واشنطن و” السلام الممكن”: من حرب الإبادة إلى هندسة الإنكسار

بقلم: خديجة رياض حكيم

خبيرة قانونية في الشأن الدولي والبترولي

ليست الاتفاقات التي تُنسج في لبنان بوساطة الولايات المتحدة أوراقًا تُوقَّع، بل شظايا تُنتزع من أرضٍ ما زالت ترتجف تحت أقدام أهلها؛ لا تولد في صفاء، بل تُقتلع من بين أنياب اللحظة كما تُسحب قطعة قماشٍ من جسدٍ يحترق—وما أُنقِذ منها لا يوقف اكتمال الاحتراق. لبنان هنا ليس بلدًا يُفاوض، بل جرحٌ مفتوح يُساق إلى مشرطٍ بارد؛ لا تُفتح أمامه طاولات التفاوض كمساحاتٍ للحوار، بل كقبورٍ مؤجلة، كمرآةٍ مكسورة يُجبر على النظر فيها، فيرى وجهه مشروخًا، ووطنه موزّعًا على شظايا لا تعرف كيف تعود وطنًا. ويُساق إليها، كظلٍّ فقد صاحبه—مخطوف الإرادة، معصوب العينين، مقيّد اليدين—ثم يُلقى عليه السؤال ببرودةٍ قاتلة: اختر؛ أهو الموت الصريح… أم نجاةٌ مشدودةٌ على حدِّ السكين؟ عند هذه الحافة، لا تعود البنود جسورًا للخروج من الأزمة، بل درجاتٍ للسقوط؛ ولا يعود التفاوض طريقًا إلى الحل، بل هندسةً باردة للانكسار. وهنا، لا يعود ما يُطرح باسم السلام وعدًا بالنجاة، بل استراحةً قصيرة بين وجعين، ومحاولةً لإعادة ترتيب الحرب بشكلٍ أقل صخبًا… وأكثر عمقًا. وهنا فقط، حيث لا يعود الرفض ممكنًا ولا القبول كاملًا، يخرج ما يُسمّى: “السلام الممكن” كما يُصاغ في الرؤية الأميركية.

في هذا السياق، واليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، تتحرّك الولايات المتحدة في المنطقة لا لإيقاف الحروب بقدر ما تتحرّك لإدارتها. وهذا الفارق ليس تفصيلًا عابرًا، بل لبّ المسألة وجوهرها؛ إذ تفصل مسافةٌ هائلة بين من يسعى إلى إخماد الحريق، ومن يتقدّم نحوه لا ليطفئه، بل ليُهذّب ألسنته، ويضبط اتجاه ناره، ويقرّر أيّ الجدران ينبغي أن تشتعل أولًا، وأيّ الأبواب تُترك نصف مفتوحة، وأيّ الرماد سيُعاد جمعه لاحقًا ليُعاد توظيفه في بناء مشهدٍ سياسي جديد.

ومن هذه الغاية، يولد المصطلح الأميركي: “السلام الممكن ” للبنان. هذا المفهوم، الذي برز بوضوح في الدراسة الصادرة في أكتوبر 2025 عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، لم يكن مجرد قراءةٍ استشرافية أو ملاحظاتٍ تحليلية عابرة، بل جاء كخريطة طريق، صيغت ببرودة مراكز القرار، لمرحلة ما بعد حرب 2024. لم تنطلق هذه الدراسة من السياسة بمعناها الصلب وحده، بل من هشاشة الواقع نفسه: من الاقتصاد حين ينهار، من الإنسان حين يُستنزف، ومن تفاصيل الحياة اليومية حين تتحوّل—في لحظات الانكسار—إلى مفاتيح لإعادة تشكيل القرار. من اللحظة التي يغدو فيها الخبز مدخلًا إلى السياسة، والكهرباء معيارًا للاصطفاف، وإعادة الإعمار أداة لإعادة تعريف العدو والحليف، بل لإعادة رسم حدود الممكن والممنوع.

ولم يكن هذا الطرح غائبًا عن قراءتنا السابقة؛ فقد توقفنا عنده في مقال بعنوان: “واشنطن تكتب سيناريوهات الغد: لبنان في اختبار “السلام الممكن”، يوم بدا لكثيرين مجرد احتمالٍ نظري، أو تمرينٍ تحليلي على مستقبلٍ بعيد. غير أنّ الوقائع أثبتت، مرةً أخرى، أن ما يُكتب في واشنطن ببرودة الأوراق، يُعاد كتابته بعد أشهرٍ على الأرض بحرارة الوقائع؛ وأن النصوص الأميركية لا تُصاغ لتُقرأ فحسب… بل لتُنفّذ.

لقد خرجت هذه الدراسة لا كقراءةٍ عابرة، بل كحقيقةٍ مُرّة مفادها أنّ الحرب، حين تطول، لا تدمّر الحجر وحده، بل تُعيد تشكيل الإدراك نفسه. فحين تستنزف  الشعوب من الشعارات الكبيرة، وحين يتآكل الخطاب التقليدي تحت ضغط العيش المستحيل، وحين تصبح الواقعية الاقتصادية أكثر إلحاحًا من البلاغة السياسية، يبدأ ما كان محرّمًا بالأمس بالتسرّب إلى النقاش، ثم إلى اللغة، ثم إلى القبول المتردد، قبل أن يستقرّ في خانةٍ واحدة لا تُجادل: “لا بديل”.

واليوم، لا تعود هذه الدراسة مجرد نصٍّ أميركي محفوظٍ في أرشيف المراكز والدراسات، بل تكاد تُقرأ كدليل عمل، أو كجدولٍ زمنّيٍّ قيد التنفيذ. فالمسارات التي اقترحتها لم تعد كامنة في اللغة فقط، بل أخذت تتجسد في تفاصيل الوقائع: مسارٌ أمني يجعل من نزع سلاح حزب الله شرطًا تفاوضيًا لا مجرد مطلبٍ إسرائيلي؛ ومسارٌ سياسي يفتح أبواب التفاوض لا بوصفها خيارًا سياديًا حرًا، بل بوصفها معبرًا إلزاميًا نحو الحد الأدنى من الاستقرار؛ ومسارٌ اقتصادي يحوّل الانهيار نفسه إلى أداة ضغط، بحيث يصبح الخروج من الجوع، ومن الإفلاس، ومن العتمة، مشروطًا بالمرور في هذا الدرب؛ ومسارٌ قانونيّ وتشريعي يتطلع إلى تفكيك بنية الرفض التاريخية، بما في ذلك القوانين المناهضة للتطبيع؛ ثم مسارٌ مؤسسي يعيد تشكيل مراكز القرار، ويضغط على الجيش والحكومة والإدارة، ويرسم حدود الحركة وحدود الامتناع.

غير أنّ هذه المسارات، على الرغم من زخمها الخارجي، لا تتحرّك في فراغ. فلبنان ليس ورقةً بيضاء تُعاد الكتابة عليها بسهولة، بل ساحةٌ مثقلة بالعُقد، محكومة بتوازنات دقيقة، وبمواقع تحوّلت، مع الزمن، إلى نقاط عبورٍ إلزامية. وفي قلب هذه المعادلة، كما أشارت الدراسة منذ لحظتها الأولى، يقف رئيس البرلمان اللبناني، بوصفه موقعًا يضبط الإيقاع. لقد أتقن—وفقًا لهذه الدراسة—إدارة الزمن اللبناني لا السياسة فقط؛ فلا رفضٌ صريح يُقصيه، ولا قبولٌ كامل يُحمّله الكلفة. بل مقاربة تقوم على التأجيل، وتبريد الاندفاعات، وإعادة توجيه المسارات من داخلها، بما جعله، عمليًا، بوابةً تمرّ عبرها الاستحقاقات الكبرى، خصوصًا تلك المتصلة بعلاقة الدولة بحزب الله، أو بالملفات التي تتجاوز الإطار الداخلي.

غير أنّ هذا الدور نفسه، الذي كان عامل توازن، يعود اليوم في سياق مختلف تمامًا.

فمع الإعلان عن بدء المحادثات للتفاوض المباشر حول ما يُسمّى “السلام الممكن”، يتقدّم المشهد على مستويين: خطابٌ لبناني رسمي يركّز على أولوية وقف إطلاق النار، في مقابل خطابٍ إسرائيلي يرفع سقفًا مختلفًا تمامًا—نزع السلاح. غير أنّ هذا التباين لا يعكس عجزًا عن الحسم، بقدر ما يكشف عن مقاربةٍ مدروسة، تُبقي فيها الولايات المتحدة الفجوة قائمة، لا بوصفها خللًا، بل كأداة ضغطٍ تُدار بتأنٍّ، بحيث تتحوّل تدريجيًا إلى مدخلٍ للفرض.

وفي هذا السياق، لا تُقرأ المقاربة الحديثة الصادرة عن معهد واشنطن بوصفها توصيفًا لمسار تفاوضي قائم، بل كإعادة تعريف لنطاقه وحدوده. فالمسار الأميركي لم يعد يتركّز على إدارة التفاوض في شكله الخارجي—من حيث الأطراف أو أماكن الانعقاد—بل انتقل إلى مستوى أكثر تحديدًا، يتمثّل في إعادة ضبط موازين الداخل اللبناني نفسه كشرطٍ موازٍ لأي تقدّم خارجي. وفي هذا الإطار، تُعيد هذه المقاربة طرح دور رئيس المجلس النيابي ضمن وظيفة مختلفة عن تلك التي أدّاها سابقًا. فالدور الذي استُخدم لإدارة الوقت وامتصاص الاندفاعات، لم يعد يُقرأ كعنصر توازن، بل كعقدة مؤثّرة ينبغي التعامل معها ضمن هذا المسار: إمّا عبر احتوائها، أو إدراجها ضمنه، أو—عند الضرورة—تجاوز قدرتها على التعطيل. وعليه، تتغيّر بنية المعادلة: فلم تعد قائمة على إدارة الإيقاع السياسي، بل على فرضه ضمن إطار محدّد؛ ولم يعد التعطيل أداة تفاوض قابلة للتوظيف، بل عنصرًا يُعاد تعريفه كعائق ضمن منطق الضغط. ومن هذا المنطلق، لا يُعدّ التلويح بأدوات الضغط—بما في ذلك الأطر العقابية—تفصيلًا إجرائيًا، بل جزءًا من آلية أوسع لإعادة تنظيم السلوك السياسي الداخلي بما يتوافق مع متطلبات هذا المسار.

ومن جهةٍ أخرى، ووفق ما تعكسه مقاربة المعهد، فإن المسار التفاوضي اللبناني لن يُترك لرحمة التوازنات الداخلية، بل سيُدار بإحكام. فالرعاية هنا لا تُطرح بوصفها وساطةً تقليدية، بل كأداةٍ مباشرة لفرض المسار نفسه. فلا تكتفي الولايات المتحدة بفتح باب التفاوض، بل تتولّى ضبط اتجاهه، ودفعه—قسرًا—نحو أهدافٍ محدّدة، في مقدّمها تثبيت وقف إطلاق النار، لا كغايةٍ نهائية، بل كمدخلٍ إلزامي نحو نزع سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، لم يعد ملف نزع السلاح قابلًا للإرجاء أو محكومًا بالمماطلة، بل دُفع إلى صدارة الشروط، وربط مباشرةً باستمرار وقف إطلاق النار نفسه. فالمطلوب لم يعد إعلان نوايا، بل خطة واضحة المعالم: مصادرة، تفكيك، وتدمير للترسانة، ضمن جدولٍ زمني محدّد، وتحت سقف ضماناتٍ لا تقبل الالتباس. ومن هنا، يتقدّم منطق الربط كأداةٍ حاكمة: ربطُ المساعدات بالتنفيذ، والدعم بالنتائج، والتدفّقات المالية بمؤشّراتٍ ميدانية قابلة للقياس. فلم يعد الدعم يُقدَّم بوصفه حاجة، بل بوصفه مقابلًا؛ كلّ خطوةٍ تُنجز يقابلها دعم، وكلّ تباطؤٍ يُقابل بتلويحٍ بالعقاب.

ولا يتوقّف هذا الضغط عند حدود الأمن، بل يمتدّ إلى البنية القانونية والسياسية للدولة، حيث يُطرح تعديل أو تخفيف القوانين المناهضة للتطبيع ضمن سياسة “العصا والجزرة”: حوافز اقتصادية مقابل الانفتاح، وضغوط قانونية ومالية على من يعرقل. وهكذا، لا نكون أمام تفاوضٍ على تهدئة فحسب، بل أمام عملية متكاملة لإعادة هندسة لبنان نفسه—أمنيًا، وسياسيًا، وقانونيًا، ومؤسسيًا—ضمن معادلة واحدة: أنّ “السلام الممكن”لم يعد خيارًا يُناقش… بل مسارًا يُفرض.

وهكذا، فبينما ينشغل الداخل باستغاثة وقف النار، يكون الخارج قد تجاوز ذلك إلى سؤالٍ أكثر جدوى في حساباته: ماذا بعد الوقف؟ وبينما يناقش اللبنانيون شكل النجاة من القصف، تكون مراكز القرار قد انتقلت، ببرودةٍ محسوبة، إلى رسم ملامح البلد الذي سيخرج من تحت الركام: أيّ لبنان يُراد له أن يبقى، وأيّ توازنات ينبغي أن تُكسَر أو تُعاد صياغتها، وأيّ لغةٍ ستسود—لغة الدولة، أم لغة الضرورة، أم لغة الإنهاك الذي لم يعد يملك ترف الرفض.

في هذا المعنى، لا يقف لبنان اليوم، وسط هذا الدمار، على عتبة خلاص، بل في قلب امتحانٍ وجوديٍّ يُعاد فيه تعريف معنى النجاة نفسها: كيف ينجو دون أن تتحوّل النجاة إلى وجهٍ آخر للهزيمة؟ وكيف يقبل بما يُفرض عليه دون أن يشعر أنّه وقّع بيديه على استمرار نزفه ؟

ذلك أنّ ما يُطرح تحت عنوان “السلام الممكن” لا ينتمي إلى ذلك السلام الذي تحلم به الشعوب، ولا يشبه العدالة التي تنتظرها، ولا يقترب من مصالحةٍ مكتملةٍ تُغلق أبواب الحرب. إنّه، في جوهره، صيغةٌ سياسية لإدارة ما بعد الاستنزاف والإبادة: هدنةٌ قد تطول، لكن تحتها نار لم تخمد؛ سقفٌ جديد للخسارة، لا أفقٌ حقيقي للخلاص؛ وإطارٌ مُحكم لوجعٍ لا يُراد له أن ينتهي… بل أن يُدار.

إنّه ليس سلامًا، في نهاية المطاف…


بل سكونٌ مؤقّت، هشّ، مرتجف، يعلو فوق وطنٍ ينزف منذ زمن—ليس سوى صيغةٍ سياسية باردة… لإعادة إنتاج الانكسار، وإدارته.

فهل ما يُكتب اليوم نهايةُ حرب… أم بدايةُ زمنٍ يُدار فيه الانكسار كقدر؟

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجموعة موانئ أبوظبي توظف شبكتها اللوجستية المتكاملة لضمان مرونة التجارة ودعم سلسلة الإمداد الإقليمية

· قدرة المجموعة على ضمان استمرارية الخدمات خلال التطورات الإقليمية الراهنة تجسد مرونة منظومتها التجارية ...

كركي يتابع مع صقر والسيد أوضاع المضمونين وتحذير للمستشفيات من تقاضي فروقات ماليّة غير مبرّرة

استقبل المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي د. محمد كركي، في مكتبه صباح أمس الخميس، ...

العقود الآجلة للنفط تهوي مجدداً وسط تنامي التفاؤل حول وقف إطلاق النار

بقلم سامر حسن، محلل أسواق أول في XS.com تتداول العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط ...