شهدت الأسواق تحولاً جديداً في المشهد العام. ففي وقت سابق من العام الجاري، كانت أسعار النفط الخام تمثل أبرز المخاطر على صعيد الاقتصاد الكلي، إذ ساهم ارتفاعها في تعزيز توقعات التضخم والضغط على تقييمات الأسهم العالمية. أما اليوم، فقد تراجعت أسعار النفط بأكثر من 10% مقارنة بأعلى مستوياتها المسجلة في سبتمبر، إلا أن المستثمرين باتوا يواجهون تحدياً جديداً يتمثل في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات لم تشهدها منذ عام 2002، مما أدى إلى تشديد الأوضاع المالية وانعكس بآثاره على أسواق العملات والمعادن الثمينة والأسهم.
وتفرض هذه التطورات مجتمعةً توازناً متزايد الحساسية في الأسواق. ففي حين يوفر تراجع أسعار النفط الخام بعض الارتياح على صعيد توقعات التضخم، فإن الارتفاع الحاد في عوائد السندات بلغ مستويات قد تكون مبالغاً فيها، مما يعزز احتمالات انعكاس اتجاهها على المدى القريب. وفي حال بدأت العوائد بالتراجع مع استمرار الضغوط على أسعار النفط، فقد تجد الأسواق فرصة للتعافي. إلا أن المستثمرين، في الوقت الراهن، لا يزالون أمام إشارات متضاربة، بدلاً من تحول واضح في اتجاه الأسواق.
ويأتي الذهب والفضة في صميم هذه التحديات، إذ يختبر كلا المعدنين مجدداً الحدود الدنيا لنطاقات تداولهما خلال عام 2026. ومع ذلك، فقد سجّل الذهب ارتداداً صعودياً من مستويات قريبة من 3,930، والفضة من مستويات تقارب 54، وذلك بالقرب من مناطق تلاقٍ لمستويات فنية مهمة تاريخياً، مما ساهم في الحفاظ على الاتجاه الصعودي طويل الأجل حتى الآن. إلا أن أي كسر حاسم دون هذه المستويات الدنيا من شأنه أن يغيّر المشهد بصورة جوهرية، ويضعف المؤشرات الفنية الداعمة للاتجاه الصعودي، ويفتح المجال أمام خسائر أكثر حدة وعمقاً.
وفي هذا السياق، عقبت رزان هلال، محللة الأسواق لدى FOREX.com: “تجد الأسواق نفسها حالياً بين إشارات انحسار الضغوط التضخمية الناجمة عن تراجع أسعار النفط الخام، وتشديد الأوضاع المالية بصورة متزايدة نتيجة ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. وفي حال بدأت هذه العوائد بالتراجع مع بقاء أسعار النفط دون أعلى مستوياتها المسجلة في سبتمبر، فقد نشهد انحساراً تدريجياً لبعض الضغوط التي تثقل كاهل الذهب
والفضة والأصول عالية المخاطر عموماً. أما بالنسبة لدولة الإمارات، فيتمثل السؤال الأهم في مدى قدرة الأسواق المحلية على مواصلة إظهار مرونتها في مواجهة حالة الحذر المتزايدة التي تهيمن على المشهد الاقتصادي العالمي”.
وعليه، قد توفر أسواق السندات إحدى أوضح الإشارات بشأن الاتجاهات المقبلة للأسواق. فقد وصلت مؤشرات الزخم الشهرية لعوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى مستويات تشبع شرائي سبق تسجيلها في عام 2022 وخلال ثمانينيات القرن الماضي. ورغم أن ذلك لا يضمن انعكاس الاتجاه، فإنه يعزز احتمالات اقتراب العوائد من مرحلة استنفاد زخمها الصعودي. ومن شأن أي تراجع في هذه العوائد أن يخفف أحد أبرز الضغوط التي تواجه حالياً المعادن الثمينة وأسواق الأسهم العالمية.
أما النفط، فيمثل الجانب الآخر من المعادلة، إذ تتعافى صادرات دول الخليج تدريجياً لتقترب من مستوياتها التي كانت سائدة قبل الحرب، في حين لا تزال المؤشرات الفنية لأسعار النفط الخام تتراوح بين الحياد والميل نحو الهبوط. وتحدد FOREX.com مستوى 86 دولاراً أمريكياً لخام غرب تكساس الوسيط، و93 دولاراً أمريكياً لخام برنت، باعتبارهما مستويين رئيسيين ينبغي مراقبتهما. ومن شأن كسر الأسعار دون هذين المستويين أن يعزز سيناريو انحسار التصعيد، ويساهم في تخفيف المخاوف المرتبطة بالتضخم.
ومع ذلك، لم تتلاشَ علاوة المخاطر الجيوسياسية من الأسواق، إذ من شأن الاستحقاقات السياسية المرتقبة، بما فيها الانتخابات العامة في إسرائيل المقررة في 27 أكتوبر، وانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر، أن تُبقي المخاطر الإقليمية في دائرة اهتمام المستثمرين. كما أن أي اضطرابات متجددة في أسواق الطاقة قد تؤدي إلى تغير سريع في التوقعات الاقتصادية، وربما تعيد تأجيج المخاوف بشأن التضخم، بالتزامن مع اختبار مؤشرات الأسهم الأمريكية، مثل ناسداك وستاندرد آند بورز 500، مستويات قياسية جديدة.
وفي ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، تواصل سوق الأسهم الإماراتية إظهار مرونة نسبية على صعيد المؤشرات الفنية.
فلا يزال مؤشر MSCI الإمارات يتداول فوق المستوى الرئيسي البالغ 19 نقطة، محافظاً على مساره الصعودي الذي بدأ في عام 2023 ومن شأن استقراره فوق هذا المستوى أن يدعم استمرار الاتجاه الإيجابي العام، في
حين أن كسره هبوطاً قد يثير تساؤلات حول قدرة أسواق الأسهم الإقليمية على مواصلة الصمود في مواجهة بيئة اقتصادية تتسم بتزايد الحذر. ويأتي هذا الاختبار بالتزامن مع أحدث توقعات مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، التي تشير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة بنسبة 1.6% خلال عام 2026.
ويبرز هنا التباين الملحوظ مقارنة بشهر يوليو الماضي، حين شكّل ارتفاع أسعار النفط بحد ذاته أحد أبرز مصادر الضغط على الأسواق العالمية، رغم الدعم الذي حظيت به أسواق الأسهم الخليجية بفضل متانة الأوضاع المالية العامة والتقدم في جهود التنويع الاقتصادي. أما اليوم، فيساهم تراجع أسعار النفط في تخفيف بعض هذه الضغوط، إلا أن الارتفاع الحاد في عوائد السندات حلّ محله بوصفه المصدر الأكثر إلحاحاً للضغوط المالية على الأسواق.
ولكي تستعيد الأسواق إقبال المستثمرين على الأصول عالية المخاطر بصورة حاسمة قبل نهاية العام، فقد يتطلب الأمر تزامن عدة عوامل، تشمل تراجع عوائد السندات، وانحسار الضغوط التضخمية، واستمرار ضعف أسعار النفط الخام، إلى جانب مزيد من التهدئة على الصعيد الجيوسياسي. وحتى تتحقق هذه الظروف، تشير المؤشرات الفنية إلى أن الأسواق لا تتجه نحو مسار واضح بقدر ما تقترب من نقطة تحول محورية قد تحدد اتجاهها خلال المرحلة المقبلة.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية