GBP/USD بين تشدد الفيدرالي وثبات بنك إنجلترا: إلى أين تتجه الأسعار؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

يواجه زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي مرحلة مفصلية قد تحدد مساره خلال النصف الثاني من عام 2026، في وقت تتقاطع فيه عوامل نقدية واقتصادية وسياسية معقدة حول العالم. فعلى الرغم من قرار بنك إنجلترا الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75%، إلا أن رد فعل الأسواق جاء سلبياً تجاه العملة البريطانية، وهو ما يؤكد أن المستثمرين باتوا ينظرون إلى المشهد العالمي من زاوية مختلفة، حيث أصبحت سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي العامل الأكثر تأثيراً في تسعير العملات الرئيسية، متجاوزة في أهميتها القرارات المحلية للبنوك المركزية الأخرى.

ومن وجهة نظري، فإن التراجع الأخير للجنيه الإسترليني لا يرتبط بضعف داخلي بقدر ما يعكس قوة متجددة للدولار الأمريكي. فالأسواق لم تركز على قرار تثبيت الفائدة من بنك إنجلترا بقدر ما ركزت على الرسالة المتشددة التي حملها اجتماع الاحتياطي الفيدرالي. فعندما يتوقع تسعة من أعضاء اللجنة الفيدرالية رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال عام 2026، فإن الرسالة الموجهة للأسواق تصبح واضحة للغاية: معركة التضخم لم تنته بعد، والاحتياطي الفيدرالي ليس في عجلة من أمره للانتقال إلى سياسة نقدية أكثر تيسيراً. هذا التحول دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم لمسار الفائدة الأمريكية، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الدولار.

وفي تقديري، فإن ما يزيد من قوة الموقف الأمريكي هو استمرار تماسك الاقتصاد رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض. فبيانات سوق العمل الأخيرة أظهرت انخفاض طلبات إعانة البطالة وتحسناً نسبياً في التوظيف، بينما لا يزال التضخم بعيداً عن مستهدف البنك المركزي. وهذه المعطيات تمنح صناع القرار في واشنطن مساحة أوسع للحفاظ على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول. لذلك أعتقد أن الأسواق بدأت تتبنى سيناريو “الفائدة المرتفعة لفترة أطول”، وهو سيناريو يصب بشكل مباشر في مصلحة الدولار الأمريكي ويزيد من الضغوط على العملات المنافسة، وفي مقدمتها الجنيه الإسترليني.

في المقابل، لا تبدو الصورة البريطانية ضعيفة بالكامل كما توحي حركة العملة. فبيانات الأجور وسوق العمل في المملكة المتحدة جاءت أفضل من المتوقع، كما أن انقسام التصويت داخل بنك إنجلترا كشف عن وجود تيار مؤثر داخل لجنة السياسة النقدية لا يزال يرى ضرورة تشديد السياسة النقدية لمواجهة الضغوط التضخمية. حيث إن تصويت كل من هيو بيل وميجان جرين لصالح رفع أسعار الفائدة يعكس قلقاً حقيقياً من استمرار ارتفاع توقعات التضخم لدى الأسر البريطانية. ومن وجهة نظري، فإن هذه الإشارات تؤكد أن بنك إنجلترا لم يغلق الباب أمام مزيد من التشديد مستقبلاً، لكنه في الوقت نفسه يفضل الانتظار للحصول على بيانات إضافية قبل اتخاذ خطوات جديدة.

لكن المشكلة الأساسية بالنسبة للجنيه الإسترليني لا تكمن فقط في الفجوة بين سياسات البنكين المركزيين، بل أيضاً في تزايد حالة عدم اليقين السياسي داخل المملكة المتحدة. فالتطورات الأخيرة المتعلقة بإمكانية عودة آندي بيرنهام إلى البرلمان وظهور توقعات حول منافسته المحتملة لكير ستارمر على قيادة حزب العمال تضيف بعداً جديداً للمخاطر السياسية. الأسواق المالية بطبيعتها لا تحب الغموض، وعندما تتزامن الشكوك السياسية مع تحديات اقتصادية قائمة، فإن المستثمرين يميلون إلى تقليص مراكزهم للأصول المرتبطة بتلك البيئة. لذلك أرى أن العامل السياسي بدأ يلعب دوراً متزايداً في تفسير ضعف الجنيه الإسترليني خلال الفترة الأخيرة.

ومن ناحية أخرى، فإن أحد التطورات المهمة التي تستحق المتابعة هو انفصال العلاقة التقليدية بين الدولار الأمريكي وأسعار النفط. ففي العادة كان تراجع النفط يشكل عامل ضغط على الدولار، إلا أن ما نشهده حالياً هو ارتفاع العملة الأمريكية رغم انخفاض أسعار الطاقة. وهذا السلوك يعكس أن قوة الدولار الحالية نابعة بالدرجة الأولى من السياسة النقدية وتدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الأمريكية، وليس فقط من تحركات السلع أو العوامل الدورية المعتادة. وفي رأيي، فإن استمرار هذا النمط سيمنح الدولار دعماً إضافياً خلال الأشهر المقبلة.

وعند النظر إلى المشهد بصورة أشمل، أعتقد أن الأسواق ربما تبالغ حالياً في تسعير التشدد الأمريكي مقارنة بالتطورات البريطانية. صحيح أن الفيدرالي يبدو أكثر تشدداً في الوقت الراهن، لكن الاقتصاد الأمريكي نفسه يواجه تباطؤاً متوقعاً في النمو وفق أحدث التقديرات، كما أن الحفاظ على معدلات فائدة مرتفعة لفترة طويلة قد يفرض ضغوطاً متزايدة على النشاط الاقتصادي والاستثماري. وإذا بدأت مؤشرات التباطؤ بالظهور بشكل أوضح خلال الربعين القادمين، فقد تجد الأسواق نفسها مضطرة لإعادة تقييم رهاناتها الحالية على الدولار.

لذلك، فإن توقعي الأساسي يتمثل في بقاء زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار تحت ضغط خلال المدى القصير والمتوسط، مع استمرار استفادة الدولار من توقعات الفائدة المرتفعة ومن مكانته كملاذ نقدي قوي. ومع ذلك، لا أرى أن الاتجاه الهابط للجنيه سيكون خطياً أو مستداماً بنفس الوتيرة الحالية، خاصة إذا واصل الاقتصاد البريطاني إظهار مرونة في سوق العمل والأجور، أو إذا اضطر بنك إنجلترا إلى تبني لهجة أكثر تشدداً في الاجتماعات المقبلة.

وفي النهاية، أعتقد أن العامل الحاسم لمسار الزوج خلال الأشهر القادمة لن يكون قراراً منفرداً من بنك إنجلترا أو الاحتياطي الفيدرالي، بل التوازن بين مسار التضخم والنمو في كلا الاقتصادين. وحتى تتغير هذه المعادلة، سيبقى الدولار أقوى، بينما يحتاج الجنيه الإسترليني إلى محفزات اقتصادية وسياسية أقوى لاستعادة الزخم أمام العملة الأمريكية.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شقير: انطلاقة السفير الدوسري وعودة التصدير إلى السعودية بشارة خير لعهد جديد من العلاقات الأخوية

هنّأ رئيس الهيئات الاقتصادية ورئيس تجمع “كلنا بيروت” الوزير السابق محمد شقير سفير المملكة العربية ...

حيدر بحث مع السفير المصري أوضاع العمالة المصرية في لبنان وزيارته المرتقبة إلى القاهرة

استقبل وزير العمل الدكتور محمد حيدر السفير المصري في لبنان علاء موسى، حيث جرى البحث ...

شركة تاتش تُضاعف إيرادات الأرقام المميزة بنسبة 470% عبر قنواتها الرقمية

بعد عام على إطلاق خدمة حجز الأرقام المميزة والمزاد العلني الالكتروني عبر موقعها الالكتروني وتطبيقها ...