الجامعة الأميركية في بيروت ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية: تمكين تحوّل لبنان إلى الاقتصاد الدائري

في خطوة طليعية بارزة نحو تعزيز الممارسات المستدامة في صناعة الغذاء في لبنان، بدأت الجامعة الأميركية في بيروت ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) تعاوناً رائداً بينهما، تميّز بإطلاق مشروع “تحوّل القطاع الخاص إلى الاقتصاد الأخضر والدائري في لبنان.” وهذا التعاون يؤكّد الالتزام المشترك بتعزيز كفاءة استخدام الموارد، والإنتاج الأنظف، وفي نهاية المطاف، اعتماد الاقتصاد الدائري في لبنان. وبدعم من أصحاب الرعاية الرئيسيين، بما فيهم الوزارات الوطنية والجمعيات الصناعية والمؤسسات الأكاديمية، فإن هذه المبادرة ستكون حجر الأساس في رحلة لبنان نحو التنمية المستدامة.

ويمكن تعريف الإقتصاد الدائري بأنه الإقتصاد الذي يتمّ فيه الحفاظ على قيمة المنتجات والمواد والموارد في الاقتصاد لأطول مدة ممكنة من خلال تدابير متعددة تشمل التصميم البيئي وكفاءة استخدام الموارد وتمديد عمر المنتجات وإعادة التدور والتجديد والإيجار وإعادة الاستخدام، ما يسمح بالحفاظ على الموارد وبالتقليل من إنتاج النفايات وغيرها من الملوثات.

البدايات

في كانون الأول 2023 وقّعت اليونيدو عقداً مع مكتب تطوير الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت لتوفير خدمات التدريب والمساعدة الفنية التي تهدف إلى تعزيز الممارسات المستدامة في صناعة الغذاء في لبنان. وتركّز في أساس هذا الجهد تطبيق مقاربة اليونيدو لنقل التكنولوجيات السليمة بيئياً وهي مقاربة منهجيّة تهدف لتحديد واستغلال الفرص الأكثر قابلية للتنفيذ لتحقيق كفاءة استخدام الموارد والتحسين المستمر في استخدام المواد والمياه والطاقة ضمن الشركة الصناعية. وقد مهّد ذلك العقد الطريق لبدء المرحلة الأولى من المشروع في كلية مارون سمعان للهندسة والعمارة في الجامعة الأميركية في بيروت في 15 كانون الثاني 2024. ومن المقرّر أن تنتهي المرحلة الأولى بحلول تشرين الأول القادم. ومن المتوقّع أن يتم الانتهاء من مرحلتين تاليتين في العام 2025.

يقود المشروع البروفسور أنطوان غوش من دائرة الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت، بدعم من وكيل الشؤون الأكاديمية في الجامعة زاهر ضاوي، وعميد كلية مارون سمعان للهندسة والعمارة آلان شحادة، وعميد كلية الآداب والعلوم فارس الدحداح، والعميد المشارك لكلية مارون سمعان للهندسة والعمارة ومدير معهدها رياض شديد.

وفي العام 2014 دعمت اليونيدو البدء باعتماد مفاهيم “كفاءة استخدام الموارد والإنتاج الأنظف” في بلدان مختلفة، بما في ذلك مصر والمغرب وتونس وفلسطين والأردن ولبنان، كجزء من برنامج “سوِيتش ميد” الإقليمي المموّل من الاتحاد الأوروبي والرامي إلى تعزيز الاستدامة في الاستهلاك وفي الممارسات الإنتاجية في منطقة جنوب البحر الأبيض المتوسط. وفي إطار برنامج “سوِيتش ميد ميد تست” دعمت اليونيدو مفهوم الصناعة الخضراء للتحول نحو التنمية الصناعية المستدامة إزاء التحديات العالمية للتنمية المستدامة.

وفي لبنان، حدّد برنامج “سوِيتش ميد ميد تست” بين العامين 2014 و2024 ما مجموعه 257 إجراءً من أجل “كفاءة استخدام الموارد والإنتاج الأنظف” في 23 شركة صناعية من مختلف القطاعات بدءاً من الأغذية والمشروبات إلى المواد الكيميائية والبلاستيك والطباعة.

وأسفرت الإجراءات المحدّدة عن توفير في الطاقة بنسبة 30 بالمئة، وتوفير في المياه بنسبة 22 في المئة، وتوفير في المواد بنسبة واحد في المئة، مما أدى إلى توفير بقيمة 4.86 مليون يورو سنوياً مع فترة استرداد للإستثمار تبلغ فقط 1.4 سنة. وبالإضافة إلى ذلك، من شأن إجراءات تحسين كفاءة استخدام الموارد أن تسمح للشركات بخفض بصمتها البيئية عن طريق تقليل انبعاثات مُكافئ ثاني أكسيد الكربون بحوالى 13 ألف طنً سنوياً، وتخفيض استهلاك المياه بمقدار 82000 متر مكعّب سنوياً، وتخفيف توليد النفايات الصلبة بمقدار ثمانمئة طن سنوياً.

إن القدرة العالية على تحقيق الكفاءة في استخدام الموارد في الشركات الصناعية اللبنانية، والتي بيّنها إلى حد كبير في برنامج “سوِيتش ميد ميد تست”، حفّزت الاتحاد الأوروبي لتمويل مشروع جديد، معروف باسم مشروع “تحوّل القطاع الخاص إلى الاقتصاد الأخضر والدائري في لبنان” أو مشروع “2 سيركولار” اختصاراً، بميزانية قدرها 3.7 مليون يورو. ويهدف هذا المشروع إلى رفع مستوى تنفيذ كفاءة استخدام الموارد بشكل كبير في القطاع الصناعي اللبناني.

مشروع “2 سيركولار”: تحوّل القطاع الخاص إلى الاقتصاد الأخضر والدائري في لبنان

إنّ المقاربة المتعددة الأوجه لمشروع “2 سيركولار” تبدأ بعملية بناء القدرات لثلاثين مهندساً ومقدم خدمات لبنانيين في مختلف التخصصات ليصبحوا خبراء في “كفاءة استخدام الموارد والإنتاج الأنظف.” ويتضمّن ذلك أنشطة مختلفة، بدءاً من ورشة عمل نظرية عُقدت في كلية مارون سمعان للهندسة والعمارة في الجامعة الأميركية في بيروت في 24 شباط 2024. ولقد قدّمت منظمة “غرين باث سوليوشنز” (الممر الأحضر) من الأردن هذه الورشة التي تمحورت حول تدريب اليونيدو للمدرِّبين على تطبيق منهجية “تيست” الخاصة باليونيدو والهادفة إلى نقل التقنيات السليمة بيئياً في الصناعة إلى مقدّمي الخدمات في لبنان.

ومن المقرّر في نهاية شهر آذار الجاري عقد ورشة عمل تكميلية عمليّة مدتها ثلاثة أيام في الجامعة اللبنانية، ستتناول النظم الغذائية والمرافق وما يرتبط بها من القدرة على تحقيق كفاءة الموارد، بقيادة خبراء وطنيين في كفاءة استخدام الموارد تعيّنهم اليونيدو.

هذا وتهدف المرحلة الأولى من المشروع إلى تقييم 15 شركة في قطاع الأغذية والمشروبات، وتحديد أوجه القصور في الموارد في مجالات المياه والطاقة والمواد. وسيتم اقتراح توصيات لتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وخفض تكاليف الإنتاج، والحدّ من الأثر البيئي، وتعزيز الاستدامة نحو الاقتصاد الدائري.

وبعد إكمال هذه المرحلة بنجاح، سيتم منح مقدمي الخدمات شهادة خبير في كفاءة إستخدام الموارد والإنتاج ألأنظف وسوف يتم تسليمها إلى حائزيها بشكل مشترك من قبل اليونيدو والجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية.

وخلال المرحلة الأولى من التدريب النظري، أكّد البروفيسور غوش على الآثار العميقة للمشروع، والتي تتجاوز حدود التدريب. وأمل بانبثاق التزام جماعي بتعزيز الممارسات الصناعية النظيفة والأكثر استدامة، وحثّ المشاركين على أن يكونوا سفراء لتنفيذ مبادئ الاقتصاد الدائري في لبنان. وأكّد أن الجامعة الأميركية في بيروت راسخة في التزامها بضمان نجاح المشروع واستدامته على المدى الطويل.

ومضى البروفيسور غوش في الدعوة إلى إضفاء الطابع المؤسساتي على هذه الثقافة المكتشفة حديثاً داخل الجسم الطلابي في الجامعة. وبدلاً من الاقتصار على دورات معزولة حول كفاءة استخدام الموارد والإنتاج الأنظف، اقترح دمج هذه المبادئ في برنامج دبلوم شامل يُعطى عبر الإنترنت. وأردف أن هذه المقاربة الاستراتيجية تهدف إلى ترسيخ الممارسات المستدامة على المستوى التأسيسي، وتعزيز تأثيرها الدائم. كما أعرب عن تفاؤله بأن مثل هذا

التطور التحويلي يمكن أن يكون بمثابة نموذج للمؤسسات الأكاديمية الأخرى في المنطقة، مما يشجّع على تبني ممارسات الاقتصاد الدائري على نطاق أوسع. وقال أن هذه المبادرة قد اكتسبت زخماً بالفعل، وهي مهيأة لتحفيز التغيير الإيجابي داخل المشهد التعليمي في لبنان وخارجه.

وخلال حفل الإطلاق، أعربت الدكتورة ندى صبرا، مسؤولة الاتصال وكفاءة الموارد في مشروع “2 سيركولار” في اليونيدو، عن دعمها للجامعة الأميركية في بيروت، باعتبارها الشريك الفني المنفّذ لليونيدو لأنشطة التدريب على منهجية “تيست” مما يعزز روح التعاون للمبادرة.

ويتم تنفيذ مشروع “2 سيركولار” من قِبل اليونيدو بالشراكة مع الأطراف المعنيّة الوطنيّة والتي تضمّ وزارة الصناعة، ووزارة الاقتصاد والتجارة، ووزارة البيئة، ووزارة المال، من القطاع العام؛ بالإضافة إلى جمعية الصناعيين اللبنانيين واتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة من القطاع الخاص. وتبرز الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية من بين الشركاء من الأوساط الأكاديمية.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سفير ساحل العاج خلال استقباله رئيس مجموعة أماكو علي العبد لله: تطوير العلاقات المشتركة مع لبنان على رأس الأولويات

قال سفير ساحل العاج في لبنان كريستوف كواكو إن تطوير العلاقات مع لبنان هو على ...

السفارة الهندية تحيي “اليوم العالمي العاشر لليوغا” بالتعاون مع وزارة الثقافة في طرابلس

رعى وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى ممثلًا بالناشطة في مجال اليوغا وعضو اللجنة الرياضية ...

مدينة بلا ربا

د. محمود عبدالعال فرّاج /  خبير وكاتب اقتصادي  قال الله سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ ...