سبورة مكسورة في دولة مأزومة: التعليم اللبناني بين الإهمال والسياسة

بقلم: د. خالد عيتاني، رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية

مقدمة

في لبنان، لم يعد التعليم مجرد عملية أكاديمية أو فترة دراسية تمرّ سنويًا، بل صار مرآة تعكس حجم الانهيار الواسع الذي يطال المجتمع بأسره. تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، تحول نظام التعليم من موقع أمل لبناء المستقبل إلى لوحة مأساوية تُجسّد الفشل المؤسسي في حماية الحق الأساسي في التعليم. ما كان يُفترض أن يكون فضاءً محايدًا للتعلم والتنشئة، أصبح ملعبًا لانزلاقات سياسية، ونتيجة لذلك يتكاثف الانهيار في بنية التعليم ومعيشة الطلاب والمعلمين على حدّ سواء.

 أولاً: الأزمة التربوية في لبنان – واقع متأزم بلا هوادة

1. تراجع الالتحاق والانتظام في التعليم

تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) تؤكد أن لبنان يعيش أزمة حادة في التعليم؛ إذ تشير بيانات حديثة إلى أن واحدًا من كل ثلاثة أطفال في لبنان خارج التعليم أو التعلم، مع تزايد عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس منذ بداية الأزمات المتسلسلة عام 2019.

كذلك، دفع الوضع المُتدهور العديد من الأسر إلى تقليص إنفاقها على التعليم لصالح الأولويات الأساسية، بينما غادر البعض تعليم أبنائهم بالكامل.

2. استمرار تأثير الأزمات المركّبة

الأزمة التعليمية اللبنانية ليست وليدة لحظة واحدة؛ بل نتجت عن تداخل أزمات اجتماعية، مالية، نزاعية، ونقص تمويل طويل الأمد أدّى إلى تعطيل الاستمرارية التربوية. تُظهر بيانات اليونيسف أن أكثر من 700 ألف طفل خارج المدرسة، مع مخاطر عالية لزيادة التسرب وتقليص فرص التعلم، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفًا.

جائحة كورونا وانفجار المرفأ وأزمة الكهرباء والتغذية، كلّها عوامل سادت على النظام التعليمي وأثّرت في الحضور، التحصيل، والتركيز الذهني للأطفال.

3. تمويل التعليم الرسمي في حالة هشاشة

يواجه التعليم الرسمي فجوة تمويلية ضخمة، إذ تُظهر بيانات محلية أن القطاع يحتاج إلى موارد تفوق بكثير ما يصل إليه فعليًا، مما يؤثر مباشرة على قدرة المدارس على توفير الخدمات التعليمية الأساسية.

 ثانياً: أزمة المدارس الخاصة – عبء الأقساط وتأثيرها على الأسر

في المقابل، لا تقلّ تحديات المدارس الخاصة اجتماعية واجتماعية واقتصادية أهمية:

  • ارتفاع الأقساط المدرسية بشكل غير محسوب وضع عبئًا ثقيلًا على الأسر اللبنانية، إذ بلغت زيادات تتراوح بين 40% و120% في بعض المدارس، ما زاد من عزوف البعض عن تسجيل أبنائهم أو الالتحاق بها.

هذه الزيادات لم ترافقها تحسينات تعليمية ملموسة بقدر ما زادت من التفاوت في فرص التعليم وجودته، وجعلت الكثير من الأسر تحت ضغط مضاعف بين حاجة التعليم

وضرورات المعيشة.

 ثالثاً: السياسات التعليمية والجهود الرسمية والدولية

1. جهود رسمية وإشراك المجتمع الدولي

الحكومة اللبنانية وشركاؤها الدوليون، مثل اليونيسف، أطلقوا برامج لدعم التعليم في لبنان، من بينها صندوق الانتقال والمرونة التربوية (TREF) الذي يهدف إلى توفير الاستمرارية التعليمية، وتأمين مواد التدريس، وتمويل الأجور لبعض المعلمين، وحماية الفئات الأشد ضعفًا.

هذه المبادرات تمثّل محاولة لامتصاص الصدمة وتخفيف تأثير الأزمات، لكنها في نفس الوقت تكشف حجم التدهور في النظام التربوي وعجز التمويل المحلي عن تغطية الفجوات المتزايدة.

2. جهود لتعزيز التعليم الشامل

تعمل اليونيسف وغيرها من الجهات على دعم التعليم الشامل والعدالة في التعليم، مركِّزة على الأطفال الأكثر ضعفًا وحاجات التعليم والتعلّم الشامل.

 ربط التحليل السياسي بالتربوي في لبنان

من قراءة التقارير والوقائع يمكن استنتاج عدة عناصر تربط بين الانهيار الوظيفي للنظام التعليمي و التحوّلات السياسية والإدارية:

مكانة التعليم في سلم أولويات السياسات الوطنية تراجعت بوضوح، إذ تظهر البيانات الرسمية والدولية أن التغطية التعليمية تتراجع رغم الدعم الدولي، ممّا يدلّ على أن السياسات الوطنية لم تكن كافية لمعالجة الأزمة.

غياب الاستقرار المالي والوظيفي للمدارس والمعلمين يضع بيئة التعليم في وضع هش، حيث لا يتمكّن النظام من ضمان جودة التعليم واستمراريته دون تدخّل خارجي أو دعم خاص.

الاختلال بين ما يحتاجه التعليم وما يُقدَّم في التمويل والبنية التحتية والسياسات التنفيذية يشكّل دافعًا لتراجع ثقة الطلاب والأسر في النظام التعليمي الرسمي، مما يدفع البعض إلى الانقطاع أو الانتقال نحو بدائل غير منتظمة أو

خاصّة.

 خاتمة شاملة

الأزمة التربوية في لبنان ليست مجرد تداعٍ قصير الأمد بل

نتيجة تراكم أزمات استراتيجية ومؤسسية لم تُواجه بسياسات واضحة وفاعلة. فهي في جوهرها أزمة قيادة، تمويل، وترتيب أولويات وطنية، تتجاوز حدود المدارس لتصل إلى علاقة الدولة بمجتمعها ومستقبل أجيالها.

بينما يسعى المجتمع الدولي والمنظمات الدولية إلى سدّ الفراغ التعليمي عبر برامج طارئة ومبادرات، يبقى التحدّي الأكبر قائمًا في إعادة بناء نظام تعليمي قوي وفاعل، يوفّر بيئة مناسبة للطلاب والمعلمين على حدّ سواء، ويحفظ حق الأطفال في التعليم كجزء من حقّهم في الحياة والكرامة.

توصيات موجزة لتطوير التعليم في لبنان

  • تمويل مستدام للقطاع التعليمي لدعم المدارس الحكومية والمعلمين وتقليل الأعباء على الأسر.
  • تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة الموارد التعليمية لضمان وصولها للفئات المستهدفة.
  • دعم المعلمين واستقرارهم المهني عبر عقود ثابتة، تدريب مستمر، وحوافز.
  • تطوير المناهج والتعلم الرقمي بما يتوافق مع العصر الرقمي وسوق العمل.
  • إدماج الذكاء الاصطناعي للتعليم الشخصي، تحليل الأداء الطلابي، والتنبؤ بالمشكلات مبكرًا.
  • تشجيع البحث والابتكار التربوي وابتكار حلول تعليمية رقمية في المدارس والجامعات.
  • إشراك المجتمع المحلي والنقابات في صياغة السياسات ومتابعة تنفيذها لضمان تمثيل الجميع.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

” تداول” يتراجع بينما سوقي دبي وأبوظبي يغلقان على ارتفاع

تحليل السوق التالي عن دانيال تقي الدين، الشريك المؤسس و الرئيس التنفيذي لمجموعة Sky Links ...

هل تحافظ أسعار الذهب (XAUUSD) على زخمها الإيجابي وسط ضغوط الدولار وترقب تقرير الوظائف؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال ...

أبوغزاله يسبق التصريحات: الصين عامل الحسم في أزمة مادورو

أجرى الدكتور طلال أبوغزاله مساء أمس لقاء تلفزيونياً على قناة NBN، تناول فيه التطورات الخطيرة ...