الامتحانات الرسمية في زمن الحرب والنزوح

بين محور الشهادة، ومحور الإلغاء، ومحور المخرج الوطني

بقلم د. خالد عيتاني رئيس لجنة الطوارىء الإقتصادية

في لبنان، لا يمتحن الطلاب وحدهم هذا العام؛ الدولة أيضًا تمتحن عدالتها. فالامتحانات الرسمية لم تعد استحقاقًا تربويًا عاديًا، بل تحولت إلى صراع بين ثلاثة محاور متضاربة: محور يريد حماية الشهادة الرسمية بوصفها آخر معيار وطني موثوق، ومحور يريد الإلغاء أو التريث لأن الحرب والنزوح أسقطا شروط العدالة، ومحور ثالث يحاول إنتاج مخرج وطني يحفظ الشهادة من الانهيار ويحمي الطلاب من امتحان أعمى.

المحور الأول: الشهادة كآخر معيار وطني

تقف وزيرة التربية ريما كرامي في قلب هذا المحور، لا بوصفها مدافعة عن امتحان عادي مهما كانت الظروف، بل كمديرة أزمة تحاول حماية الشهادة من السقوط عبر التأجيل، الدورات، تقليص المناهج، والمخارج التنظيمية. وكما تابعت “الأخبار”، فإن النقاش انتقل من الإلغاء الكامل إلى صيغ مرنة ومخارج وطنية تؤجل الامتحانات وتعيد تنظيمها بدل نسفها.

إلى جانب هذا الاتجاه تقف نقابة المعلمين في المدارس الخاصة ونقيبها نعمة محفوض، إذ أوضحت النقابة، كما ورد في تغطيات صحافية، أنها لم تطالب بإلغاء الامتحانات أو استبدالها بالإفادات، بل دافعت عن إجرائها والحفاظ على قيمة الشهادة. ويلتقي معها بعض لجان الأهل والمؤسسات التربوية التي لا تنكر القلق الأمني، لكنها تخشى أن تتحول الإفادة إلى قاعدة، وأن تتحول الدولة من دولة شهادات إلى دولة إفادات.

ويُضاف إلى هذا المحور شخصيات تربوية وسياسية دافعت عن بقاء الشهادة، ولو بشروط استثنائية. فمواقف يوسف نصر، كما نُقلت في الإعلام التربوي، شددت على أن الشهادة الرسمية لا يجوز أن تسقط بسهولة، وأن المطلوب حماية قيمتها مع مراعاة الواقع الأمني. أما بهية الحريري، فحضرت في سياق دعم المسار التربوي والتحضير للطلاب، لا بوصفها طرفًا في صدام سياسي، بل كصوت يذكّر بأن الشهادة الرسمية بقيت تاريخيًا إحدى ركائز التعليم اللبناني. أما جمال العمر فيمثل موقفًا مشروطًا: لا إلغاء عشوائيًا ولا امتحانًا جامدًا، بل معالجة توازن بين الاستحقاق والظرف.

حجة هذا المحور قوية: الشهادة الرسمية ليست ورقة عبور، بل رأسمال أكاديمي واجتماعي ومهني. وكما كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”، “الإفادة ليست شهادة”. فالإفادة قد تنقل الطالب إداريًا، لكنها لا تحمل الوزن نفسه الذي تحمله شهادة ممتحنة. الشهادة تقول إن الطالب خضع لتقييم وطني، أما الإفادة فتقول إن الدولة علّقت التقييم بسبب ظرف استثنائي.

أهمية الشهادة تظهر في الجامعة أولًا. فالجامعات لا تحتاج فقط إلى معرفة أن الطالب أنهى صفه، بل إلى مؤشر على جاهزيته. في الطب والهندسة والحقوق والعلوم وإدارة الأعمال، لا يكفي الانتقال الورقي. الطالب الذي يدخل الجامعة بفجوات غير مقاسة سيواجه امتحانات قبول أو تصنيفًا أو سنة أولى تتحول إلى ترميم لما لم يُقَس في المدرسة. وتظهر أهمية الشهادة أيضًا في المنح والمعادلات والجامعات الخارجية، حيث تمنح الشهادة الرسمية الطالب ملفًا أقوى من إفادة تحتاج دائمًا إلى تفسير.

ولهذا كتب د. أيمن عمر في “نداء الوطن” أن إلغاء الشهادة يهدد رأس المال البشري والاقتصاد. فالدول لا تبني اقتصادًا معرفيًا بإفادات عامة، ولا تعالج انهيار التعليم بإلغاء أدوات القياس. إذا انتقل الضعف من المدرسة إلى الجامعة ثم إلى سوق العمل، فإن الكلفة لا تظهر فورًا، بل في ضعف الكفاءات وتراجع الثقة بالمخرجات التعليمية.

لكن هذا المحور يُهاجَم من نقطة جوهرية: الامتحان ليس قيمة مطلقة، بل أداة مشروطة بالعدالة. لا يكون الامتحان عادلًا لأنه موحد على الورق. العدالة لا تُقاس فقط بوحدة الأسئلة، بل بوحدة الفرص قبل الامتحان: من درس؟ من نزح؟ من عاش تحت القصف؟ من فقد مدرسته أو الإنترنت أو المعلم؟ ومن امتلك هدوءًا نفسيًا يسمح له بالتركيز؟ حين تتفاوت ظروف التحضير بهذا الشكل، يصبح الامتحان الموحد مساواة شكلية تنتج ظلمًا فعليًا.

المحور الثاني: الحرب كإسقاط لشروط العدالة

يقف في المحور الثاني من يرى أن الحرب جعلت الامتحان العادي غير أخلاقي وغير عادل. في مقدمته التعبئة التربوية في حزب الله والمكتب التربوي في حركة أمل، اللذان دعوا، كما أوردت “النشرة”، إلى التريث في امتحانات الثانوية العامة وإلغاء الشهادة المتوسطة لهذا العام. أهمية هذا الموقف أنه يصدر عن قوى ذات حضور سياسي وتنظيمي وازن في الجنوب والضاحية والبقاع، وهي مناطق تضررت مباشرة من القصف والنزوح. لذلك لا يبدو الموقف تربويًا فقط، بل سياسيًا واجتماعيًا أيضًا: كيف يُمتحن أبناء المناطق المقصوفة كأنهم عاشوا سنة طبيعية؟

إلى جانب هذا المحور، دخلت روابط وتجمعات تربوية على خط الاعتراض. فقد نقلت “الأخبار” موقف رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي تحت عنوان “حياة الطلاب أغلى من الامتحانات”، كما أعلنت الرابطة، بحسب “النشرة”، رفضها تحمل تبعات إجراء الامتحانات ومقاطعة المراقبة إذا أُجريت في موعدها. وتبرز أيضًا رابطة أساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي، التي طالبت بإلغاء الامتحانات أو إعادة النظر فيها بسبب غياب الاستقرار وتكافؤ الفرص. كما تمثل فروع رابطة التعليم الثانوي في الجنوب والنبطية صوت المناطق الأكثر تماسًا مع الخطر، حيث يصبح السؤال الأمني لا تنظيريًا بل يوميًا: هل يستطيع الطالب أن يصل إلى مركز الامتحان أصلًا؟

ولا يكتمل هذا المحور من دون ذكر الطلاب أنفسهم. فالتظاهرات الطلابية أمام وزارة التربية، كما ظهرت في تغطيات إعلامية، لم تكن مجرد اعتراض شبابي عابر، بل صرخة من جيل يشعر أنه يُطلب منه أن ينجح فوق ركام سنة لم تكن مدرسية كاملة. كما يدخل في هذا السياق اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة الذي طالب، كما أوردت “النشرة”، بإعادة النظر في آليات الامتحانات الرسمية، معبرًا عن خوف العائلات لا فقط من ضياع السنة، بل من تعريض أبنائها للخطر.

إعلاميًا، طرحت فتات عيّاد في “نداء الوطن” سؤال الضمانات الأمنية، وركز وليد حسين في “المدن” على عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب، وتابعت فاتن الحاج في “الأخبار” تقدّم خيار الإلغاء والنقاش حول التأجيل والصيغ المرنة، كما تناولت محدودية برامج الدعم الاستثنائي، ولا سيما لدى النازحين. وفي “بوابة التربية”، اختصرت د. ريما شرف الدين البعد الإنساني بقولها إن الطالب لا يمكن أن يُطلب منه أن يدرس بين الغارة والغارة.

سياسيًا، ذهب هذا المحور إلى البرلمان. فكما ذكرت “النهار”، تقدمت بولا يعقوبيان مع رئيس لجنة التربية النيابية حسن مراد باقتراح قانون معجل مكرر لإلغاء الامتحانات الرسمية لعام 2026. وظهر نواب مثل فراس حمدان وإدغار طرابلسي ضمن النقاش النيابي والتربوي بدرجات مختلفة من التحفظ أو الدعوة إلى معالجة استثنائية.

قوة هذا المحور أنه يعيد الإنسان إلى مركز النقاش: لا شهادة تستحق تعريض طالب أو أستاذ أو مراقب للخطر. لكن ضعفه أنه يصطدم بالسؤال الأصعب: ما البديل؟ فإذا كان الامتحان الأعمى ظلمًا، فإن الإفادة البيضاء ليست عدلًا. لبنان جرّب الإفادات أكثر من مرة؛ في 2020 أُلغيت امتحانات الثانوية بسبب كورونا، وفي 2023 أُلغيت امتحانات البريفيه، ووصفت “سكاي نيوز عربية” القرار بأنه أربك قطاع التعليم. والإفادة، مهما بدت رحيمة، قد تضعف ثقة الجامعات، وتدفعها إلى اختبارات قبول أو تصنيف، وتظلم المتفوق، وتنقل الفاقد التعليمي إلى الجامعة وسوق العمل.

المحور الثالث: المخرج الوطني والقانون كاختبار لعقل الدولة

بين المحورين يقف محور المخرج الوطني والقانون. هنا يظهر رئيس الحكومة نواف سلام ومجلس الوزراء في موقع الحَكَم السياسي. فكما ذكرت “النهار”، دار نقاش حاد بين سلام وكرامي حول الامتحانات وصلاحية القرار، ما يعني أن الملف لم يعد قرار وزارة فقط، بل قرار دولة في زمن حرب. كما أن مجلس الوزراء حسم سابقًا إعفاء وزارة التربية من إجراء امتحانات الشهادة المتوسطة لعام 2026، وفق ما نشره موقع رئاسة الحكومة، ما يؤكد أن الامتحانات أصبحت قضية حكم لا ملفًا تقنيًا.

يدخل في هذا المحور أيضًا نبيه بري، لا بوصفه طرف إلغاء كامل، بل كلاعب في صياغة المخرج الوطني. فقد تحدثت “الأخبار” عن “تسوية بري – كرامي” التي تقوم على تأجيل الامتحانات إلى 15 تموز، اعتماد دورتين، وتقليص المناهج، مع بقاء التنفيذ مرتبطًا بالتطورات الأمنية. هذا المحور يقول عمليًا: لا يمكن للوزارة أن تفرض امتحانًا كأن الحرب غير موجودة، ولا يمكن للقوى السياسية والتربوية أن تطيّر الشهادة بلا بديل.

أما قانونيًا، فيبرز رأي د. جهاد إسماعيل، كما ناقشته “النهار”، في أن الظرف الاستثنائي لا يبرر دائمًا إلغاء الامتحانات على كامل الأراضي اللبنانية إذا أمكن اعتماد تدابير محدودة ومتناسبة. هذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من الانفعال إلى قاعدة قانونية: الاستثناء يجب أن يكون بقدر الضرورة، لا أوسع منها. فلا الحكومة يحق لها أن تتصرف بمنطق الهروب من القرار، ولا مجلس النواب ينبغي أن يحول كل أزمة إلى قانون إلغاء، ولا الوزارة تستطيع أن تتجاهل أن الحرب غيّرت شروط التنفيذ.

المعركة إذًا ليست بين “مع” و“ضد” فقط، بل بين ثلاث رؤى للدولة: دولة جامدة تطبق امتحان زمن السلم في زمن الحرب، ودولة مرتخية تلغي القياس وتوزع الإفادات، ودولة عاقلة تعيد تصميم الشهادة كي تبقى عادلة وموثوقة. الأولى تضحي بالعدالة باسم الصدقية. الثانية تضحي بالصدقية باسم الرحمة. والثالثة وحدها تحاول حماية الطالب والشهادة معًا.

لذلك يجب أن يُبنى القرار على أربعة معايير: السلامة، العدالة، الصدقية، والمرونة. السلامة تعني ألا يُطلب من طالب أو أستاذ أو مراقب الانتقال إلى مركز خطر. العدالة تعني ألا نقيس طلابًا عاشوا ظروفًا تعليمية ونفسية متباينة بالاختبار نفسه من دون تعويض. الصدقية تعني ألا نمنح شهادة بلا حد أدنى من التقييم الوطني. والمرونة تعني أن الدولة في زمن الحرب لا تستطيع تطبيق أدوات زمن السلم كما هي.

الحل ليس إلغاء الشهادة، وليس إجراء امتحان عادي. الحل هو شهادة رسمية استثنائية متعددة المسارات: امتحان رسمي كامل للطلاب القادرين ضمن مراكز آمنة؛ دورات متعددة حقيقية بلا وصمة أو عقوبة؛ تقييم وطني بديل للطلاب المتضررين، لا إفادة بيضاء، بل مزيج من علامات مدرسية موثقة، واختبار كفايات أساسية مخفف أو مؤجل، ومشاريع أو مقابلات في بعض المواد، وتدقيق مركزي؛ ثم تنسيق مسبق مع الجامعات. ولمنع المحسوبيات، تُنشأ لجنة طوارئ تربوية تضم وزارة التربية، المركز التربوي، روابط التعليم، نقابة المعلمين، لجان الأهل، الجامعات، وخبراء تقويم.

الخلاصة

 أن أخطر ما كشفته الامتحانات ليس ضعف الطلاب، بل ضعف السياسة حين تتعامل مع التربية كملف اصطفاف. فالمؤيدون للشهادة يخطئون إذا ظنوا أن صون المعيار يكون بتجاهل النزوح والخوف. والرافضون للامتحانات يخطئون إذا ظنوا أن حماية الطالب تكون بإعطائه إفادة تلاحقه كوثيقة أضعف في الجامعة وسوق العمل. وأصحاب المخارج السياسية يخطئون إذا اكتفوا بتدوير الزوايا بدل بناء نظام تقييم عادل وشفاف.

لبنان، في لحظة حرب ونزوح، لا يحتاج إلى ثلاثة أصوات متخاصمة فوق رأس الطالب، بل إلى موقف وطني واحد. ومن هذا المنطلق، تتبنى لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة د. خالد عيتاني مخرجًا وطنيًا يقوم على معادلة واضحة: الشهادة يجب أن تبقى، لكن الامتحان يجب أن يتغير. لا إفادة بيضاء تفرّغ الشهادة من معناها، ولا امتحان أعمى يتظاهر أن القصف والنزوح لم يحدثا. المطلوب شجاعة ثالثة: شهادة رسمية استثنائية، متعددة المسارات، عادلة في شروطها، موثوقة في نتائجها، وتحفظ للطالب حقه في السلامة وحقه في المستقبل.

فالطالب اللبناني لا يجب أن يُمتحن مرتين: مرة بالنزوح والخوف، ومرة بانقسام سياسي وتربوي يتنازع على اسمه بدل أن يتوحد لإنقاذه.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أداء متباين في أسواق الأسهم الخليجية وسط تحسن الأوضاع الجيوسياسية وانخفاض أسعار النفط

تحليل السوق التالي عن دانيال تقي الدين الشريك المؤسس و الرئيس التنفيذي لمجموعة Sky Links ...

Wibmo تكشف عن مساعد ذكي وكيل لإدارة المخاطر – مساعد الذكاء الاصطناعي لعمليات الجرائم المالية

توفر المنصة “معلومات اذكية آلية لإدارة المخاطر تحت قيادة فريقك” – مما يُحدث تحولاً جذرياً ...

دار الدواء العربية تحصل على شهادة ISO 31000:2018 الدولية في إدارة المخاطر

أعلنت دار الدواء العربية، إحدى شركات مجموعة غباش، عن حصولها على شهادة ISO 31000:2018 لإدارة ...