الفضة (XAGUSD) بين رهانات الفيدرالي والتوترات الجيوسياسية: هدوء مؤقت أم بداية موجة صعود جديدة؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

تشهد أسواق المعادن الثمينة خلال الفترة الحالية حالة من الترقب الحذر، خاصة في سوق الفضة الذي بات أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية مقارنة بالسنوات الماضية. فرغم التراجعات الحادة التي شهدتها الفضة لتتداول اليوم عند 75.60 دولار بعد موجة الصعود التاريخية التي دفعتها لتجاوز مستويات غير مسبوقة، إلا أن القراءة المتأنية لتحركات السوق تشير إلى أن ما يحدث قد لا يكون سوى مرحلة تصحيح مؤقتة ضمن اتجاه صاعد طويل الأجل، مدفوع بعوامل هيكلية لا تزال قائمة بقوة حتى الآن. ومن وجهة نظري، فإن السوق لم يفقد زخمه الحقيقي، بل يعيد ترتيب مراكزه استعدادًا لتحركات أكثر وضوحًا خلال النصف الثاني من العام.

وفي تقديري، لا يمكن قراءة تحركات الفضة الحالية بمعزل عن السياسة النقدية الأمريكية، خصوصًا مع استمرار حالة الغموض التي تسيطر على توجهات الاحتياطي الفيدرالي. فالسوق كان يراهن خلال الأشهر الماضية على بدء دورة خفض أسعار الفائدة، لكن عودة الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة بسبب التوترات الجيوسياسية دفعا الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشددًا. ورغم أن ارتفاع الفائدة يشكل ضغطًا تقليديًا على المعادن الثمينة، فإن الفضة أظهرت قدرة لافتة على التماسك مقارنة بما كان متوقعًا، وهو ما يعكس وجود طلب حقيقي يتجاوز المضاربات قصيرة الأجل.

وأعتقد أن أحد أهم الأسباب التي تدعم الفضة حاليًا يتمثل في التحول الهيكلي العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة. فالفضة لم تعد مجرد معدن ثمين مرتبط بالتحوط أو الملاذات الآمنة، بل أصبحت عنصرًا صناعيًا استراتيجيًا يدخل في الصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية. وهذا يعني أن الطلب الصناعي على الفضة بات أكثر استدامة وأقل ارتباطًا بالدورات الاقتصادية التقليدية. ومن هنا، أرى أن أي تراجع حاد في الأسعار سيقابل غالبًا بعودة قوية للطلب الاستثماري والصناعي معًا.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أثر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على سلوك المستثمرين. فالحرب الإيرانية وما نتج عنها من مخاوف مرتبطة بالطاقة وسلاسل الإمداد دفعت الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر عالميًا. ورغم أن الذهب يبقى المستفيد الأول عادةً من أجواء القلق، فإن الفضة بدأت تستعيد تدريجيًا دورها كأصل دفاعي، خاصة مع تراجع الثقة في استقرار الاقتصاد العالمي. ومن وجهة نظري، فإن استمرار حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي سيدفع شريحة متزايدة من المستثمرين إلى تنويع محافظهم عبر المعادن الثمينة، ما سيمنح الفضة دعمًا إضافيًا خلال الأشهر المقبلة.

كما أرى أن العلاقة الحالية بين الدولار والمعادن الثمينة أصبحت أكثر تعقيدًا من السابق. ففي الظروف الطبيعية، يؤدي ارتفاع الدولار إلى الضغط على أسعار الفضة والذهب، لكن ما يحدث الآن يعكس حالة استثنائية نسبيًا. فالمخاوف من الركود التضخمي، وارتفاع مستويات الدين العالمي، واستمرار الإنفاق الحكومي المرتفع في الاقتصادات الكبرى، كلها عوامل تقلل من قدرة الدولار على الحفاظ على جاذبيته المطلقة كملاذ آمن وحيد. وهذا يفسر جزئيًا استمرار اهتمام المستثمرين بالفضة رغم البيئة النقدية المتشددة.

ومن الناحية الفنية، أعتقد أن الفضة تمر حاليًا بمرحلة إعادة تموضع سعري بعد موجة صعود مبالغ فيها خلال الأشهر الماضية. فمن الطبيعي أن تشهد الأسواق عمليات جني أرباح وتصحيحات حادة بعد ارتفاعات استثنائية، لكن الأهم هو قدرة الأسعار على الحفاظ على مستويات دعم رئيسية وعدم العودة إلى ما دون القيعان السابقة. وحتى الآن، لا تزال الفضة تتحرك ضمن نطاق يسمح باستمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا استمرت مستويات الطلب الصناعي الحالية دون تراجع حاد.

وفي تقديري، فإن شهر يونيو قد يشهد استمرار حالة التذبذب المرتفع، مع احتمالات تحرك الفضة ضمن نطاقات واسعة تتأثر بأي تطورات مفاجئة مرتبطة بالفيدرالي أو بالأوضاع الجيوسياسية. لكنني أعتقد أن السيناريو الأقرب يتمثل في استقرار تدريجي يتبعه استعادة للزخم الصاعد، خصوصًا إذا بدأت الأسواق في التسعير المسبق لاحتمالات تخفيف السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. كما أن أي تراجع في الدولار أو انخفاض في عوائد السندات قد يشكل نقطة تحول مهمة لصالح الفضة.

وأرى كذلك أن المستثمرين الذين ينظرون إلى الفضة بعقلية طويلة الأجل قد يجدون في المستويات الحالية فرصة لإعادة بناء المراكز الاستثمارية تدريجيًا، بدلًا من التركيز على التقلبات اليومية الحادة. فالأسواق غالبًا ما تبالغ في ردود أفعالها قصيرة الأجل، لكن الاتجاهات الكبرى تُبنى على العوامل الأساسية، وهذه العوامل لا تزال داعمة للفضة حتى الآن. لذلك، لا أعتقد أن السوق دخل مرحلة انهيار، بل يمر بفترة اختبار للسيولة والثقة قبل استئناف الاتجاه الرئيسي.

وفي النهاية، تبدو الفضة اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين الضغوط النقدية والفرص الاستراتيجية طويلة الأجل. وبينما يراهن البعض على مزيد من التصحيح بسبب سياسات الفيدرالي والتباطؤ الاقتصادي، أعتقد أن العوامل الداعمة للفضة أصبحت أعمق وأكثر تنوعًا من أي وقت مضى. ولهذا، فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن الهدوء الحالي قد لا يكون سوى محطة مؤقتة تسبق موجة صعود جديدة، خاصة إذا استمرت التوترات العالمية وتزايد الطلب الصناعي والاستثماري بالتوازي. وفي عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، ستبقى الفضة واحدة من أكثر الأصول حساسية للتحولات الكبرى، وربما أيضًا واحدة من أكثرها قدرة على مفاجأة الأسواق.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الهيئات الإقتصادية تبحث مع أمين عام غرفة التجارة الدولية تعزيز التعاون في مجالات تسهيل التجارة وتشجيع الاستثمار والسياحة المستدامة

إستقبلت الهيئات الاقتصادية برئاسة الوزير السابق محمد شقير، اليوم، الأمين العام لغرفة التجارة الدولية (ICC) ...

نظرة على الأسبوع المقبل: الجغرافيا السياسية وسوق العمل الأمريكي في صدارة المشهد

تحليل الأسواق عن احمد عسيري استراتيجي الابحاث في  Pepperstone  تدخل الأسواق المالية الأسبوع الأول من ...

لجنة الأطباء في مستشفى المشرق الفرنسي تكرّم نخبة من الأطباء في أمسية احتفالية مميزة

أنطوان معلوف: أفتخر بعائلتي الثانية وبأنني ساهمت في أن تكون IRCAD في لبنان أقامت لجنة ...