كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يتداول النفط الخام حاليًا قرب 74.6 دولارًا للبرميل، بعد أن استعاد جزءًا من خسائره الأخيرة مدفوعًا بتجدد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وعودة المخاوف بشأن أمن الملاحة عبر مضيق هرمز. وبرأيي، فإن ما نشهده ليس مجرد ارتداد فني قصير الأجل، بل إعادة تسعير واضحة لعامل المخاطر الجيوسياسية في سوق الطاقة، بعدما كانت الأسواق قد بدأت تراهن على تهدئة تسمح بزيادة الإمدادات من المنطقة وتخفيف الضغوط على الأسعار.
واللافت في التحركات الأخيرة أن السوق لم يتفاعل فقط مع الأخبار العسكرية، بل مع احتمالات تعطل التدفقات النفطية في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فمضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط المنقولة بحرًا، وأي تهديد لاستمرارية الملاحة فيه يرفع فورًا ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. وحتى في حال عدم حدوث انقطاع فعلي للإمدادات، فإن مجرد ارتفاع احتمالات التعطل يدفع شركات الشحن والتأمين والمتعاملين إلى إعادة تقييم المخاطر، وهو ما ينعكس سريعًا على الأسعار والعقود الآجلة.
ومن وجهة نظري، فإن السوق يمر حاليًا بمرحلة صراع بين قوتين متعاكستين. القوة الأولى داعمة للأسعار وتتمثل في التصعيد العسكري، وضبابية المسار الدبلوماسي، وتشدد طهران في ربط أي استئناف للمفاوضات بتنفيذ التزامات سابقة تتعلق بصادراتها النفطية. أما القوة الثانية فتتمثل في المخاوف من تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، واحتمال تراجع الطلب على الطاقة إذا استمرت الأوضاع المالية المشددة لفترة أطول. وحتى الآن تبدو كفة المخاطر الجيوسياسية أثقل على المدى القصير، لكنها ليست كافية وحدها لضمان اتجاه صاعد مستدام ما لم تترافق مع مؤشرات فعلية على تشدد الإمدادات.
وأعتقد أيضًا أن سلوك السوق خلال الأيام المقبلة سيتأثر بدرجة كبيرة بالبيانات الأمريكية، وعلى رأسها مؤشرات التضخم. فإذا جاءت البيانات أعلى من التوقعات، فقد يعزز ذلك قوة الدولار ويرفع توقعات استمرار الفائدة المرتفعة، وهو ما قد يضغط على الأصول المقومة بالدولار ومن ضمنها النفط. لكن في المقابل، قد تُفسر الأسواق ارتفاع التضخم الناتج عن الطاقة على أنه دليل إضافي على استمرار اختناقات الإمداد، الأمر الذي قد يحد من أي تراجع حاد في الأسعار. لذلك فإن العلاقة بين النفط والدولار في هذه المرحلة تبدو أكثر تعقيدًا من المعتاد، لأن الجغرافيا السياسية تتداخل بقوة مع توقعات السياسة النقدية.
كما أرى أن منطقة 74 دولارًا تحولت إلى مستوى نفسي ومحوري مهم. فالحفاظ على التداول فوقها يشير إلى استمرار وجود طلب حقيقي من المؤسسات والمضاربين على المراكز الطويلة، وقد يفتح المجال لمحاولة اختبار مناطق أعلى خلال المدى القصير. أما العودة والإغلاق دونها بصورة واضحة فستعني أن الارتفاع الأخير كان في جزء كبير منه مدفوعًا بالأخبار، وأن السوق لا يزال يفتقر إلى الزخم الكافي لبناء موجة صعود ممتدة. كما أن أحجام التداول وتقلبات الجلسات الأخيرة توحي بأن المتعاملين يفضلون الاحتفاظ بمرونة عالية في المراكز بانتظار وضوح أكبر في المشهد السياسي والعسكري.
ولا يمكن تجاهل البعد الاستراتيجي المرتبط بإيران. فتعثر المفاوضات لا يؤثر فقط في المزاج العام للأسواق، بل يحد أيضًا من احتمالات عودة كميات إضافية من النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية في الأجل القريب. وفي تقديري، فإن أي انفراجة دبلوماسية حقيقية قد تؤدي إلى تهدئة جزء معتبر من علاوة المخاطر الحالية، بينما سيؤدي استمرار التصعيد أو اتساعه إلى إبقاء الأسعار مدعومة حتى دون حدوث اضطراب فعلي في الصادرات. ولهذا فإن المتداولين يراقبون التصريحات السياسية بالقدر نفسه الذي يراقبون به بيانات المخزونات والإنتاج.
مع ذلك، لا أتوقع في الوقت الراهن قفزة مستدامة نحو مستويات مرتفعة جدًا ما لم نشهد تطورًا نوعيًا يمس حركة الإمدادات أو الملاحة بشكل مباشر. فالاقتصاد العالمي لا يزال يواجه تحديات نمو حقيقية، والصين لم تستعد بعد الزخم الذي كان يدفع الطلب العالمي بقوة في دورات سابقة، كما أن بعض المنتجين يمتلكون قدرة على زيادة الإمدادات إذا اقتضت الحاجة. لذلك أرجح أن يبقى السوق حساسًا للأخبار، مع تداولات واسعة النطاق وتقلبات مرتفعة بدلًا من اتجاه أحادي واضح.
وخلاصة رؤيتي أن النفط الخام يقف حاليًا عند نقطة توازن دقيقة بين مخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط ومخاوف الطلب العالمي. وعلى المدى القصير، أميل إلى بقاء الأسعار مدعومة فوق مستوياتها الحالية ما دامت التوترات قائمة ولم تظهر مؤشرات حاسمة على انفراج دبلوماسي. أما على المدى المتوسط، فأرى أن الاتجاه النهائي سيتحدد وفق ثلاثة عوامل مترابطة: مسار التصعيد في مضيق هرمز، وبيانات التضخم والسياسة النقدية الأمريكية، وقدرة الاقتصاد العالمي على الحفاظ على وتيرة طلب مستقرة على الطاقة. وحتى تتضح هذه العناصر، أتوقع أن يبقى النفط في بيئة تداول شديدة الحساسية للأخبار، حيث تتحرك الأسعار بسرعة بين التفاؤل والحذر مع كل تطور جديد في المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي.
الدورة الإقتصادية الدورة الإقتصادية