توقعات الذهب بعد اختراق 4600 دولار.. هل يشعل جاكسون هول موجة صعود جديدة؟

كُتب بواسطة: رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

تدخل أسعار الذهب أسبوعًا بالغ الأهمية بعد موجة صعود قوية دفعت المعدن النفيس إلى تجاوز مستوى 4600 دولار للأونصة، في تحرك أراه أبعد من كونه مجرد ارتداد سعري أو موجة مضاربية قصيرة الأجل. فقد سجل الذهب مكاسب أسبوعية تجاوزت 5%، محققًا ثالث مكسب أسبوعي متتالٍ، بينما تزامن ذلك مع ضعف الدولار وتراجع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتصاعد المخاوف المرتبطة بالديون والسياسة المالية الأمريكية. ومن وجهة نظري، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان الذهب قادرًا على اختراق 4600 دولار، وإنما ما إذا كان السوق قد بدأ بالفعل في إعادة تسعير المعدن عند مستويات أعلى؟

وهنا أرى أن قوة الحركة الحالية تستند إلى ثلاثة محركات رئيسية تعمل في الاتجاه نفسه. أولها الزخم الفني القوي بعد اختراق الذهب متوسطاته المتحركة الرئيسية، بما فيها متوسط 200 يوم، وهو مستوى يحظى بمتابعة واسعة من المؤسسات وصناديق الاتجاه. وثانيها تراجع الثقة في الدولار، خصوصًا مع تزايد المخاوف بشأن السياسة المالية الأمريكية واستدامة الدين. أما المحرك الثالث فهو ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يعزز الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم أصول الملاذ الآمن. وهذه العوامل مجتمعة تجعل الارتفاع الحالي أكثر قابلية للاستمرار مقارنة بموجات الصعود التي تعتمد على عامل واحد فقط.

ومن وجهة نظري، فإن ملف الدولار يمثل العامل الأكثر أهمية في تحديد المسار المتوسط للذهب. فالأسواق لم تعد تنظر فقط إلى مستوى أسعار الفائدة، وإنما أصبحت تراقب بصورة أكبر العلاقة بين الدين الأمريكي والعوائد والسياسة المالية وقوة العملة.

وقد أدى إعلان وزارة الخزانة الأمريكية زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى تراجع العوائد والدولار، وهو ما منح الذهب دفعة قوية. كما أن استمرار الذهب في الصعود رغم بقاء العوائد طويلة الأجل مرتفعة نسبيًا يحمل دلالة مهمة؛ إذ يشير إلى أن المستثمرين بدأوا ينظرون إلى الذهب ليس فقط كأصل لا يدر عائدًا، بل كوسيلة للتحوط من مخاطر الديون والعملات والسياسات الاقتصادية.

وهنا تحديدًا أرى أن طبيعة الطلب على الذهب بدأت تتغير. فالمعدن النفيس يتحول تدريجيًا من مجرد تحوط تقليدي ضد التضخم إلى أصل استراتيجي للتحوط من المخاطر المرتبطة بالنظام المالي والدولار الأمريكي. وهذا التحول مهم للغاية؛ لأن الطلب الناتج عن المخاوف المالية والجيوسياسية يمكن أن يستمر حتى في بيئة لا تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة بصورة كبيرة.

وبعبارة أخرى، لم يعد ارتفاع الذهب مرتبطًا فقط بتوقع خفض الفائدة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالسؤال الأوسع حول مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على إدارة ديونه والحفاظ على جاذبية الدولار.

كما أن المخاطر الجيوسياسية تضيف طبقة أخرى من الدعم للذهب. فاستمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط يعيدان إلى الأسواق مخاوف التضخم وأمن الطاقة، وفي الوقت نفسه يدفعان المستثمرين إلى زيادة التحوط من الصدمات غير المتوقعة. ومن وجهة نظري، فإن اجتماع ارتفاع النفط مع صعود الذهب يستحق المتابعة، لأنه يعكس تسعير السوق في الوقت نفسه لمخاطر التضخم والمخاطر الجيوسياسية. وكلما طال أمد حالة عدم اليقين، زادت احتمالات بقاء جزء من رؤوس الأموال في الذهب حتى إذا شهد السعر عمليات جني أرباح مؤقتة.

لكنني لا أرى أن الطريق أمام الذهب سيكون مستقيمًا. فالارتفاع السريع بأكثر من 5% في أسبوع واحد يعني أن السوق أصبح معرضًا بصورة أكبر لجني الأرباح والتصحيح الفني. كما أن أي ارتفاع مفاجئ في عوائد السندات أو عودة الدولار إلى القوة، أو صدور إشارات أكثر تشددًا من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يمكن أن يفرض ضغطًا مؤقتًا على الذهب. وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد؛ بل قد يمثل فرصة لإعادة بناء المراكز إذا حافظ الذهب على مناطق الدعم الرئيسية. وتشير المادة محل التحليل إلى أن عودة الذهب حتى مستوى 4400 دولار، إذا حدثت، لن تكون بالضرورة سلبية طالما حافظ على مستويات الدعم ولم يتحول التصحيح إلى كسر هيكلي للاتجاه.

أما العامل الأكثر حساسية في المدى القريب فهو ندوة جاكسون هول، لأن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش قد تعيد تشكيل توقعات السوق بشأن أسعار الفائدة والدولار والعوائد. وإذا جاءت الرسائل أكثر مرونة تجاه السياسة النقدية، فأرى أن الذهب سيكون أمام فرصة قوية لاختبار مستويات أعلى، خصوصًا مع ضعف الدولار وتراجع العوائد.

أما إذا حمل الخطاب نبرة أكثر تشددًا بشأن التضخم والحاجة إلى إبقاء السياسة النقدية مقيدة، فقد نشهد تصحيحًا سريعًا، لكنني أرجح أن يكون محدودًا ما لم يصاحبه تحسن واضح ومستدام في الدولار وارتفاع قوي في العوائد الحقيقية. وتبقى الأسواق شديدة الحساسية لأي تغيير في توقعات الفائدة خلال هذه المرحلة.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن تقديري هو أن مستوى 4600 – 4626 دولار تحول من مجرد حاجز نفسي إلى منطقة اختبار مهمة في المرحلة المقبلة. وإذا نجح الذهب في تثبيت التداولات فوقها واستعادة الزخم، فإن مستوى 4700 دولار يبدو هدفًا منطقيًا للمرحلة الأولى، وهو مستوى أشرنا اليه بالفعل باعتباره الهدف التالي في حال استمرار الزخم. أما على المدى المتوسط، فأرى أن الوصول إلى نطاق 5000 دولار أصبح سيناريو قابلًا للنقاش الجدي وليس مجرد توقع متفائل، خصوصًا مع استمرار الطلب من البنوك المركزية والمخاطر المالية والجيوسياسية، ما يعكس استمرار النظرة الإيجابية متوسطة الأجل.

وفي تقديري، فإن أهم ما تغير في سوق الذهب ليس الرقم الذي وصل إليه السعر، وإنما الأسباب التي تدفع المستثمرين إلى شراء الذهب. عندما يصبح القلق متعلقًا بالدولار والدين والسياسة المالية والجغرافيا السياسية في آن واحد، فإن الطلب على الذهب يصبح أكثر عمقًا وأقل اعتمادًا على محفز واحد.

لذلك أرى أن أي تصحيح قادم يجب قراءته بحذر؛ فقد يكون فرصة لإعادة التموضع بدلًا من اعتباره نهاية للموجة الصاعدة. وبالنسبة لي، يظل السيناريو الأساسي هو استمرار الاتجاه الإيجابي مع احتمالات تذبذب مرتفعة، على أن يكون اختراق 4700 دولار وثبات الذهب فوقه إشارة مهمة للصعود تدريجيًا الى مستويات 5000 دولار وما بعدها.

أما جاكسون هول، فأراه اختبارًا للزخم وليس بالضرورة اختبارًا للاتجاه؛ فإذا لم يغير الاحتياطي الفيدرالي الصورة الأساسية للدولار والعوائد، فإن قوة الذهب قد تكون أكبر من أن تنتهي بخطاب واحد.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أزمة تأصيل المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي:

حين نكتب أسرع مما نستطيع فهمه د. ميلاد السبعلي للمرة الأولى في تاريخ المعرفة البشرية، ...

أكثر بكثير من مجرد بطاقة: KAST تطلق Reserve لتمكين المستخدمين من تنمية رصيدهم بالدولار الأمريكي وإنفاقه

أطلقت KAST، منصة التكنولوجيا المالية المدعومة بالعملات المستقرة KAST Reserve، التي تتيح للناس كسب ما ...

Robo.ai Inc. تستعرض أحدث مستجدات أعمالها وتكشف عن الجدول الزمني لإصدار تقريرها المالي المرحلي

تواصل الشركة إعادة هيكلة وضعها المؤسسي والمالي وسط توقعات بتحوّل حقوق المساهمين إلى مستويات إيجابية. ...