كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
تشهد أسواق المعادن الثمينة مرحلة مفصلية مع دخول عام 2026، وتبرز الفضة على نحو خاص كأحد أكثر الأصول إثارة للجدل والتحليل، ليس فقط بسبب أدائها السعري اللافت، بل أيضًا نتيجة التقاء مجموعة نادرة من العوامل النقدية والاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد. ومن وجهة نظري، فإن ما يحدث حاليًا في سوق الفضة لا يمكن اعتباره موجة مضاربية عابرة، بل هو انعكاس لتحول أعمق في بنية الطلب العالمي وتوقعات السياسة النقدية والمخاطر النظامية التي باتت تؤرق المستثمرين والمتداولين حول العالم.
والارتفاع الأخير لسعر الفضة فوق مستوى 74 دولارًا للأونصة، وهو مستوى تاريخي بكل المقاييس، لم يأتِ من فراغ. فقد قفز المعدن بنسبة تقارب 148% خلال عام 2025، متجاوزًا معظم التوقعات المتحفظة التي كانت ترى الفضة تابعة لحركة الذهب. وهذا الأداء القوي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأسواق بأن الفضة لم تعد مجرد معدن ثمين تقليدي، بل أصبحت أصلًا استراتيجيًا متعدد الأدوار، يجمع بين كونه ملاذًا آمنًا وأداة تحوط نقدي ومكونًا صناعيًا حيويًا في آن واحد، خاصة بعد تصنيفها كمعدن حيوي للاقتصاد الأمريكي.
ومن أحد أبرز المحركات الحالية يتمثل في السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فالتوقعات السائدة في الأسواق تشير إلى خفضين إضافيين لأسعار الفائدة خلال عام 2026، وهو ما يغيّر جذريًا معادلة تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الأصول التي لا تدر عائدًا، وعلى رأسها الفضة. وتاريخيًا، تزدهر المعادن الثمينة في بيئات الفائدة المنخفضة أو المتراجعة، لأن المستثمرين يعيدون توجيه رؤوس أموالهم بعيدًا عن أدوات الدخل الثابت نحو الأصول الحقيقية. لذا أرى أن الفضة قد تستفيد حتى أكثر من الذهب، نظرًا لحساسيتها الأعلى للتغيرات النقدية وتداخلها مع الطلب الصناعي.
كما أن ضعف الدولار الأمريكي يشكل عامل دعم إضافي لا يمكن تجاهله. فالفضة المقومة بالدولار تصبح أكثر جاذبية للمشترين من خارج الولايات المتحدة مع تراجع العملة الخضراء، وهو ما يوسع قاعدة الطلب العالمي. كما أن الحديث المتزايد عن احتمال ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي خلفًا لجيروم باول، مع توجه محتمل نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا، يعزز توقعات الأسواق على استمرار الضغوط الهبوطية على الدولار في المدى المتوسط، وهو سيناريو يصب مباشرة في مصلحة الفضة.
لكن الاقتصار على العوامل النقدية وحدها لا يقدم صورة مكتملة. فالعالم يدخل عام 2026 وهو مثقل بتوترات جيوسياسية متصاعدة، من الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا، وما رافقها من تبادل اتهامات بشأن استهداف المدنيين، إلى الاحتكاكات السياسية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، فضلًا عن بؤر توتر أخرى كامنة. وفي مثل هذا المناخ، يعود المستثمرون بطبيعتهم إلى أصول الملاذ الآمن، ولا تقتصر هذه العودة على الذهب وحده. فالفضة، بحكم سيولتها العالية وسهولة تداولها وانخفاض تكلفتها النسبية مقارنة بالذهب، باتت خيارًا جذابًا لشريحة أوسع من المستثمرين الأفراد والمؤسسات.
ومما يزيد المشهد تعقيدًا وإثارة هو جانب العرض والطلب الفعلي. فالسوق العالمية تشهد شحًا ملحوظًا في المعروض، مع انخفاض المخزونات في المراكز الرئيسية مثل لندن ونيويورك، في وقت يتزايد فيه الطلب الصناعي على الفضة، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة، والإلكترونيات، والتكنولوجيا النظيفة. إلى جانب ذلك، نشهد طلبًا مضاربيًا قويًا في الصين، حيث سجلت علاوات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة مستويات قياسية، في مؤشر واضح على قوة الطلب المحلي وضيق سلاسل التوريد. ومن وجهة نظري، هذا العامل بالذات يمثل عنصرًا حاسمًا، لأنه يعكس طلبًا فعليًا لا يمكن تعويضه بسرعة عبر زيادة الإنتاج.
وانطلاقًا من هذه المعطيات مجتمعة، أرى أن الفضة تقف عند مفترق طرق تاريخي. وصحيح أن الارتفاعات الحادة دائمًا ما تثير مخاوف التصحيح، وهو سيناريو وارد على المدى القصير، لكن الاتجاه العام يبدو صاعدًا ما لم نشهد تغيرًا جذريًا في السياسة النقدية أو انفراجًا واسعًا في المشهد الجيوسياسي أو طفرة مفاجئة في المعروض. وفي رأيي، الفضة في 2026 ليست مجرد أصل للمضاربة، بل أداة استراتيجية لإدارة المخاطر وتنويع المحافظ الاستثمارية، وقد تثبت أنها نجم الملاذات الآمنة الجديد في عالم يتسم بعدم اليقين وتآكل الثقة في الأدوات التقليدية.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية