حين تقود الخوارزميات الأسواق والحروب

الذكاء الاصطناعي كقوة سياسية–اقتصادية تعيد تشكيل النظام العالمي

بقلم: د. خالد عيتاني
رئيس لجنة الطوارئ الاقتصادية

مقدّمة: حين تصبح الخوارزمية جزءًا من القرار السيادي

لم تعد الحروب تُعلَن كما في السابق، ولا تُدار كما صاغتها كتب الاستراتيجية الكلاسيكية. ففي عالم تُتخذ فيه القرارات خلال أجزاء من الثانية، وتُقاس فيه القوة بقدرة الأنظمة على معالجة كميات هائلة من البيانات والتنبؤ بسلوك الخصوم والأسواق في الزمن الحقيقي، لم يعد الفاعل الحاسم هو من يمتلك التفوق العسكري التقليدي، بل من يمتلك تفوق القرار.

هنا، لا يدخل الذكاء الاصطناعي كأداة تقنية محايدة، بل كعنصر بنيوي يعيد تعريف معنى السيادة، والقوة، والاقتصاد في آنٍ معًا. وكما كتب كارل فون كلاوزفيتز قبل قرنين: ” الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى”، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم لا يغيّر طبيعة الصراع فحسب، بل يعيد تشكيل الوسائل نفسها التي تُدار بها السياسة والحرب والاقتصاد.

منذ 2024، وبشكل أكثر وضوحًا خلال 2025–2026، بدأ يتبلور نمط جديد من الاقتصاد العالمي يمكن تسميته اقتصاد القرار الخوارزمي: اقتصاد لا تُقاس فيه الأفضلية فقط بحجم الناتج المحلي أو الفائض التجاري، بل بسرعة الاستجابة، ودقّة التنبؤ، والقدرة على تحويل المعرفة الرقمية إلى فعل سياسي أو عسكري أو اقتصادي مؤثّر. وهو تحوّل تاريخي يوازي في عمقه التحوّل الذي أحدثه النفط في القرن العشرين أو السلاح النووي خلال الحرب الباردة.

وكما عبّر جوزيف شومبيتر بدقّة:  “التكنولوجيا لا تُضيف إلى النظام القائم، بل تعيد ترتيب العالم من جديد .”

الذكاء الاصطناعي وإعادة تعريف القوة الاقتصادية

في أدبيات الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، ارتبطت القوة الاقتصادية بالسيطرة على عوامل الإنتاج: الأرض، العمل، ورأس المال. غير أن الذكاء الاصطناعي أعاد صياغة هذه المعادلة. فالبيانات أصبحت موردًا استراتيجيًا، والخوارزميات أداة لاستخراج القيمة منها، والرقائق المتقدمة البنية التحتية غير المرئية لهذا الاقتصاد الجديد.

هذا التحوّل يفسّر لماذا أصبح الذكاء الاصطناعي أولوية سيادية لدى القوى الكبرى، ولماذا لم يعد التنافس يدور فقط حول الابتكار، بل حول من يكتب قواعد السوق المستقبلية. فوفق منطق الهيمنة الاقتصادية الحديثة، من يملك سلطة صياغة القواعد (Rule-setting power) لا يحتاج دائمًا إلى فرض إرادته بالقوة، إذ يكفي أن يجعل الآخرين يلعبون ضمن منظومته.

بهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا، بل تحوّل إلى مُضاعِف قوة يعيد توزيع النفوذ العالمي.

الحرب بوصفها امتدادًا للاقتصاد الخوارزمي

من منظور اقتصادي بحت، لا يمكن فصل الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي عن منطق الكلفة–العائد. فالأنظمة الذاتية، والطائرات المسيّرة، وأدوات التحليل التنبّئي خفّضت الكلفة التشغيلية للحرب، وقلّلت الاعتماد على العنصر البشري، لكنها في المقابل رفعت الكلفة السياسية والاقتصادية غير المباشرة.

فالتفوّق في هذا السياق لا يعني السيطرة الكاملة، بل القدرة على التأثير السريع بأقل كلفة عسكرية ممكنة. غير أن تسريع القرار العسكري عبر الخوارزميات يحمل مفارقة خطيرة: كل تصعيد سريع وغير محسوب ينعكس فورًا على الأسواق المالية، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومستويات التضخم. وهنا تظهر إشكالية جوهرية حذّرت منها نظريات المخاطر المعقّدة في الاقتصاد الكلي: التكنولوجيا التي تقلّل المخاطر التشغيلية قد تزيد من عدم الاستقرار النظامي.

الحروب التكنولوجية وأثرها البنيوي على الاقتصاد العالمي

الحروب المدفوعة بالذكاء الاصطناعي اليوم لم تعد صدمات عابرة للاقتصاد، بل أصبحت جزءًا بنيويًا منه. فالكلفة الاقتصادية للنزاع لم تعد تُقاس فقط بالإنفاق العسكري، بل بتعطيل سلاسل الإمداد، وإعادة توجيه الاستثمارات، وارتفاع أقساط المخاطر السيادية، وتسارع هروب الرساميل من البيئات غير المستقرة.

وكما تؤكد أدبيات الاقتصاد السياسي للنزاعات، فإن الحروب الذكية تُنتج مفارقة خطيرة: انخفاض الكلفة التشغيلية للضربات يقابله ارتفاع طويل الأمد في الكلفة الاقتصادية الكلية، عبر التضخم، تقلب العملات، اختناق التجارة، وتآكل الثقة. بهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي في الحرب مجرد أداة عسكرية، بل آلية تعيد هندسة الاقتصاد في زمن النزاع، وتحول الحرب من حدث استثنائي إلى عامل دائم في حسابات النمو والاستقرار.

الرأي العام كأصل اقتصادي–سياسي

لم يعد الرأي العام متغيّرًا سياسيًا فقط، بل تحوّل إلى أصل اقتصادي يُدار ويُقاس. فالذكاء الاصطناعي، عبر تحليل البيانات السلوكية والمشاعر العامة، بات أداة لتوقّع سلوك المستهلكين والناخبين معًا. هذا التداخل بين السوق والسياسة يعكس ما وصفه كارل بولاني بـتسييس السوق وتسليع السياسة.

غير أن الإفراط في هندسة الإدراك العام يحمل مخاطره الخاصة. فالثقة، وهي رأس مال غير ملموس لكنه أساسي للاستثمار والنمو، قد تتآكل حين يشعر الأفراد أن وعيهم يُدار بالخوارزميات. وهنا، تُظهر التجربة أن الاقتصاد الذي يفقد الثقة يفقد استقراره، مهما بلغت قدرته التقنية.

حرب الرقائق: عندما تصبح سلاسل التوريد سياسة خارجية

تشكل الرقائق والمعادن الأرضية النادرة نقطة الاختناق الأساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية. الصراع حولها ليس مجرد تنافس صناعي، بل تعبير عن تحوّل سلاسل التوريد إلى أدوات ضغط جيوسياسي. فالقيود التصديرية، وسياسات إعادة توطين الصناعة، والدعم الحكومي المكثف، كلها أشكال جديدة من الصراع تُدار بلغة الاقتصاد لا المدافع.

هذا الواقع ينسجم مع منطق “الاعتماد المتبادل المركّب”: الروابط الاقتصادية لا تمنع الصراع، لكنها تغيّر شكله، وتجعل الاقتصاد نفسه ساحة حرب صامتة ذات أثر طويل الأمد على النمو العالمي.

المعضلة الأخلاقية كعامل اقتصادي خفي

قد يبدو النقاش الأخلاقي حول الذكاء الاصطناعي منفصلًا عن الاقتصاد، لكنه في الواقع جزء لا يتجزأ منه. فغياب المساءلة، وتزايد الأخطاء ذات الكلفة الإنسانية، يفرضان تكلفة سمعة حقيقية على الدول والشركات، وهي تكلفة تُترجم مباشرة إلى ارتفاع المخاطر الاستثمارية وكلفة التمويل.

في اقتصاد عالمي قائم على الثقة والتدفقات المالية، تصبح الأخلاقيات عنصرًا اقتصاديًا لا ترفًا فكريًا. فالأسواق، في نهاية المطاف، تكافئ الاستقرار وتعاقب الغموض.

خاتمة:

 اقتصاد يقوده الذكاء… أم ذكاء بلا اقتصاد؟

نحن أمام مرحلة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة، السوق، والتكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي يَعِد بزيادة الإنتاجية والنمو، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتعميق الفجوات وزيادة هشاشة النظام العالمي إذا تُرك بلا حوكمة.

التحدي الحقيقي لا يكمن في تبنّي الذكاء الاصطناعي، بل في إدارته اقتصاديًا وسياسيًا: عبر سياسات صناعية ذكية، أطر تنظيمية مرنة، واستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري والبيانات. فالخوارزمية السريعة لا تُغني عن القرار الحكيم.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام صناع القرار:
هل سيقود الذكاء الاصطناعي نموًا مستدامًا ومتوازنًا… أم سيصبح مصدر اختلال جديد في اقتصاد عالمي يعاني أصلًا من التوتر؟

توصيات:

 نحو حوكمة واقعية للقوة الخوارزمية

أولًا، الانتقال من خطاب أخلاقي عام إلى حوكمة دولية عملية تميّز بوضوح بين الاستخدامات المدنية والعسكرية، وتعيد تثبيت المسؤولية البشرية في القرارات المصيرية. فالقواعد، كما علّمنا التاريخ، لا تُكتب بعد الكوارث بل قبلها.

ثانيًا، تطوير سياسات سيادية للبيانات والرقائق، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة، لتفادي تبعية رقمية طويلة الأمد.

ثالثًا، إدماج تقييم الأثر الاقتصادي طويل الأمد في القرارات العسكرية، لأن ما يُوفَّر في الميدان قد يُدفع أضعافه في السوق.

وأخيرًا، لا يمكن فصل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي عن الاستثمار في الإنسان. فالتكنولوجيا التي لا تُضبط سياسيًا ولا تُرافقها مؤسسات قادرة على المساءلة، تتحول من أداة للنمو إلى مصدر اختلال.

وفي هذا، تختصر الحكمة القديمة كل شيء: ليست المشكلة في الأداة، بل في من يستخدمها.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قزي بعد لقائه رئيس ومدير عام مرفأ بيروت:

وعود بإيجاد حلول لمشاكل مستوردي السيارات زار نقيب مستوردي السيارات المستعملة إيلي قزّي رئيس مجلس ...

شحادة وجابر يبحثان التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الاستثمار في الشركات الناشئة

التقى وزير المهجّرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة وزير المالية ياسين ...

إحياء الذكرى السنوية الثالثة لتوأمة مستشفى تل شيحا مع مستشفى اوتيل ديو الجامعي

أحيت ادارة مستشفى تل شيحا الذكرى السنوية الثالثة لتوأمتها مع مستشفى اوتيل ديو الجامعي بحضور ...