توقعات مؤشر الدولار (DXY): هل تتحول التوترات الجيوسياسية إلى وقود لموجة صعود جديدة؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الأسواق العالمية نحو تطورات الشرق الأوسط، عاد مؤشر الدولار الأمريكي قرب 100.98 نقطة ليلعب دوره التقليدي كملاذ آمن، مستفيداً من تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع مستويات العزوف عن المخاطرة. وبرأيي، فإن التحركات الأخيرة للدولار لا يمكن تفسيرها من منظور السياسة النقدية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بعامل المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يفسر قدرة المؤشر على التعافي رغم صدور بيانات تضخم أمريكية أقل من المتوقع خلال الفترة الماضية. وفي تقديري، فإن استمرار تصاعد التوترات سيبقي الدولار في موقع القوة، حتى وإن تراجعت رهانات الأسواق بشأن تشديد السياسة النقدية على المدى القصير.

والمعادلة الحالية تختلف عن الفترات السابقة، لأن الأسواق تواجه في الوقت ذاته مخاطر سياسية وطاقوية ونقدية متشابكة. فكلما ارتفعت حدة التوترات في الشرق الأوسط، ازدادت المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار النفط التي حافظت على تداولاتها قرب أعلى مستوياتها في أكثر من شهر. ومن وجهة نظري، فإن هذا الارتفاع لا يمثل مجرد حركة سعرية مؤقتة، بل يحمل في طياته رسالة مهمة للأسواق مفادها أن مخاطر التضخم لم تنتهِ بعد، وأن الضغوط السعرية قد تعود للواجهة إذا استمرت أزمة الطاقة أو اتسع نطاقها.

وأرى أن العلاقة بين أسعار النفط والدولار الأمريكي أصبحت أكثر تعقيداً في المرحلة الحالية. ففي الظروف الطبيعية قد يؤدي ارتفاع النفط إلى الضغط على الاقتصاد الأمريكي، إلا أن المشهد الحالي مختلف، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة يعزز توقعات بقاء السياسة النقدية الأمريكية أكثر تشدداً لفترة أطول. وهذا السيناريو يمنح الدولار دعماً مزدوجاً؛ الأول من خلال زيادة الطلب عليه كعملة ملاذ آمن، والثاني عبر ارتفاع احتمالات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة مقارنة بالاقتصادات الرئيسية الأخرى. لذلك أعتقد أن أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط سيترجم بصورة غير مباشرة إلى دعم إضافي لمؤشر الدولار الأمريكي.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل أن البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة حملت إشارات أقل تشدداً، خصوصاً فيما يتعلق بالتضخم، وهو ما دفع الأسواق سابقاً إلى توقع مسار أكثر مرونة من جانب الاحتياطي الفيدرالي. إلا أنني أرى أن الأسواق ربما بالغت في تسعير هذا السيناريو، لأن أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة كفيلة بإعادة إشعال الضغوط التضخمية، وهو ما قد يجبر الفيدرالي على تأجيل أي توجه نحو تخفيف السياسة النقدية. ومن هنا، فإن المستثمرين باتوا يدركون أن انخفاض التضخم ليس ضمانة كافية لتيسير السياسة النقدية إذا عادت أسعار الطاقة إلى الارتفاع بقوة.

ويكتسب هذا المشهد أهمية أكبر مع دخول مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي فترة التعتيم الإعلامي قبل اجتماع السياسة النقدية المقبل، مما يعني غياب التصريحات الرسمية التي اعتادت الأسواق الاعتماد عليها لتوجيه توقعاتها. وبرأيي، فإن هذا الفراغ في التواصل سيجعل الأسواق أكثر حساسية للأخبار الجيوسياسية وتحركات النفط، لأن هذه العوامل ستصبح المصدر الرئيسي لتسعير الدولار خلال الأيام المقبلة. وفي مثل هذه الفترات، غالباً ما تتزايد التقلبات نتيجة غياب الإشارات الرسمية، وهو ما قد يمنح الدولار مساحة إضافية للتحرك وفقاً لتطورات المشهد السياسي العالمي.

كما أرى أن توقعات الأسواق بشأن إمكانية رفع أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام لا تزال توفر قاعدة دعم مهمة للدولار، حتى وإن شهدت بعض التذبذب. فالمستثمرون لا ينظرون فقط إلى القرار القادم، بل إلى المسار الكامل للسياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. وإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، وبقيت مخاطر التضخم قائمة، فإن احتمالات الإبقاء على سياسة نقدية مقيدة ستظل مرتفعة، وهو ما يصب في مصلحة الدولار مقارنة بالعديد من العملات الرئيسية التي تواجه بنوكها المركزية ضغوطاً أكبر للتيسير النقدي.

ومن زاوية أخرى، أعتقد أن الأداء النسبي للاقتصاد الأمريكي يمنح الدولار ميزة إضافية. فرغم تباطؤ بعض المؤشرات الاقتصادية، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يظهر قدراً من المرونة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المتقدمة، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين بالأصول المقومة بالدولار. كما أن اتساع الفجوة بين توقعات السياسة النقدية الأمريكية ونظيراتها في أوروبا وبعض الاقتصادات الكبرى يواصل دعم تدفقات رؤوس الأموال نحو الدولار، خصوصاً في فترات تصاعد المخاطر العالمية.

في ضوء هذه المعطيات، أميل إلى الاعتقاد بأن الاتجاه العام لمؤشر الدولار الأمريكي لا يزال يميل إلى الإيجابية خلال المدى القريب، شريطة استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم حدوث انفراج دبلوماسي سريع في الشرق الأوسط. وإذا واصلت أسعار النفط استقرارها عند مستويات مرتفعة أو حققت مكاسب إضافية، فمن المرجح أن يكتسب الدولار زخماً جديداً بدعم من ارتفاع الطلب على الملاذات الآمنة وتزايد التوقعات ببقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة لفترة أطول. أما السيناريو المعاكس، والمتمثل في تهدئة الأوضاع الجيوسياسية وانخفاض أسعار الطاقة بصورة ملحوظة، فقد يحد من مكاسب الدولار ويدفع المستثمرين لإعادة التركيز على البيانات الاقتصادية الأمريكية، ولا سيما مؤشرات سوق العمل والنشاط الاقتصادي. وحتى يتحقق ذلك، أرى أن ميزان المخاطر لا يزال يميل لصالح استمرار قوة الدولار، وأن أي تراجعات قصيرة الأجل قد تمثل فرصاً لإعادة بناء المراكز الشرائية، أكثر من كونها بداية لاتجاه هابط مستدام.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شراكة استراتيجية لتعزيز التدريب الرقمي والشهادات الدولية وتمكين الشباب في المغرب وأفريقيا وقّعت شركة طلال ...

ماجد عيد: خبر سار للمستهلكين… أسعار اللحوم إلى انخفاض مع تراجعها عالمياً

أعلن أمين سر نقابة مستوردي وتجار المواشي في لبنان ماجد عيد، في بيان اليوم أن ...

نوفو نورديسك الخليج تعيّن فينكات كاليان بمنصب المدير العام

أعلنت شركة نوفو نورديسك تعيين السيد فينكات كاليان مديراً عاماً لشركة نوفو نورديسك الخليج، في ...