغياب النية الواضحة لتقديم تنازلات لإيران أو الانسحاب من الحرب بالكامل وإلقائها على عاتق دول الإقليم، يوحي لنا بأن التصعيد العسكري الأمريكي قد يعود، وهذا إن تم فقد يكون في وقت ما من شهر نوفمبر أو في نصفه الثاني. كما أن تقديم الحماية المباشرة للناقلات العابرة في المضيق من قبل القوات الأمريكية مكلف للغاية وقد لا يكون مستداماً، ولا بد من معالجة مصدر التهديد في إيران بأي من السبل، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام عودة التصعيد في ظل غياب آفاق التوصل إلى اتفاق.
ولتزداد الأمور سوءاً، فإن هذا التصادم المحتمل قد يتلاقى مع اتجاه جبهة المملكة العربية السعودية والحوثيين في اليمن نحو المزيد من التدهور. شهدنا الضربات الواسعة للمطارات والبنية التحتية لتصدير النفط في المملكة من قبل الحوثيين، مما يضع الأولى أمام جملة من الخيارات الصعبة. إما الحل العسكري الشامل، الذي سيغرق المملكة في حرب غير متكافئة أظهر فيها الحوثيون قدرتهم على إلحاق أضرار جوهرية، وفق ما قاله كريستيان كوتس أولريشسن، الخبير في شؤون الخليج العربي والزميل في معهد بيكر بجامعة رايس لصحيفة وول ستريت جورنال. هذه الحرب ستكون سرمدية بلا نهاية قريبة، وقد لا تؤدي إلى تحقيق مصالح أي من طرفيها، بل ستحقق فقط أهداف الأطراف التي تسعى إلى تمديد نفوذها الإقليمي أو حضورها الدولي في سوق الطاقة. أما الخيار الآخر فهو العودة إلى المفاوضات التي سيكون فيها الحوثيون ذوي سقف مطالب مرتفع، وهنا نجد فرص السلام ضئيلة في ظل البيئة الحالية. أعتقد أن السلام يظل الخيار الأمثل للطرفين ويحقق مصالحهما على نحو مشترك ويحول دون الاستنزاف المطول، وهو ما أتمنى حدوثه على الرغم من غياب آفاقه القريبة. في حين أن الجهود الدبلوماسية السعودية-الإيرانية إن أثمرت فقد تؤدي إلى تهدئة مؤقتة بين الطرفين يمهد لاستعادة الوضع السابق الذي سبق التصعيد في يوليو الفائت، ولكن من المبكر الحديث عن هذا السرد قبل رؤية ملامحه.
بناءً عليه، أعتقد أن أسعار الخام قد تبقى عالقة في مسار جانبي عريض في الأيام القليلة المقبلة، يتخللها موجات من التصعيد وظهور جهود تحول دون تفاقم ارتفاع الأسعار ذات التكلفة السياسية المرتفعة لترامب وحزبه.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية