“دبي الأفعال” أرست المعيار.. ماذا تعني الجاهزية الرقمية لامتثال شركتك، وعلاقاتها المصرفية، وقدرتها على الوصول إلى رأس المال؟

بقلم: بيتر إيفانتسوف، الشريك الإداري في GCG Structuring

أسهمت حملة “دبي الأفعال” (Dubai-It) في ترسيخ صورة دبي مركزاً عالمياً للتكنولوجيا والابتكار، فيما وفرت الحكومة البنية التحتية اللازمة لذلك، من الخدمات الذكية والمنصات الرقمية إلى الأطر التنظيمية المحفزة للابتكار. ولم يعد السؤال اليوم يتعلق بما توفره الحكومة، بل بمدى قدرة شركتك على مواكبة هذا المستوى.

وخلال السنوات المقبلة، لن تكون الشركات الأكثر نجاحاً في دبي هي تلك التي تمتلك الموقع الإلكتروني الأكثر تطوراً، بل الشركات التي تتمتع بمنظومة رقمية متكاملة لإعداد التقارير المالية، وإدارة الامتثال، وإجراءات انضمام العملاء، بما يمكنها من تقديم الإقرارات، واستيفاء المتطلبات المصرفية، والوصول إلى التمويل بالوتيرة التي أصبحت تعمل بها المنظومة اليوم.

بناء عمليات تشغيل رقمية من الداخل والخارج

ويتمثل المعيار الذي رسخته “دبي الأفعال” في تقديم خدمات رقمية سلسة تتمحور حول المستخدم. أما داخل الشركات، فلا يقتصر تحقيق هذا المعيار على امتلاك موقع إلكتروني أو نظام بريد إلكتروني، بل يعني أن تكون جميع السجلات والبيانات التي قد تطلبها الجهات التنظيمية أو البنوك متوافرة مباشرة عبر أنظمة الشركة، بدلاً من إعادة إعدادها يدوياً عند الحاجة.

وتبرز هنا ثلاثة عناصر رئيسية:

أولها، دفاتر محاسبية وسجلات مالية جاهزة للمراجعة والتدقيق في أي وقت. إذ ينبغي إدارة بيانات ضريبة الشركات، وضريبة القيمة المضافة، وسجلات المعاملات، والمستندات المؤيدة بشكل رقمي، بحيث يصبح إعداد الإقرار الضريبي أو الاستجابة لطلبات جهات التمويل إجراءً اعتيادياً، وليس حالة طوارئ تستنزف الوقت والموارد.

وثانيها الاستعداد للفوترة الإلكترونية. فمع بدء التطبيق التدريجي لمتطلبات الفوترة الإلكترونية في دولة الإمارات، ستكون الشركات التي تعتمد بالفعل إصدار فواتير رقمية منظمة قادرة على التكيف من دون تعطيل أعمالها، بينما ستجد الشركات التي لا تزال تعتمد الإجراءات اليدوية نفسها مضطرة إلى اللحاق بالتغييرات تحت ضغط الوقت.

أما ثالثها، فهو وجود ملفات رقمية محدثة لإجراءات “اعرف عميلك” (KYC) وسجل المستفيد الحقيقي (UBO).

إن الاحتفاظ بملفات ملكية وامتثال محدثة، وقابلة للتصدير والمعالجة آلياً، يسرّع إجراءات فتح الحسابات المصرفية، ويختصر الوقت اللازم لاستكمال عمليات العناية الواجبة التي يجريها المستثمرون.

والشركات التي استثمرت مبكراً في بناء هذه المنظومة تنجز معاملاتها بوتيرة أسرع، وتتفاعل مع الجهات الرقابية بكفاءة أكبر، وتجتاز مراجعات البنوك وجهات التمويل في وقت أقصر. أما محاولة إدخال هذه الأنظمة بعد ترسخ الإجراءات اليدوية، فتكون أعلى تكلفة وأكثر إرباكاً للأعمال مما لو جرى تصميمها منذ البداية.

الامتثال التنظيمي كمحفز لنمو الأعمال

تتمثل الطريقة الأكثر عملية للانسجام مع رؤية “دبي الأفعال” في بناء منظومة امتثال حديثة تتسم بالشفافية، وتكون بياناتها قابلة للمعالجة آلياً.

فالمعايير الدولية التي تطبقها المناطق الحرة على الشركات أصبحت تُنفذ بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية، مثل منصة “إمارات تاكس” (EmaraTax) الخاصة بضريبة الشركات وضريبة القيمة المضافة، إلى جانب السجلات الإلكترونية للمستفيد الحقيقي، وأنظمة التراخيص الرقمية.

وعندما يُنظر إلى الامتثال باعتباره أحد الأصول الاستراتيجية للشركة، فإنه يسهل الحصول على التمويل، وإبرام الشراكات، والتوسع في الأسواق الخارجية. أما التعامل معه باعتباره مجرد متطلب إجرائي، فهو ما يفرض لاحقاً إعادة هيكلة مكلفة كان من الممكن تجنبها.

واليوم، أصبحت إجراءات التسجيل، والترخيص، وتعديل الهياكل القانونية تتم عبر البوابات الرقمية في دبي، بينما يكمن التحدي الحقيقي في المحافظة على تحديث الإفصاحات والسجلات باستمرار، بما يعكس الواقع الفعلي للشركة، وليس مجرد إنجاز الإجراءات.

إعادة ابتكار تجربة العميل

في جوهرها، تدعو “دبي الأفعال” إلى إعادة التفكير في كيفية وصول الخدمات إلى مستخدميها. وعندما تطبق الشركات هذا المفهوم على عملائها، فإنها تتميز في سوق تزداد فيه المنافسة.

ويعني ذلك تصميم الخدمات بما يتوافق مع وقت العميل وموقعه، وتوفير تواصل واضح، وجداول زمنية يمكن التنبؤ بها، وإجراءات تعمل بسلاسة ومن دون تعقيد.

وبالنسبة لشركات الخدمات المهنية أو الشركات التجارية، فقد يعني ذلك أن يتمكن العميل من استكمال إجراءات الانضمام، وتوقيع المستندات، وإجراء معاملاته بالكامل عن بُعد، من دون الحاجة إلى أي حضور شخصي، وهو المستوى الذي أصبحت حكومة دبي نفسها تضعه معياراً لتقديم خدماتها.

الاستعداد للمرحلة المقبلة من النمو

لقد تحولت دبي من مركز لوجستي إلى مركز مالي عالمي متكامل، وأصبحت رؤوس الأموال التي تقف وراء هذا التحول أرقاماً يمكن قياسها.

فالأصول الاستثمارية السيادية لدولة الإمارات تبلغ نحو 2.49 تريليون دولار أمريكي، لتحتل الدولة المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة والصين، فيما يدير جهاز أبوظبي للاستثمار محفظة استثمارية تزيد قيمتها على تريليون دولار أمريكي.

ويتزامن ذلك مع نضوج متسارع لمنظومة الابتكار. ففي أبوظبي، تضم منظومة Hub71 حالياً 390 شركة ناشئة نجحت في جمع أكثر من 2.7 مليار دولار أمريكي منذ عام 2019، بدعم تحفيزي يصل إلى 750 ألف درهم لكل شركة.

وفي دبي، ارتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية والابتكار العاملة ضمن مركز دبي المالي العالمي إلى 1388 شركة، بزيادة سنوية بلغت 28%، فيما وصل برنامج FinTech Hive إلى نسخته التاسعة.

أما في سوق أبوظبي العالمي، فقد ارتفعت الأصول الخاضعة للإدارة بنسبة 36% خلال عام 2025، بينما يضم مركز دبي المالي العالمي اليوم أكثر من 100 مدير لصناديق التحوط، ما يجعله واحداً من أكبر خمسة مراكز عالمية في هذا القطاع.

وبالنسبة للشركات، فإن الفرصة حقيقية، كما أن المنافسة حقيقية أيضاً. فالشركات التي تنسجم مع هذه المنظومة في طريقة إدارتها، وآليات إعداد تقاريرها، وتعاملها مع العملاء، هي التي تنجح في استقطاب المستثمرين الجادين وبناء شراكات طويلة الأجل.

الخلاصة

لقد وضعت حكومة دبي المعيار. والوفاء بهذا المعيار لا يتحقق بالشعارات، بل بمدى جاهزية دفاترك المحاسبية، وإفصاحاتك النظامية، وإجراءات انضمام العملاء لديك للعمل بالسرعة التي تفرضها المنظومة اليوم.

فالشركات التي تسد هذه الفجوة الآن تنجز تعاملاتها المصرفية بسرعة أكبر، وتقدم إقراراتها بكفاءة أعلى، وتحصل على التمويل من دون تعقيدات. أما الشركات التي تؤجل هذا التحول، فستجد أن الفجوة بينها وبين توقعات السوق تتسع عاماً بعد عام.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رحلة في عقل حسين المتروك، أحدث المتداولين العرب في فريق Exness Team Pro

لا يتعامل حسين المتروك مع التداول على أنه بحث عن مكاسب متواصلة. بالنسبة له، التداول ...

ورشة عمل تقييمية للإستراتيجية الوطنية للصحة – رؤية 2030

ناصر الدين يؤكد: ما تحقق يثبت أن الإصلاح ممكن حتى في أوقات الأزمات ممثلة الإتحاد ...

وزارة المالية تنظّم الأربعاء جلسة تفاعلية عبر الإنترنت عن الضرائب على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة

تنظم وزارة الماليّة عبر معهدها المالي والاقتصادي – معهد باسل فليحان غداً الأربعاء جلسة تفاعلية ...